كلمة المشرف على منتديات كلمة فضيلة الشيخ فلاح إسماعيل مندكار - حفظه الله -


العودة   منتديات الفلاح الإسلامية - نفع الله بها - > قسم المقالات > مقالات فضيلة الشيخ محمد بن علي فركوس

الملاحظات

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: لطائف نحوية مضحكة (آخر رد :خالد أبومسلم)       :: صيام التطوع (آخر رد :أم عبدالله)       :: العيد عبادة أم عادة؟ (آخر رد :أم عبدالله)       :: تفريج الكربات قربة لرب السماوات (آخر رد :أم عبدالله)       :: وَيسأَلُونَكَ عمَّنْ في العلومِ نبـأ قصيدة في مدح الإمام الألباني (آخر رد :أحمد بن عبد الله الجهني)       :: معنى (وإذا شيك فلا انتقش) (آخر رد :أبو الفضل الليبي)       :: من أحكام العيد (آخر رد :أبو الفضل الليبي)       :: تذكرأنك تكتب وسل نفسك ثلاثة أسئلة:لماذا أكتب؟ولمن أكتب؟وكيف أكتب؟ (آخر رد :أبو الفضل الليبي)       :: العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة (آخر رد :أم عبدالله)       :: عظيم الأجر باغتنام العشر (آخر رد :أم عبدالله)      

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-02-2009, 06:18 PM   #1
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"






الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"
للحافظ أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي (ت:474)



مقدمــة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمد عبده ورسوله.
وصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه أجمعين إلى يوم الدين.
أما بعد:

فإن الحافظ أبا الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة [٤٧٤هـ] أحد قادة الفكر الأندلسي الذين بلغوا ذروة المجد العلمي والنبوغ الفكري في القرن الخامس الهجري، قد ساهم في إثراء وتعزيز الثروة العلمية العظيمة بما تركه من آثار علمية قيمة، نافعة جليلة، جمعت بين الرواية والدراية، والمنقول والمعقول، فبرع في القرآن والحديث وعلومهما، والفقه وأصوله، والعربية وقواعدها، والعقليات وغوامضها، فكان خبيرا بها، قادرا على التأليف فيها، ومن مصنفاته الأصولية كتابه المختصر على كتابه الكبير الموسوم بـ "الإشارة في معرفة الأصول، والوجازة في معنى الدليل" ومن خلال مضامين كتابه يظهر تأثره بشيخه الأصولي الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الشافعي المتوفى سنة [٤٧٦هـ] في مسائل تعرض لها في كتبه الأصولية والجدلية مثل "التبصرة" وشرح اللمع" و"المعونة في الجدل" كما هو الحال في اصطلاح لحن الخطاب وفحوى الخطاب وإطلاقه لفظ الراوي وغيرها، كما اعتمد على كتبه في نقل الآراء الأصولية للمذهب الشافعي، وعلى كتب شيخه الفقيه القاضي أبي جعفر محمد بن أحمد السمناني المتوفى سنة [٤٤٤هـ] في نقل اجتهادات المذهب الحنفي، كما أفاد المؤلف من كتاب "التقريب" في أصول الفقه للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة [٤٠٣هـ] في مسائل عديدة منها: الأوامر والنواهي والعموم والخصوص، ومسائل أخرى، وقد كان للمصنف رأي مع الاجتهادات التي يوردها، فإن حصل توافق مع رأيه أخد بها وإلا ناقشها وفندها، لذلك جاء كتاب "الإشارة" لأبي الوليد الباجي رحمه الله على صغر حجمه واختصاره مستوعبا لمعلومات أصولية نفيسة، مفيدة للمبتدئ والباحث، راعى المؤلف فيه التيسير والتبسيط واختصره من كتابه المفصل في الأصول الموسوم بـ "إحكام الفصول في أحكام الأصول" فأشار فيه إلى أهم أبواب أصول الفقه، وأوجز العبارة في إيراده لمعاني الأدلة سواء النقلية منها أو العقلية بإيجاز غير مخل، تسهيلا للفهم، وتمكينا للقارئ من تحصيل المراد منه دون عناء ولا نصب مكتفيا بذكر الأقوال في المسائل الأصولية المطروحة، لذلك سماه "الإشارة في معرفة الأصول، والوجازة في معنى الدليل" فكانت عبارة المصنف علمية دقيقة سلسة، بعيدة عن التعقيد اللفظي والتعصب المذهبي، ولم يسلك فيه المصنف نهج المقارنة بين الآراء الأصولية المتعارضة بإيراد أدلتها ثم مناقشتها ونقضها، وإبراز الراجح منها كما هو صنيعه في الأصل إلا نادرا، لذلك نراه يبين ما ترجح عنده من الآراء الأصولية المالكية مدعما ترجيحه بالحجة النقلية والعقلية، وتارة يكتفي بدليل نقلي أو عقلي.


أما التعريفات الاصطلاحية الواردة في النص فقد استقاها كلها من كتابه "الحدود في أصول الفقه" كما يظهر –أيضا- رجوع المؤلف إلى كتابه الجدل المسمى: "تفسير المنهاج في ترتيب الحجاج، فقد أفاد منه مسائل عديدة منها باب الترجيح.


وقد اقتصر المصنف في مؤلفه على أقوال وآراء علماء المذاهب الثلاثة: الحنفي والمالكي والشافعي من غير أن يتعرض للمذهب الحنبلي، ولعل اقتصاره هذا كان نتيجة اطلاعه على اجتهادات الحنفية والمالكية والشافعية.


وقد جاء كتاب "الإشارة" حافلا بجملة من أقوال علماء المالكية ممن لم تنل اجتهاداتهم حظها من الطباعة والنشر، أمثال القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق البصري المتوفى سنة [٢٨٢هـ] وأبي الفرج عمرو بن محمد بن عمرو الليثي البغدادي المتوفى سنة [٣٣١هـ] وأبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري المتوفي سنة [٣٧٥هـ]، وأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد الشهير بابن القصار المتوفى سنة [٣٩٨هـ]، وأبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد التغلبي المتوفى سنة [٤٢٢هـ]، وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن خويز منداد البصري المتوفى في أواخر القرن الرابع الهجري، وغيرهم من أعلام المالكية المعروفين بالإجادة والإتقان في علم أصول الفقه وغيره من علوم الشريعة، بغض النظر عن أئمة المذاهب الأخرى.


هذا، وكتاب "الإشارة في معرفة الأصول" قد تناولته –فيما مضى- بالدراسة والتحقيق في محاولة لإخراجه على صورة قريبة من الصورة التي وضعها المصنف، وقد سلكت فيه خطوات منهجية متمثلة في القسم الدراسي أولا حيث رتبت فيه الخطة على مقدمة شاملة لأهمية ما يتضمنه الكتاب من قيمة علمية مع الإشادة بمكانة المصنف العلمية وبسط منهجي في الكتاب، ثم مهدت لترجمة أبي الوليد الباجي رحمه الله وحياته العلمية بتمهيد بينت فيه –باختصار- الوضع السياسي في القرن الخامس الهجري بالأندلس -وهو عصر ملوك الطوائف الذي عاش فيه الإمام الباجي رحمه الله- وانعكاساته السلبية على الوضع الاجتماعي المتردي لأصل إلى ذكر بعض ملامح الواقع العلمي وعوامل الازدهار الفكري.


وفي القسم التحقيقي تجسد عملي باتباع خطوات منهجية لا تخرج في الجملة عما يسلكه أهل التحقيق في مناهجهم الحديثة في تحقيق التراث الإسلامي وغيره، وختمت الكتاب بإعداد فهارس فنية علمية عامة للكتاب تسهيلا للرجوع إليه، ولم أدخر وسعا فيه لينال حظه من الدراسة والتحقيق والحمد لله الذي سهل لإخراجه ويسر لطبعه عدة طبعات داخل الجزائر وخارجها.


ومن أيام التحقيق كانت تشدني رغبة أكيدة في التعليق على بعض جوانب محتوى الكتاب على ما يتضمنه من معلومات وقواعد أصولية نافعة، وفترت الهمة به لولا دوافع الإلحاح من إخواني الذين نحسبهم من أهل الاستقامة والثبات على التعليق مما لا يحتويه كتابه "أحكام الفصول قي أحكام الأصول"، ومما قوى استجابتي لطلبهم ما وقفت عليه من ملاحظات عامة على منهجية المصنف في هذا الكتاب كإدراجه الفصل المتعلق بالتعارض والترجيح في باب العموم وأقسامه، إذ لا يخفى ما جرت به عادة علماء الأصول عند تعرضهم لمسألة التعارض والترجيح وضعها في باب مستقل يؤخرونها مع أواخر المباحث الأصولية الذي هو مكانها الأصلي لها، ومن ناحية ثانية يكتفي المصنف في العديد من المسائل الاجتهادية بذكر القول منسوبا إلى أهله ومقرونا بدليله من غير إشارة إلى كون المسائل مختلف فيها على نحو ما يفعله من المسائل الأخرى التي تعرض لها بالبيان، كمسألة تخصيص العموم بخبر الواحد، وتخصيص عموم القرآن وأخبار الآحاد بالقياس الجلي والخفي وفحوى الخطاب ولحن الخطاب والحصر وغيرها. كما أن المصنف يعنون في كتابه الأبواب والفصول لكن يغيب التوازن بينها، فنجد أبوابا تتراوح فصولها من ثلاثة إلى أحد عشر فصلا، وأبوابا أخرى بفصل واحد فريد: كباب أحكام الاستثناء وباب الأسماء العرفية، وباب أحكام الترجيح، وأبوابا ثالثة مجردة من الفصول: كباب حكم المطلق والمقيد وما يتصل بالخاص والعام، وباب حكم المجمل، وتارة نجد بعض المباحث الأصولية معراة عن الأبواب والفصول كمسائل النهي. وقد جعلت في تعليقي هذا على هذه الفصول المعراة عناوين مناسبة وضعتها بين معقوفين ليسهل الرجوع إليها.


ومما تجدر ملاحظته – أيضا – أن المصنف قد يقسم المسألة إلى ضربين أو أكثر فيترك الضرب الأول ضمن باب والأضرب الأخرى ضمن فصول لاحقة لها مثل ما فعل في باب الكلام في معقول الأصل، وقد يعمد-أحيانا- إلى تقسيم المسألة إلى قسمين: يضع القسم الأول في فصل والثاني في باب مثل ما هو حاصل في باب أحكام الترجيح، ولا يخفى أن مثل هذه الجوانب من منهجية التأليف مؤاخذ عليها من الناحية الشكلية، فضلا عن الملاحظات والتعليقات التي أوردتها على متن المصنف، وقد جاءت إكمالا لمضمون القاعدة وإتماما للفائدة وتعميما للخير وخدمة للعلم وذلك بتنوير مقاطع من نص المصنف وزيادة توضيحها، وقد وسمت تعليقي بعنوان: "الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة" ".

وبعد كل مقطع نص المصنف أبدأ تعليقي، ورمزت له بحرف [م] آخذا من أول حرف لفظ [المعلق] وتركت الإحالة على المصادر في بعض الجهات من التعليق اكتفاء بالمصادر المثبتة على هامش التحقيق السابق لنص المصنف.


والله تعالى أساله أن ينفعنا بعلم السابقين، ويحشرنا مع الصالحين ويغفر لنا أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وزوجاته أمهات المؤمنين وإخوانه إلى يوم الدين.



القاضي أبو الوليد الباجي [ ت: ٤٧٤ ] في ترجمة مختصرة(١)
هو سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي(٢)، الباجي، القرطبي، البطليوسي، الذهبي(٣) الأندلسي، القاضي المالكي، المكنى بأبي الوليد، ولد الباجي -رحمه الله- يوم الثلاثاء ١٥ من ذي القعدة سنة ٤٠٣هـ، وكان مسقط رأسه ببطليوس، ثم رحل به من صباه إلى باجة الأندلس، ثم انتقل إلى قرطبة، وينتسب أبو الوليد الباجي -رحمه الله- إلى أسرة علم وتقوى ونبل وحسن تدين، فكان والده أبو سليمان خلف بن سعد من أهل العفة والصلاح، ووالدته أم سليمان فقيهة عابدة وهي بنت فقيه الأندلس أبي بكر محمد بن موهب القبري المعروف بالحصار فهو جده لأمه، وإخوته الأربعة: إبراهيم وعلي، وعمر، ومحمد على وتيرة أبيهم من حسن التدين، وأعمامه الثلاث بنوسعد: خلف، وعبد الرحمن وأحمد فقد نعتوا بكثرة العبادة والخير، أما أخواله فكانوا من أهل العلم والعبادة ومنهم خاله العالم الخطيب أبو شاكر عبد الواحد بن محمد المعروف بالقبري وهو أحد شيوخ القاضي أبي الوليد الباجي.

أما أبناؤه فمنهم: محمد وكنيته أبو الحسن توفي في حياة والده وكان شابا يتصف بالذكاء والنبل، ومن أشهر أولاده أبو القاسم الذي برع في علم الأصول وخلف أباه في حلقته بعد وفاته وأذن له في إصلاح كتبه الأصولية وجمع ديوانه وصلى عليه يوم وفاته، وله ابنة نجيبة زوجها للفقيه المحدث أبي العباس أحمد بن عبد الملك المرسي أحد طلبة الباجي.
وفي وسط هذه الأسرة العربية الأصيلة، وفي كنف هذه البيئة العلمية نشأ أبو الوليد الباجي ونال حظه من التربية الحسنة، وأخذ تعليمه الأولي في سن مبكرة، ساعده ذلك على تنمية قدراته الذهنية ومواهبه الفكرية، الأمر الذي فسح أمامه آفاقا واسعة تبشر بغد مشرق بالعلم والمعرفة.

وفي مراحله التعليمية توجه أبو الوليد الباجي برغبة أكيدة إلى طلب العلم وعمل على تحصيل مدارك العلوم والمعرفة بشتى الوسائل تدريجيا، فأخذ من علماء بلده بالأندلس غربا أولا، ففي قرطبة أخذ عن خاله أبي شاكر عبد الواحد وعن المحدث اللغوي يونس بن مغيث وعن الإمام المقري الكبير أبي محمد مكي بن أبي طالب، وبطرطوشة أخذ عن أبي سعيد الجعفري، وبطليطلة أخذ عن ابن الرحوي، وبسرقسطة أخذ عن بن فورتش القاضي، وبوشقة أخذ عن ابن أبي درهم، فلما استوعب أبو الوليد الباجي علوم الأندلس وجد في نفسه عزما قويا في المزيد من طلب العلوم، فقرر الرحيل صوب المشرق الإسلامي ثانيا فأخذ من علماء الحجاز والعراق بصبر عريض واجتهاد دؤوب وهمة عالية، وكان أول منازله الحجاز، ففي مكة لزم أباذر الهروي، وسمع من شيوخ الحرم كأبي بكر المطوعي وأبي بكر بن سحنويه الإسفرائيني، وأبي القاسم بن محرز وغيرهم، ومن الحجاز اتجه صوب العراق وهو لا يزال متعطشا إلى المزيد من العلوم، ولتحقيق رغبته استأجر نفسه أيام إقامته ببغداد لحراسة الدروب، فكان ينفق ما يعطى له من أجر على معاشه دون أن تفوته مجالسة العلماء، ويستعين بضوء الدروب ليلا ليطالع ما حصله من العلم ويراجعه.

ومن أشهر شيوخه ببغداد القاضي أبو الطيب طاهر الطبري الشافعي، وأبو اسحاق إبراهيم الشيرازي، وأبو الفضل ابن عمروس، وأبو عبد الله الصيمري، وأبو عبد الله الصوري وغيرهم، ثم دخل الشام، وفي دمشق مكث بها ثلاثة أعوام، أخذ عن جملة من كبار العلماء منهم: أبو الحسن بن السمسار، وأبو محمد بن جميع، وأبو القاسم بن الطبيز وغيرهم، ورحل الموصل وبها أقام عاما كاملا يدرس العقليات على أبي جعفر السمناني، ودخل مصر وبها سمع من أبي محمد بن الوليد وغيره، هكذا قضى أيامه الدراسية بالمشرق نحو ثلاث عشرة سنة من المثابرة في الطلب والاجتهاد في التحصيل لا يهاب في سبيل تحقيق رغبته حر الصيف ولا برد الشتاء.

فلما حقق رغبته وأشبع حاجته وقضى منيته، وبرع في القرآن والحديث وعلومهما، والفقه والأصول، والعربية وقواعدها، والعقليات وتوابعها، وجد في نفسه حنين الديار وأحس بالشوق للأهل والأحباب، فقرر العودة إلى الأندلس بعد رحلته المشرقية. وقد كان لطائفة من أهم شيوخ أبي الوليد الباجي الأثر البالغ على شخصيته، ومفعولا في تكوينه العلمي وسلوكه الخلقي، كما كان لأقرانه الذين لهم نصيب في تكوين شخصيته العلمية من خلال التنافس في البحث والتحصيل والتأليف والتدوين والمناظرات العلمية، ومن أقرانه : أبو محمد بن حزم الظاهري، وأبو عمر بن عبد البر النمري وأبو بكر الخطيب البغدادي وغيرهم، وفي أرض الأندلس قام أبو الوليد الباجي بعدة نشاطات علمية تمثلت في دروسه العامة والتوجيهية وحلقاته التربوية الخاصة التي كان يلقيها في مختلف جهات الأندلس من خلال تنقلاته المتعددة بين الأمصار وحواضر الأندلس لنشر العلم وبث المعرفة، وقد كانت حلقاته من أكبر حلقات الاستماع في الأندلس عددا، وقد سهلت تنقلاته للعديد من الطلاب الذين لم تسمح لهم ظروف التنقل من الأخذ والرواية عنه ومن التحديث والمذاكرة، ومن أهم تلامذة أبي الوليد الباجي الذين تفقهوا بملازمته وانتفعوا بعلمه ونشروه : ابنه أبو القاسم أحمد بن سليمان، وأبو علي الحسين بن أحمد الغساني الجياني، وأبو علي حسين الصدفي السرقسطي المعروف بابن سكرة، وأبو بكر الطرطوشي المعروف بابن أبي رندقة، وأبو بكر محمد بن حيدرة المعافري، وأبو بكر عبد الله الإشبيلي، وأبو بكر بن دريد الأسدي، وغيرهم كثير ممن أثر في تكوينهم العلمي والتربوي وتفقهوا على يديه.

هذا، وقد كانت للمناظرات العلمية التي أجراها بالأندلس، وظهور تآليفه الأصولية والفقهية وانتشار علمه وذيوع صيته، وما يتميز به من صفة خلقية في هيئته وسمته ووقاره، فضلا عن اتصافه بالديانة والتقوى، الأثر البالغ في نفوس الناس، كما كان تكوينه العلمي والأدبي محل ثقتهم، الأمر الذي فتح مجالا للحكام ليتصلوا به ويتقربوا إليه، وكانت صلته بهم عملية تتمثل في مهام ميدانية، فقد أسند إليه مهمة القضاء وكلف به، ثم ندب ليطوف بحواضر الأندلس قصد توحيد جهود المسلمين وجمع كلمة الملوك، ولم الشعت والوقوف صفا واحدا متراصيا ضد ألفونس السادس العدو المشترك الذي كان يتربص بهم الدوائر بعد ما قويت شوكته، وتكثفت ضغوطه على طليطلة، فلم يزل أبو الوليد الباجي في سفارته بين ملوك الطوائف مجتهدا يؤلفهم على نصرة الإسلام ونبذ أحقادهم، وجمع كلمتهم، والاستعانة بجيش المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين لصد العدو الصليبي الذي كان يتربص بالمسلمين الدوائر حتى وافاه أجله بمدينة "المرية" من ليلة الخميس –بين العشائين- في التاسع عشر [١٩ رجب من سنة ٤٧٤ هـ]، -رحمه الله ورحم المسلمين أجمعين-.
هذا، وإن اشتغال أبي الوليد الباجي بالمهام القضائية والأمانات والسفارة بين ملوك الطوائف لإصلاح ذات البين لم يُثْنِهِ عن نشر العلم والمعرفة والتدريس والتأليف، فلقد ترك –رحمه الله- آثارا علمية نافعة، وثروة وافرة قيمة من الكتب والرسائل في مجالات شتى وفنون متنوعة جمعت بين المنقول والمعقول، والرواية والدراية، تشهد له بمعرفته، وسعة علمه، ومكانته الراقية بين علماء زمانه، وقد حفظت لنا مختلف المصادر والمراجع عناوين كتبه ومسائله منها ما خرج إلى حيّز الوجود مطبوعا ومتداولا، ومنها ما بقي مخطوطا، فله مؤلفات في فقه أحاديث الموطأ والمسائل الفرعية عليها مثل : "الاستيفاء"، و"المنتقى"، و"الإيماء"، وله في شرح المسائل الفقهية في المدونة أو في اختصارات عليها وتهذيبها منها : "شرح المدونة"، و"مختصر المختصر"، و"المهذب"، وفي المجال الفقهي أيضا له : "المقتبس في علم مالك بن أنس"، وكتاب "فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكام". وله في مجال الحديث والرجال والتراجم مؤلفات منها : "التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح" و"اختلاف الموطآت" و"فرق الفقهاء" و"التبيين لمسائل المهتدين" و"فهرست" أما مصنفاته الأصولية والجدلية منها : "إحكام الفصول في أحكام الأصول" و"الإشارة إلى معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل" و"الحدود في أصول الفقه" و"الناسخ والمنسوخ في الأصول" و"تفسير المنهاج في ترتيب طرق الحجاج"، وله مصنفات في الزهد والرقائق منها : "سنن الصالحين وسنن العابدين" وكتاب "سبيل المهتدين".

كما له مصنفات في علوم أخرى مثل : "التسديد إلى معرفة التوحيد" و"تفسير القرآن" و"الانتصار لأعراض الأئمة الأخيار" وفي اللغة "تهذيب الزاهر لابن الأنباري"، كما للقاضي أبي الوليد الباجي رسائل ومسائل، ومن رسائله : "الرد على رسالة الراهب الفرنسي" و"تحقيق المذهب في أن رسول الله قد كتب" و"الوصية لولديه" و"شرح حديث : البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، ومن المسائل التي عالجها الباجي تحمل الصبغة الفقهية والطابع الخلافي مثل: "مسألة مسح الرأس" و"مسألة غسل الرجلين" و"مسألة اختلاف الزوجين في الصداق"وغيرها. كما أن له شعرا ونثرا اهتم بهما منذ صغره فجعل قراءة الأدب شعرا ونثرا أحد محاور عنايته، وشاعرية أبي الوليد الباجي متفق عليها عند علماء التراجم، فقد كان شاعرا مطبوعا جيد العبارة، حسن النظم، فشعره هادف يعمل على خدمة أغراض بناءة بمعان في عقود مصروفة عن الإسفاف والهذر، وجملة أبياته وشعره تدل على ذوقه الأدبي ونبوغه الشعري.

هذا، وملخص حياة أبي الوليد الباجي رحمه الله، في الجملة أنه ابتدأ حياته الفكرية بالأدب فبرز في ميادينه، وانتهى تحصيله بعلوم الديانة غربا وشرقا، وجعل خاتمة أمره ومنتهى طوافه السفارة الإصلاحية بين ملوك الطوائف جمعا لكلمة المسلمين ولما لشملهم، فضلا عن المهام القضائية والأمانات التي أسندت إليه، كل ذلك لم يمنعه من أداء واجبه في نشر العلم والمعرفة وتكريسهما بالتدريس والتأليف، وقد خلف لنا آثارا وثروة علمية نافعة تربو عن ثلاثين مؤلفاً في مختلف أنواع العلوم الشرعية التي أحيت ذكره، وخلدت اسمه، وأكدت عظمة شخصيته العلمية البارزة.




بـاب أقسـام أدلـة الشـرع

[فصل في المجاز ]



• قال الباجي –رحمه الله- في [ص:١٥٦]: "... فأما المجاز: فهو كل لفظ تجوز به عن موضوعه، وهو على أربعة أضرب:..."
[م] والمجاز مشتق من الجواز، والجواز في الأماكن حقيقة وهو العبور، ويستعمل في المعاني، فهو طريق المعنى بالقول، ويسمى بذلك لأن أهل اللغة يجاوزون به عن أصل الوضع توسعا منهم. واستعمل المصنف لفظ [تجوز] في الحد، وهو تعريف لفظ المعرف، ويستحسن عند العلماء صون الحدود عن ذلك، ويمكن تعريفه بأنه : " اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أصلا لعلاقة بينهما مع وجود قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي "(٤)

وقد جعل المصنف قسمة المجاز في القرآن الكريم رباعية تبعا لأبي إسحاق الشيرازي كما جاء في شرح اللمع "(٥) والتبصرة (٦) والقسمة نفسها ذكرها الكلواذاني في التمهيد(٧) وزاد آخرون أقساما أخرى(٨) قال الشوكاني معقبا على من قيد آحاد المجاز بعدد : " واعلم أنه لا يشترط النقل في آحاد المجاز بل العلاقة كافية والمعتبر نوعها، ولو كان نقل آحاد المجاز معتبرا لتوقف أهل العربية في التجوز على النقل، ولو وقعت منهم التخطئة لمن استعمل غير المسموع من المجازات وليس كذلك بالاستقراء، لذلك لم يدونوا المجازات كالحقائق، وأيضا لو كان نقليا لاستغنى عن النظر في العلاقة لكفاية النقل ....وكل من له علم وفهم يعلم أن أهل اللغة العربية ما زالوا يخترعون المجازات عند وجود العلاقة ومع نصب القرينة وهكذا من جاء بعدهم من أهل البلاغة في فني النظم والنثر، ويتمادحون باختراع الشيء الغريب من المجازات عند وجود المصحح للتجوز ولم يسمع عن واحد منهم خلاف هذا "(٩).


• ومن الفصل نفسه في : [ص : ١٥٨] قال الباجي - رحمه الله- " واحتجوا بأن القرآن كله حق، ومحال أن يكون حقا ما ليس بحقيقة ..."
[م] في مسألة وقوع المجاز في القرآن الكريم خلاف، وما عليه جمهور العلماء وقوعه مطلقا في القرآن والحديث واللغة، وذهب محمد بن خويز منداد وابن القاص من الشافعية وابن حامد وأبو الحسين التميمي وغيرهم إلى عدم وقوعه في القرآن الكريم وواقع في غيره، ويرى المذهب الثالث عدم وقوعه في القرآن والحديث وواقع فيما عداهما وهو محكي عن داود الظاهري وابنه أبي بكر، وإن كان المشهور عنهما القول بمنع وقوعه في القرآن خاصة. وبالغ في إيضاح منع المجاز أبو العباس ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بل أوضحا منعه في اللغة أصلا وبه قال أبو إسحاق الإسفرائيني وأبو علي الفارسي كما عزاه لهما ابن السبكي في جمع الجوامع(١٠).

قال الشنقيطي في " منع جواز المجاز " : " وأوضح دليل على منعه في القرآن إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقا في نفس الأمر، فتقول لمن قال : رأيت أسدا يرمي ليس هو بأسد، وإنما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأن في القرآن مجازا أن في القرآن ما يجوز نفيه، ولاشك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهدت في الخارج صحته، وأنه ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في القرآن العظيم "(١١)

قلت [المعلق]: من تأول صفات الله تعالى الواردة في القرآن ونفى حقيقتها بشبهات عقلية أثبت المجاز فيها، وهو مذهب المثبتين للمجاز من المتكلمين ومن وافقهم، وعليه فالقول بالمجاز على هذا الرأي ذريعة إلى تأويل الصفات ونفيها، وهذا على خلاف مذهب المثبتين للمجاز من أهل السنة، فأثبتوا صفات الله تعالى في القرآن على حقيقتها ومنعوا دخول المجاز فيها، وماعدا آيات الصفات فالمجاز يدخل فيها ولا تلازم بين القسمين إذ لا يلزم من إثبات المجاز تأويل الصفات أو نفيها، لأن المجاز يحتاج إلى قرينة وهي منتفية عن آيات الصفات عند أهل السنة، والظاهر أن الخلاف بين أهل السنة في إثبات المجاز ونفيه خلاف لفظي كما صرح ابن قدامة رحمه الله بقوله : " ..وذلك كله مجاز، لأنه استعمال للفظ في غير موضوعه ومن منع فقد كابر، ومن سلم وقال : لا أسميه مجازا فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه، والله أعلم"(١٢) .



فصل
[في الحقيقة]


• وقول الباجي رحمه الله في [ص : ١٦٠] : " وأما الحقيقة فهو : كل لفظ بقي على موضوعه ".
[م] الحقيقة هو فعيلة من حق الشيء بمعنى ثبت، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة قال الشوكاني " وفعيل في الأصل قد يكون بمعنى الفاعل، وقد يكون معنى المفعول، فعلى التقدير الأول معنى الحقيقة : الثابتة، وعلى التقدير الثاني يكون معناها : المثبتة"(١٣).

قال أبو النور زهير في "أصوله" والحقيقة إن كانت بمعنى فاعل فالتاء فيه للتأنيث لأن فعيلا بمعنى فاعل، ويفرق فيه بين المذكر فيه والمؤنث بالتاء، يقال : رجل كريم وامرأة كريمة، ورجل عليم وامرأة عليمة، وإن كانت بمعنى مفعول فالتاء للنقل وليست للتأنيث لأنه يستوي فيه المذكر والمؤنث يقال : رجل قتيل وامرأة قتيلة إلا إذا سمي به أو جرى مجرى الأسماء بأن استعمل بدون الموصوف مثل : النطيحة، أي البهيمة المنطوحة فإنه يؤتى فيه بالتاء لتكون دالة على النقل من الوصفية إلى الاسمية والحقيقة من هذا القبيل"(١٤).

والحقيقة تنقسم إلى : شرعية وعرفية ولغوية، ومتى أمكن حمل اللفظ على الحقيقة وجب حمله عليها، ومتى تعذر حمله على الحقيقة حمل على المجاز إذا وجدت القرينة الدالة على امتناع حمله على الحقيقة وعليه فالمجاز خلاف الأصل، ومتى كان كذلك فإن الحقيقة ترجح عليه لأصالتها حال احتمال اللفظ لهما، هذا، والحقيقة لا تستلزم المجاز اتفاقا، بينما يستلزم كل مجاز وجود حقيقته في شيء آخر لفرعيته وهو مذهب الجمهور.


• وقول الباجي رحمه الله بعدها في الصفحة نفسها : " وأما المفصل : فهو ما فهم المراد به من لفظه ولم يفتقر في بيانه إلى غيره، وهو على ضربين : غير محتمل، ومحتمل ".
[م] المراد بالمفصل –عند المصنف- المفسر، ويكون تعريف المجمل الذي يقابل المفصل أنه : ما لا يفهم المراد به من لفظه ويفتقر في بيانه إلى غيره (١٥) وهذا المجمل الذي عناه المصنف إنما هو المجمل عند السلف وهو : ما لا يكفي وحده في العمل، فلا بد أن يعرف ببيان، مثل قوله تعالى : " خذ من أموالهم صدقــــة تطهرهم وتزكيهم بها " [ التوبة : ١٠٣] فإن الصدقة المطهرة والمزكية تحتاج إلى بيان(١٦) وهو ما أفصح عنه المصنف في [ ص : ٢٢٠]، أما المجمل عند الأصوليين فهو : ماله دلالة على معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر، أو هو : ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء، فقد أورده المصنف في الضرب الثاني من المفصل، حيث قسم المفصل إلى غير المحتمل : وهو النص الذي يجب المصير إليه ولا يعدل عنه إلا بناسخ أو معارض، وإلى محتمل فقسمه إلى ضربين :

فجعل المجمل عند الأصوليين -الذي لا يجوز العمل بأحد احتمالاته إلا بدليل خارجي صحيح أي لا يصار إليه إلا بعد البيان- في الضرب الأول حيث نص عليه في [ص ١٦١] بقوله : "أن لا يكون في أحد محتملاته أظهر منه في سائرها"، وألحقه بالضرب الثاني الذي هو الظاهر مبينا حكمه أنه لا يجوز العدول عن معناه الظاهر إلى سائر المحتملات إلا بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح وهذا ما يسمى بالتأويل.

قلت: النص يتفق مع الظاهر في رجحان الإفادة، غير أن النص مانع من احتمال غيره، في حين أن الظاهر لا يمنعه، وهذا القدر المشترك بينهما يسمى بـ "المحكم"، ويعرف بأنه: "ما يتضح معناه"، أما المجمل والمؤول يتفقان في عدم الرجحان، غير أن المجمل وإن لم يكن راجحا فهو غير مرجوح من جهة الوضع، بخلاف المؤول فهو مرجوح، والقدر المشترك بينهما يسمى: "المتشابه"، فالمتشابه هو: "مالم يتضح معناه"، فالمحكم -إذن- نوعان: نص، وظاهر، والمتشابه نوعان: مجمل ومؤول.



• وقول الباجي رحمه الله في [ص ١٦١]: "فأما غير المحتمل فهو النص، وحده: ما رفع في بيانه إلى أرفع غاياته" نحو قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" [البقرة ٢٢٨] فهذا نص في الثلاثة لا يحتمل غير ذلك"

[م] قال القرافي –رحمه الله-: "والنص فيه ثلاثة اصطلاحات، قيل: ما دل على معنى قطعا لا يحتمل غيره قطعا كأسماء الأعداد، وقيل: ما دل على معنى قطعا وإن احتمل غيره كصيغ الجموع في العموم، فإنها تدل على أقل الجمع قطعا وتحتمل الاستغراق، وقيل ما دل على معنى كيف ما كان وهو غالب استعمال الفقهاء"(١٧)

قلت: والمثال الذي ساقه المصنف من قبيل الاصطلاح الأول للنص، وهو العدد الذي يشمل أفراده على وجه الحصر مثل قوله تعالى: "تلك عشرة كاملة" [البقرة: ١٩٦] فهو مانع من إرادة احتمال غيره، لكن "القرء" في الآية مجمل لتردده بين الحيض والطهر فهو محتاج إلى بيان، والأمر بالتربص من قبيل الظاهر وإن ورد بالصيغة الخبرية فهي في معنى الإنشاء، والأصل في الأوامر تحمل على الوجوب لكونها أظهر في الوجوب من سائر محتملات الأمر، ولا يعدل عنه إلا بدليل أقوى. فالآية –إذن- تضمنت النص والظاهر والمجمل.

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-02-2009, 06:36 PM   #2
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"

فصل

[في الأمر]


• في معرض الاستدلال على أن لفظ الأمر إذا ورد عاريا من القرائن وجب حمله على الوجوب ما لم يدل عليه دليل أنه أريد به الندب -يقول الباجي رحمه الله في [ص١٦٨]: "والدليل على ما نقوله قوله تبارك وتعالى لإبليس: "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك" [الأعراف ١٢] فوبخه وعاقبه لما لم يمتثل أمره بالسجود لآدم ولو لم يكن مقتضاه الوجوب لما عاقبه ولا وبخه على ترك ما لا يجب عليه"

[م] والخصم وإن كان يعترض على هذا الدليل بأنه خارج عن محل النزاع لأنه ورد في أمر علم كونه واجبا بقرائن اتصلت به فإنه -بغض النظر عن صحة هذا الاحتمال- إلا أن أهل التحقيق يحتجون على أن الأوامر تقتضي الوجوب بأن تارك المأمور به عاص كما أن فاعله مطيع بقوله تعالى: "أفعصيت أمري" [طه: ٩٣] وقوله تعالى: "ولا أعصي لك أمرا" [الكهف: ٦٩] وقوله تعالى: "لا يعصون الله ما أمرهم" [التحري:م ٦] وإذا كان تارك المأمور عاصيا كان مستحقا للعقاب سواء كان ذلك في أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" [النور: ٦٣] ولقوله تعالى: "ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم" [الجن: ٢٣] ولقوله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" [الأحزاب: ٣٦] وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمر بالسواك لأجل المشقة مع أن السواك مندوب إليه فلو كان أمره للندب لما امتنع منه(١٨).

هذا والمسالة اتسع الخلاف في المعنى الحقيقي للأمر على ما يربو عن ستة عشر قولا، وما عليه مذهب الجمهور أن الأمر على الوجوب حقيقة، وإنما يصرف إلى غيره بقرينة وهو قول الشافعي وظاهر كلام أحمد، وهو مذهب الأحناف وجمهور المالكية ورجحه المصنف وصححه ابن الحاجب والبيضاوي وقال الفخر الرازي: "إنه الحق" غير أنهم يختلفون في دلالته على الوجوب هل هو بوضع اللغة أم بالعقل أم بالشرع؟
والصحيح أنه اقتضاء الصيغة للوجوب إنما ثبت عن طريق اللغة لا عن طريق العقل ولا عن طريق الشرع، لأن إلحاق العصيان على من خالف الأمر بمجرد ذكر الأمر، وقد ثبت عن أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصيا، ولأن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم، وإذا تقرر أن صيغة [افعل] مقتضية للوجوب بوضع اللغة لزم حمل الأمر على الوجوب سواء كان الأمر الوارد من جهة الشرع أو من غيره إلا ما خرج بقرينة أو دليل، خلافا لمن رأى أنها تقتضي الوجوب بوضع الشرع فيقصرها على أوامر الشرع، أو تقتضي الوجوب عن طريق العقل فيقصرها على الأوامر التي يقتضي العقل أنها الوجوب دون غيرها.



فصل [ في ورود الأمر بعد الحظر ]


• قال المصنف رحمه الله في [ص١٦٩]: "إذا وردت لفظة "افعل" بعد الحظر اقتضت الوجوب أيضا على أصلها، وقال جماعة من أصحابنا: إنها تقتضي الإباحة وبه قال بعض أصحاب الشافعي"

[م] مسألة ورود الأمر بعد الحظر خلافية وهي على الوجوب عند عامة الحنفية والمعتزلة وهذا القول مروي عن الباقلاني ورجحه المصنف والفخر الرازي وتوقف فيه الجويني، أما ما عليه أكثر الفقهاء والمتكلمين أنها تقتضي الإباحة وظاهر قول الشافعي وأحمد، وهو اختيار الآمدي ورجحه ابن الحاجب.

هذا، ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب مذهب القائلين بأن الأمر بعد الحظر يفيد رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان قبله جائزا رجع إلى الجواز، وإن كان واجبا رجع إلى الوجوب، وهذا المذهب هو المعروف عند السلف والأئمة، ويدل عليه الاستقراء، فمن ذلك قوله تعالى: "وإذا حللتم فاصطادوا" [المائدة: ٢] فرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم وهو الإباحة، وقوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين" [التوبة: ٥] فرجع إلى ما كان عليه قبل المنع وهو الوجوب،
قال ابن كثير –رحمه الله- : "والصحيح الذي يثبت على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبا رده واجبا وإن كان مستحبا فمستحب أو مباحا فمباح، ومن قال بالوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه"(١٩) وهذا القول هو اختيار محمد الأمين الشنقيطي(٢٠) – رحمه الله-.



فصل [ في اقتضاء الأمر المطلق الفور ]


• قال الباجي رحمه الله في [ص ١٧٠] في مسألة الأمر المطلق هل يقتضي الفور؟ بما نصه: " ... وقال أكثر المالكيين من البغداديين إنه يقتضي الفور".

[م] وهذا المذهب هو اختيار ابن قدامة وابن القيم والفتوحي من الحنابلة، واختار المصنف مذهب الباقلاني وابن خويزمنداد والمغاربة من المالكيين أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويظهر من الروايات المختلفة في الأوامر المطلقة عن مالك رحمه الله أن دلالة الأمر –عنده- تدل على مجرد الطلب والامتثال وهو ما قرره ابن العربي عنه ورجحه بقوله: "واضطربت الروايات عن مالك في مطلقات ذلك، والصحيح عندي من مذهبه أنه لا يحكم فيه بفور ولا تراخ –كما تراه- وهو الحق"(٢١)

وهذا المذهب هو اختيار الغزالي والفخر الرازي والآمدي ونسبه التلمساني لأهل التحقيق(٢٢)، أما قياس المصنف الأمر على الخبر في استدلاله على أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، فأجيب عنه بأنه قياس مع ظهور الفارق بينهما من ناحية أن الخبر يحتمل الصدق والكذب والأمر لا يحتمله، لأنه حث ووجوب واستدعاء، ولأن الخبر لا يوجد إلا بعد أن تيقن الحكم أنه يكون المخبر على ما أخبر فيه فلا يقع الغرر عليه بالتأخير بخلاف الأمر فإن التأخير في الفعل خطر وغرر فيجهل المأمور مباغثة الموت له قبل الامتثال، فكان إيقاعه للفعل أول الوقت أحوط له، ولأن الآمر لو أراد التأخير لأخر الأمر بالفعل.


هذا ويترتب على القول بفورية الأمر من عدمه جملة من الآثار منها : الحج والزكاة عند استكمال شرائطهما، هل يجبان على الفور أم على التراخي؟
ومنها: قضاء فوائت رمضان فهل يجب على الفور، ولا يجوز فعل النوافل من الصيام حتى يقضي الواجب، أم يجوز له التأخير بلا إثم كما يجوز له فعل النوافل من الصيام؟ ومن ذلك أيضا وجوب الكفارة هل هي على الفور أم على التراخي؟(٢٣).



فصل

[ في الاحتجاج بأمر نسخ وجوبه ]


• قال المصنف –رحمه الله- في [ص ١٨٢] : "إذا نسخ وجوب الأمر جاز أن يحتج به على الجواز، وقال بعض أصحابنا منهم القاضي أبو محمد لا يجوز ذلك"

[م] المراد بالجواز الاشتراك بين الندب والإباحة، فيبقى الفعل إما مباحا أو مندوبا، لأن الماهية الحاصلة بعد النسخ مركبة من قيدين : أحدهما زوال الحرج عن الفعل وهو المستفاد من الأمر،
والثاني: زوال الحرج عن الترك وهو المستفاد من الناسخ، وهذه الماهية صادقة على المندوب والمباح فلا يتعين أحدهما بخصوصه وهو اختيار المجد بن تيمية ورجحه الرازي وأتباعه وحكي عن الأكثر، ومذهب أبي الوليد الباجي من خلال استدلاله أن الجائز أعم من الوجوب لشموله للإباحة والندب والوجوب والكراهة التنزيهية، فإذا نسخ الوجوب فقد نسخ أحد أفراد عموم الجواز، وتبقى الإباحة والندب يشتركان في الجواز، أما الكراهة فلا تدخل في الجواز بهذا الاعتبار، لأن الشرع لا يأمر بالمنهي عنه.

هذا، ويذهب أبو يعلى والكلواذاني وابن عقيل من الحنابلة إلى أن وجوب الأمر إذا نسخ فيبقى الاحتجاج به على الندب، لأن المرتفع التحتم بالطلب فإذا زال التحتم بقي أصل الطلب وهو الندب، ويبقى الفعل مندوبا إليه، وذهب الغزالي من الشافعية وابن برهان من الحنابلة والحنفية إلى أنه لا يدل على الندب ولا على الإباحة، وإنما يرجع إلى ما كان عليه من البراءة الأصلية أو الإباحة أو التحريم، لأن اللفظ موضوع لإفادة الوجوب دون الجواز، وإنما الجواز تبع للوجوب، إذ لا يجوز أن يكون واجبا لا يجوز فعله، فإذا نسخ الوجوب وسقط، سقط التابع له، وهو نظير قول الفقهاء إذا بطل الخصوص بقي العموم(٢٤).

وبناء عليه يكون الخلاف معنويا كما يذهب إليه بعض أهل العلم كالتلمساني والهندي وغيرهما، لأنه –على هذا الرأي الأخير- إذا كان الحكم قبل مجيء أمر الإيجاب على التحريم، فإنه يعود الحكم إلى ما كان عليه بعد نسخ الوجوب وهو التحريم، ومن يقول يبقى على الجواز لا يقضي بالتحريم، وتختلف الفروع حكما باختلاف تقرير هذا الأصل.


هذا، والذي يظهر لي في هذه المسالة وجوب التفريق بين العبادات والمعاملات، فإذا نسخ الوجوب في العبادات فيحمل على الندب لأنه أدنى ما يكون عليه أمر العبادة والتقرب إلى الله تعالى، مثل نسخ وجوب صوم عاشوراء فيجوز أن يحتج به على الندب، أما إن كان في المعاملات فيرجع فيه إلى ما كان عليه الحكم قبل نسخ وجوب الأمر -والعلم عند الله تعالى-




فصل
[في تكليف المسافر والمريض]



• قال المصنف –رحمه الله- في [ص ١٧٣-١٧٤]: "المسافر والمريض مأموران بصوم رمضان، مخيران بينه وبين صوم غيره ... فلو كان غير مخاطب بصومه لما أثيب عليه كالحائض لما لم تخاطب بالصوم لم تثب عليه في حال حيضها".

[م] المسافر والمريض يتعلق بهما التكليف لتوفر فيهما شرط العقل وفهم الخطاب وهما من شروط التكليف العائدة على المحكوم عليه وهو المكلف، غير أنه رخص لهما الإفطار لمظنة المشقة الحاصلة لهما إذا صاما، فحكمها ثابت للعذر على خلاف الدليل المعارض لهما الذي يتمثل في وجوب صوم رمضان عليهما، هذا عند ظن المشقة أما مع تحققها فإن رخصة الإفطار تصير عزيمة في حقهما، فيحرم الصوم ويجب فيه الإفطار.

هذا وإن كان المصنف –رحمه الله- يرى أن المسافر والمريض مخيران بين صوم رمضان وبين صوم غيره كالنذر والقضاء وهو مذهب أبي حنيفة ومن وافقه فيقع محققا ما نواه إن كان واجبا لأنه شغل الوقت بالأهم ورخصته متعلقة بمطلق السفر وقد وجدت، والأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى (٢٥).

والصحيح مذهب الجمهور من أنه لا يصح أن يصام رمضان عن غيره بوجه من نذر أو قضاء أو تنفل لأن الفطر ما دام قد أبيح رخصة وتخفيفا للعذر فلا يصح أن يصام عن غيره فإن كانت فيه المشقة فظاهر لوجوب الإفطار وإن كانت القدرة على الصيام ولم يرد التخفيف عن نفسه لزمه أن يأتي بالأصل وهو صوم رمضان وكذلك إن نوى المريض أن يصوم عن واجب آخر(٢٦). ونية العامل لا تصحح فساد العمل ولو كانت صالحة أو حسنة.

هذا، وينبغي التفريق بين ما ثبت حكمه لعذر وما ثبت لمانع كوجوب ترك الصوم والصلاة للحائض والنفساء، وضابط الفرق بينهما أن مانع الحيض والنفاس يرفع التكليف مع إمكان اجتماعه به عقلا ولا يجتمع معه شرعا، بل يمنع وجوده أصلا، بخلاف لعذر فيجتمع مع المشروع كاجتماع السفر والمرض مع الصوم.


هذا، ومن سافر أو مرض في رمضان فأفطر أو حاضت المرأة فيه، فصام بعد انقضاء رمضان الأيام التي أفطرها فهل فعله يعد قضاء أم أداء؟
والخلاف في هذه المسألة خلاف في تسمية هذا الفعل والتعبير عنه، لاتفاقهم على أن المسافر والمريض والحائض إذا أفطروا في نهار رمضان لمانع الحيض أو لعذر السفر والمرض فإنه يجب عليهم صيام تلك الأيام التي تركوها، وما ذهب إليه الجمهور من حيث تسميته قضاء لا أداء أوفق لتطابق حقيقة القضاء عليه وهو : ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعا مطلقا، ولإجماعهم على أن المسافر والمريض والحائض بعد انتفاء لعذر وزوال المانع يجب في حقهم نية القضاء وما وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء، ولما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة "(٢٧) ، فقد ورد في الحديث تسميته بالقضاء والآمر هو النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعدل عنه إلى الأداء لاشتهاره به والعلم عند الله.



فصل

[ في مخاطبة الكفار بفروع الإيمان ]


• قال الباجي –رحمه الله- في [ص :١٧٤] - في هذه المسألة : " ... والظاهر من مذهب مالك رحمه الله أنهم مخاطبون بالصوم والصلاة والزكاة وغير ذلك من شرائع الإيمان ".

[م] وهذا القول مشهور عن أكثر الحنفية وهو قول الشافعي وأحمد واختاره أبو حامد الإسفرائيني والرازي من الشافعية والسرخسي من الحنفية، وعن الإمام أحمد رواية ثالثة مفادها أن الكفار مخاطبون بالنواهي دون الأوامر وقيل : مكلفون بما سوى الجهاد، وقيل : يكلف المرتد دون الكافر الأصلي وفي المسألة أقوال أخرى.

غير أن الأصل الذي لا اختلاف فيه بين الأمة أن الكفار مخاطبون بالإيمان، أما فروع الإيمان فالذي ينبغي أن يعلم أن الكافر غير مطالب بفعلها حال كفره، لأن أداءها –وهو على هذه الحال- لم تقبل منه، ولم يصح ما يؤديه من فروع الإيمان إلا بعد تحصيل أصل الإيمان لقوله تعالى : " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " [الفرقان : ٢٣] وقوله تعالى : " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا" [النور : ٣٩] ولقوله تعالى : " مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء " [إبراهيم : ١٨] هذا،

وإذا أسلم الكافر فليس عليه قضاء ما فاته من العبادات السابقة لأن الإسلام يجب ما قبله إلا أن بقاءه على الكفر يعاقب على أمرين :
أحدهما أصل الإيمان
والثاني على تركه لفروع الإيمان
ودليل ذلك ما ذكره المصنف أن الله أخبر عن المشركين في معرض التصديق لهم تحذيرا من فعلهم " ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين ... وكنا نكذب بيوم الدين " [المدثر : ٤٢-٤٦].

ويدل على معاقبته لهم على أصل الإيمان وفروعه بتضعيف العذاب عليهم في قوله سبحانه وتعالى : " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر " إلى قوله تعالى : " يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا .." [الفرقان ٦٨-٦٩] وعليه فالكافر مطالب بفروع الإيمان على الراجح من أقوال أهل العلم لكن مع تحصيل شرطها المتمثل في الإيمان الذي هو أصل تلك الفروع، ولا تنفعه تلك الفروع بدونه، ويدل على مخاطبة الكفار بتلك الفروع عموم الآيات والأوامر الإلهية مثل قوله تعالى : " وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون " [فصلت : ٧٦٦]، وقوله تعالى : " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " [آل عمران : ٢٣].

ويتفرع عن هذا الأصل مسائل : منها المرتد إذا أسلم هل يلزمه قضاء الصلوات الفائتة في أيام ردته وكذلك الزكوات التي عليه هل تسقط عنه أم لا ؟،
ومن ذلك استيلاء الكفار على أموال المسلمين وحرزها بدارهم هل يملكونها أم لا ؟(٢٨).

هذا، ويجدر التنبيه إلى أن مسألة مخاطبة الكفار بفروع الشريعة ليست قاصرة على الإنس بل شاملة للجن –أيضا- وهم مكلفون بفروع الدين على أرجح قولي أهل العلم مع اتفاقهم على تكليفهم بالإيمان للإجماع على أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بالقرآن الكريم إلى الثقلين، وقد اشتملت أوامر القرآن الكريم ونواهيه على الأصول وفروع الدين نحو قوله تعالى : " آمنوا بالله " [الحديد : ٧] و"أقيموا الصلاة " [البقرة : ٤٣]. وقد توجه خطاب الله تعالى في القرآن الكريم إلى الجنسين معا في قوله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " [الذاريات : ٥٦] وفي قوله تعالى : " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم " [الأنعام : ١٣٠] وقوله تعالى : " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " [السجدة : ١٣] غير أن تكليفهم قد يختلف مع تكليف الإنس للاختلاف بينهم في الحد والحقيقة كما صرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(٢٩).



فصل

[ فيما يحمل قول الصحابي : أمرنا رسول الله صلى اله عليه وسلم بكذا أو نهانا]


• قال أبو الوليد رحمه الله في [ص : ١٨٦] : " إذا قال الصحابي : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ونهانا عن كذا وجب حمله على الوجوب ".

[م] أي على وجوب الفعل أو وجوب الترك وهو التحريم، وهو الصحيح لأن الصحابة رضي الله عنهم هم أهل اللغة ومشهود لهم بالعدالة، فإذا كانوا أهل المعرفة بأوضاع اللغة وطرق استعمالها فإنه يبعد أن يقول الصحابي : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق، وأمر أن لاتوصل صلاة بأخرى، أو فرض زكاة الفطر صاعا من تمر ... وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، وأمر برجم ماعز والغامدية

، وفي النهي : نهى عن المخابرة ونهى عن الوصال، ونهى عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى ونهى عن القراءة في الركوع والسجود وغيرها وهو غير متيقن بالأمر والنهي حقيقة ولا يعلم تمام العلم بنوع الإطلاق وطرق استعماله، ثم إنه من جهة أخرى أن الصحابة رضي الله عنهم كانت مثل هذه الألفاظ تنقل إليهم وينقلوها، ويقبلها صحابة آخرون فكان ذلك منهم إجماعا سكوتيا.




مسـائـل النهي
[في الأمر بالشيء نهى عن أضداده والعكس]


• قال الباجي -رحمه الله- في بيان مسائل النهي [ص : ١٨٠] : " الذي ذهب إليه أهل السنة أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده".

[م] الأمر يقتضي النهي عن ضده وأضداد المأمور به من حيث المعنى فإن قولك : " اسكن" يقتضي النهي عن الحركة لاستحالة اجتماع الضدين، فالأمر به هو أمر بلوازمه وليس طريقه قصد الآمر، وإنما يثبت بطريق اللزوم العقلي.

أما من جهة اللفظ فإن الأمر بالشيء ليس هو النهي عن ضده، لأن المعلوم أن لفظ الأمر غير لفظ النهي، ثم إن اقتضاء النهي عن أضداد المأمور به إنما يكون وقت الامتثال.

ولما كان النهي فرعا عن الأمر، فالأمر هو الطلب، والطلب قد يكون للفعل أو للترك، كان لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي على العكس، وعليه فإن النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدهما من جهة المعنى وهو مذهب الجمهور، لأن النهي يوجب عليه ترك المنهي عنه، ولا يمكنه ترك المنهي عنه إلا بفعل ضده، فكان فعل ضده واجبا عملا بقاعدة أن " الأمر بالشيء أمر بلوازمه " ويترتب على هذا القول أن الزوج إن قال لزوجته : " إن خالفت أمري فأنت طالق " ثم قال لها : " لا تقومي " فقامت فإنها تطلق لأن النهي عن الشيء أمر بضده(٣٠).



[في أقسام النهي]


• وفي الصفحة نفسها يقول الباجي رحمه الله : " والنهي ينقسم إلى قسمين : نهي على وجه الكراهة، ونهي على وجه التحريم ".

[م] ودليل هذا التقسيم أن كلام الله هو طلبه أو إذنه أو وضعه، والطلب إما أن يكون للفعل أو الترك، وهو في كليهما : إما أن يكون على سبيل التحتيم وإما على سبيل الترجيح، وما كان طلبا للفعل على سبيل التحتيم فهو الإيجاب، وما كان طلبا على سبيل الترجيح فهو الندب أو الاستحباب، وما كان طلبا للترك على سبيل التحتيم فهو التحريم، وما كان طلبا للترك على سبيل الترجيح فهو الكراهة.

هذا، ويجدر التنبيه إلى أن المكروه قد يطلق على الحرام لأنه بغيض إلى النفوس العارفة، إذ كل بغيض إلى النفوس فهو مكروه في اللغة، ومنه قوله تعالى : "كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها" [الإسراء : ٣٨] وعليه فقد تطلق الكراهة على المحظور والحرام فتسمى بالكراهة التحريمية وعلى التنزيه فتسمى بالكراهة التنزيهية كما هو معهود من كلام العلماء غير أنه إذا أطلق لفظ المكروه في اصطلاح الفقهاء انصرف إلى كراهة التنزيه، وهذا هو المكروه الذي هو قسيم المحظور، وهو ما ترجح تركه من غير وعيد فيه إلى أن يقوم دليل يصرفه إلى التحريم(٣١).




[في اقتضاء النهي المطلق للتحريم ]



• وقول المصنف بعدها في الصفحة نفسها : " ..النهي إذا ورد وجب حمله على التحريم إلا أن يقترن به قرينة تصرفه عن ذلك إلى الكراهة ".

[م] صيغة النهي تقتضي التحريم حقيقة ولا يحمل على غيره إلا بقرينة وبه قال جمهور أهل العلم وعليه إجماع السلف وأهل اللسان واللغة.

وصيغة النهي تقتضي انتهاء عن المنهي عنه على الفور، وتقتضي دوام الترك أي تكراره، وهو الحق، لأن المنهي عنه قبيح شرعا، والقبيح يجب اجتنابه على الفور وفي كل وقت، وقياسه على الأمر فاسد للفرق، ذلك لأن الأمر يقتضي وجود المأمور مطلقا، والنهي يقتضي أن لا يوجد المنهي مطلقا، والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم، فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقا(٣٢).




[ في دلالة النهي على فساد المنهي عنه ]


• وقوله رحمه الله في [ ص : ١٨١] : " والنهي إذا ورد دل على فساد المنهي عنه وبهذا قال جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ".

[م] ويضاف إلى هذه القاعدة عبارة : " إلا ما خرج بدليل " وبهذا القول قال جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الظاهر مطلقا سواء ورد النهي في العبادات أو في المعاملات واختاره الغزالي في " المنخول " وذهب بعض الحنفية والشافعية إلى عدم فساد المنهي وبه قال القفال وإمام الحرمين والغزالي في " المستصفى"،

وفصل آخرون بين العبادات والمعاملات فالنهي يقتضي فسادا في العبادات دون المعاملات وبه قال الباقلاني وأبو الحسين البصري واختاره الفخر الرازي، غير أن أصحاب هذا المذهب يختلفون في جهة الفساد هل ثبتت باللغة أم بالشرع ؟

وما عليه أكثر الأصوليين هو اقتضاء الفساد شرعا لا لغة، لأن صيغة النهي في اللغة إنما تدل على مطلق الترك على سبيل اللزوم والجزم، وأما دلالة الفساد والبطلان فقدر زائد يفتقر إلى دليل غير اللغة، هذا، ويمكن أن يكون النهي اقتضى الفساد مطلقا من جهة المعنى لا من جهة اللغة والشرع لدلالة النهي على قبح المنهي عنه ومذموميته وحظره وهو بهذا الاعتبار مضاد للمشروعية، وقريب من القول السابق في التفريق بين العبادات والمعاملات ما ذهب إليه التلمساني في تحقيق المذهب أن النهي عن الشيء إن كان لحق الله تعالى يفسد المنهي عنه وإن كان لحق العبد فلا يفسد المنهي عنه، وفي المسألة أقوال أخرى(٣٣).


هذا وقد استدل المصنف لمذهب الجمهور بإجماع الأمة من الصحابة وغيرهم على الاستدلال بمجرد النهي في القرآن أو في السنة على فساد العقد المنهي عنه كفساد عقود الربا بقوله تعالى " وذروا ما بقي من الربا" [البقرة : ٢٧٨] وعن بيع الذهب متفاضلا بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الذهب بالذهب متفاضلا في حديث متفق عليه(٣٤) وعن تحريم نكاح المشركات وفساده بقوله تعالى : " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " [البقرة : ٢٢١] وغيرها من المسائل مما لا تحصى كثرة.



والمصنف اكتفى بذكر بعض الأدلة النقلية وفيها غنية، واستأنس آخرون ممن استدل لهذا المذهب بإضافة أدلة عقلية تظهر من ناحيتين :
الناحية الأولى : إنه ثبت بالاستقراء التام وتتبع النصوص أن الشارع لا ينهى عن شيء إلا لكون المفسدة متعلقة بالمنهي عنه، والمفسدة ضرر، والضرر يجب إزالته وإعدامه وهو مناسب له عقلا وشرعا.

الناحية الثانية : إن الأمر يقابل النهي فإذا كان الأمر بالشيء يقتضي إيجاده وعدم تركه فالنهي عنه يقتضي تركه وعدم فعله بل اجتنابه، وإذا كان الأمر يقتضي صلاح المأمور به وجب أن يكون النهي يدل على فساد المنهي عنه مطلقا.


هذا وإذا كان يدل على هذا المذهب عموم قوله صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "(٣٥). الشامل للمنهي عنه في العبادات والمعاملات وللمنهي عنه لعينه ولغيره أو لحق الله وحق العبد فضلا عن إجماع الصحابة على بطلان الأفعال والعقود بنهي الشارع عنها إلا أن ما يراه جمهور العلماء في النهي عن العمل لوصف مجاور ينفك عنه، غير لازم له أنه لا يقتضي بطلان العمل ولا فساده بل يبقى صحيحا متصفا بالمشروعية ومنتجا لآثاره إلا أنه يترتب على فاعله الإثم كالصلاة بخاتم من ذهب للرجال، والنهي عن الوطء في الحيض، والنهي عن السوم على سوم أخيه، والخطبة على خطبة أخيه فإن جهة المشروعية فيه تخالف جهة النهي فلا تلازم بينهما فمخالفة الشرع تستوجب الإثم لا تخلف ترتب الأثر على ذلك العمل(٣٦).


هذا، والخلاف بين العلماء في هذه المسألة ليس لفظيا بل ترتب عليه جملة من الآثار نذكر منها :
أولا : الناذر لصيام يوم العيد فإنه عند الجمهور يبطل نذره ولا يصح صومه إن صام ولا يسقط القضاء عنه لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه بخلاف الحنفية فيرون أن النذر صحيح بأصله دون وصفه ويجب عليه الفطر والقضاء فإن صام ذلك اليوم فصومه صحيح مع الإثم، فالنهي عندهم لا ينافي المشروعية وإنما يقتضي صحة المنهي عنه.

ثانيا : نكاح المحرم في الحج فاسد بالنهي الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا ينكح المحرم ولا ينكح "(٣٧) وهو مذهب جمهور أهل العلم خلافا لمن صححه بناء على التقييد السابق وبقية الآثار المترتبة على هذا الأصل من هذا القبيل.


..يتبع..



--------------------------------------------------------------------------------

١- اختصرت حياة الإمام الباجي من الترجمة المفصلة التي أعددتها له في دراستي لكتاب "الإشارة" وقد استغنيت عن ذكر مصادر ترجمته اكتفاء بما أثبته في الأصل.
٢- نسبة إلى قبيلة "تجيب" العربية، بطن من بطون كندة، وكان أول رجل من هذه القبيلة نزل بأرض الأندلس مع جنود جيش الإسلام الفاتح، ثم زاد نسل التجبيين وارتفع عددهم في الأندلس، ومن ديارهم "بطليوس" وهي موطن أجداد أبي الوليد الباجي. [أنظر جمهرة أنساب العرب لإبن حزم (٤٢٩) معجم ما استعجم للبكري (١/٥٦) نهاية ارب للقلقشندي (١٧٤) العبر لإبن خلدون (٣/٥٧٧) معجم قبائل العرب لكحالة (١/١٦٦)]
٣- لقب بـ "الذهبي" لأنه اشتغل بضرب ورق الذهب للغزل، وذلك بعد رجوعه من رحلته العلمية المشرقية سنة ٤٣٩ هـ.
٤- أنظر إرشاد الفحول للشوكاني (٢١)
٥- (۱/١٦٩)
٦- (١٧٨)
٧- (۱/٨١)
٨- أنظر المحصول للرازي (١/١/٤٤٩)، والتمهيد للإسنوي (١٨٦)، شرح الكوكب المنير للفتوحي (١/١٥٦).
٩- إرشاد الفحول للشوكاني (٣٤).
١٠- أنظر المصادر المثبتة على هامش النص المحقق من كتاب الإشارة (ص:١٦٠).
١١- منع جواز المجاز للشنقيطي (ص: ٨).
١٢- روضة الناظر لابن قدامة (١/١٨٣).
١٣- إرشاد الفحول للشوكاني (٢١).
١٤- (٢/٢٤٨).
١٥- الحدود للباجي (٤٥،٤٦).
١٦- أنظر الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/٧٥).
١٧- شرح تنقيح الفصول للقرافي (٣٦).
١٨- أنظر مفتاح الوصول للشريف التلمساني (٣٧٨).
١٩- تفسير ابن كثير (٢/٦، ٧).
٢٠- أضواء البيان للشنقيطي (٣/٢-٤)، المذكرة الأصولية للشنقيطي (١٩٢).
٢١- أحكام القرآن لابن العربي (١/١٨٧).
٢٢- مفتاح الوصول للتلمساني (٣٨٣).
٢٣- أنظر المصادر المثبتة على هامش مفتاح الوصول للتلمساني (٣٨١) بتحقيقنا ط/١.
٢٤- المدخل لابن بدران (٦٥).
٢٥- تبيين الحقائق للزيلعي (١/٣١٦).
٢٦- المغني لإبن قدامة (٣/١٠٢)، الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/٤٤٣).
٢٧- أخرجه البخاري (١/٤٢١) في الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة، ومسلم (٤/٢٦) في الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة. وأبو داود (١/١٨٠) في الطهارة، باب الحائض لا تقضي الصلاة، والترمذي (١/٢٣٤) في أبواب الطهارة، باب ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة، والنسائي (١/١٩١) في الحيض والاستحاضة، باب سقوط الصلاة عن الحائض، وابن ماجه (١/٢٠٧) في الطهارة باب الحائض لا تقضي الصلاة، وأحمد في مسنده (٦/٢٣١) من حديث عائشة رضي الله عنها.
٢٨- تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (٩٩-١٠١).
٢٩- أنظر : مجموع الفتاوى لإبن تيمية (٤/٢٣٣)، شرح مختصر الروضة للطوفي (١/٢١٨). طريق الهجرتين لابن القيم (٣٥٠).
٣٠- أنظر مذكرة الشنقيطي الأصولية (٢٨).
٣١- أنظر : شرح مختصر الروضة للطوفي (١/٣٨٢). مذكرة الشنقيطي (٢١).
٣٢- أنظر المصادر المثبتة على هامش مفتاح الوصول للتلمساني (٤٢٣) بتحقيقنا ط/١.
٣٣- راجع المصادر المثبتة على هامش كتاب الإشارة للباجي (١۸١) ومفتاح الوصول للتلمساني (٤١٨).
٣٤- أنظر تخريجه على هامش " الإشارة " (١٨٢).
٣٥- أخرجه مسلم (١٢/١٦) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقد اتفق الشيخان على إخراجه بلفظ " من أحدث من أمرنا ما ليس منه فهو رد " أخرجه البخاري (٥/٣٠١)، ومسلم (١٢/١٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.
٣٦- أنظر المصادر المثبتة على كتاب الإشارة للباجي (١٨٣).
٣٧- أخرجه مالك في الموطأ (١/٣٢١)، وأحمد في مسنده (١/٥٧، ٦٨، ٧٣). والدارمي في سننه (٢/٣٨ ،١٤١) ومسلم (٩/١٩٣)، وأبو داود (٢/٤٢١)، وابن ماجه (١/٦٣٢)، والترمذي (٣/١٩٩) والنسائي (٥/١٩٢) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.

د/ محمد علي فركوس
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2009, 12:13 PM   #3
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"




أبواب العموم وأقسامه


* قال القاضي أبو الوليد -رحمه الله- في عنوان الباب:"أبواب العموم وأقسامه .... والكلام ها هنا في العموم، وله ألفاظ خمسة فيها".

[م] لم يتعرض المصنف إلى التعريف بالعام ولا إلى بيان أقسامه، وإنما ذكر صيغ العموم وألفاظه وهو أحد أقسام العموم الذي استفيد عمومه من جهة اللغة،
إذ اللفظ العام في الوضع اللغوي إما أن يكون عمومه من نفسه: كأسماء الشروط والاستفهام والموصولات،
وإما أن يكون من لفظ آخر دل العموم فيه،

وهذا اللفظ الآخر إما أن يكون في أول العام كأدوات الشرط والاستفهام والنكرة في سياق النفي والنهي والاستفهام والامتنان، والألف واللام، وكل وجميع،
وإما أن يكون في آخره كالمضاف إلى المعرفة مطلقا سواء كان مفردا أو جمعا فهو اللفظ الذي لا يستفاد العموم إلا من آخره،

وكل ما ذكره المصنف من ألفاظ العموم لا يخرج عن هذا البيان المتعلق باستفادة عمومه من جهة اللغة، أما بقية أقسام العموم فلم يتناولها المصنف، وهي تتمثل في العام من جهة العرف وهو: ما استفيد عمومه من جهة عرف الشريعة، مع أن لفظه لا يفيد العموم من جهة اللغة مثل قوله تعالى: «حرمت عليكم أمهاتكم» [النساء: 23] فإنه لما عين العرف الاستمتاع للحذف لزم تعلق التحريم بجميع أنواع الاستمتاع بالوطء وغيره وقوله تعالى: «حرمت عليكم الميتة» [المائدة: 3] فليس في الآية ما يفيد العموم من جهة اللغة، لكن العرف جعله مفيدا للتحريم في جميع أنواع الانتفاعات بالأكل وغيره(١)

والثالث من أقسام العموم هو: العام الذي استفيد عمومه من جهة العقل دون اللغة والعرف وهو: ما يسمى بالعموم العقلي وهو على أربعة أنواع وهي:

الأول: عموم الحكم لعموم علته كما في القياس،

والثاني: عموم المفعولات التي يقتضيها الفعل المنفي كقوله:"والله لا أكلت"فإنه يحنث بكل مأكول، فإن صرح بالمفعول كان من قبيل العموم اللغوي كما لو قال: «والله لا أكلت شيئا»

والثالث: في المفهوم فإنه يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه سواء على موافقة المنطوق به أو على مخالفته وهو مذهب جمهور العلماء كالضرب والشتم وغيرها من المسكوت عنه في تحريم التأفيف في قوله تعالى:"فلا تقل لهما أف"[الإسراء: 23] ولا زكاة في كل ما ليس بسائمة في قوله صلى الله عليه وسلم"وفي سائمة الغنم الزكاة"(٢).

والرابع: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال مثل قوله صلى الله عليه وسلم لابن غيلان الثقفي وكان قد أسلم وتحته عشرة نسوة:"أمسك أربعا وفارق سائرهن"(٣)
فلم يستفسر منه أعقد على أولائك النسوة بعقد واحد في زمن واحد أم بعقود متعددة في أزمان مختلفة؟
فتركه للسؤال عن ذلك يفيد العموم.

وكذلك فيما يرجع إلى سؤال السائل عن أمر فإن حكمه لم يعم كل مكلف(٤) ولعل الأفضل -في عنوان المصنف- إفراد لفظة"أبواب"إلى"باب"لأنه أبلغ من حيث الشمول، ولأن الجمع قد لا يشمل الأحكام الخاصة، ولأن نفي الفرد يستلزم نفي الجمع ولا العكس، ولكي يقع التجانس مع غيره من أبوب الكتاب، ومن حيث التجانس- أيضا- تنسجم لفظة"مسائله"على"أقسامه"حتى يكون موافقا لما تحتويه فصول باب العموم، ويكون العنوان:"باب العموم ومسائله"ولعل ذلك هو مقصود المصنف من تلك اللفظة(٥).


ومن جهة أخرى فالمصنف لم يصدر في باب العموم بتعريف لمعناه كما لم يتناوله في"إحكام الفصول في أحكام الأصول"مكتفيا بما عرفه في كتاب"الحدود في الأصول"بقوله:"العموم: استغراق ما تناوله اللفظ"، وهذا التعريف ليس مانعا إذ لا يحترز به من أسماء الأعداد، والمطلق، وصيغ العموم التي يكون المقصود بها فردا واحدا. والأولى تعريف العام بأنه: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد، دفعة واحدة من غير حصر"(٦).

- فاللفظ في تعريف العام قيد لإخراج العموم المعنوي أو المجازي، لأن الحكم فيه مختلف، مثل قولك: «المطر عام» فلا يتحد الحكم فيه في أماكن نزوله، بخلاف قولك:"اكرم الطلاب"فالحكم فيه متحد على جميع الطلاب من غير تخصيص أو استثناء، كما يخرج من هذا القيد الألفاظ المركبة التي تفيد العموم بأكثر من لفظ كقولك:"كلام منتشر".
- «وما يصلح له» قيد يقصد منه تحقيق معنى العموم والاحتراز من اللفظ الذي استعمل في بعض ما يصلح مثل قوله تعالى «أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله» [النساء:54] فلفظ"الناس"صيغة عموم ولكن المقصود بها فرد واحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم.

-"وبحسب وضع واحد"ليخرج منه اللفظ المشترك كالعين والقرء، فلا يسمى عاما بالنسبة للجارية والباصرة، وللحيض والطهر، لأنه لم يوضع لهما وضعا واحدا، بل لكل منهما وضع مستقل، أما اللفظ العام ، فهو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنى واحد، هذا المعنى عام شامل لكل أفراده، ولهذا يجب العمل باللفظ العام دون اللفظ المشترك إلا بعد وجود القرينة المعينة لأحد المعاني، اللهم إلا على رأي من يجوز استعمال المشترك في جميع معانيه إن أمكن.

- والاستغراق في العام يشمل جميع أفراده في آن واحد، وهو قيد لإخراج المطلق، لأن استغراق المطلق بدلي لا دفعة واحدة، وقيد لإخراج منه النكرة في سياق الإثبات كقولك: «اضرب رجالا» فإن استغراقها بدلي يحقق الضرب في أقل الجمع وهو ثلاث رجال.

-"ومن غير حصر"قيد تخرج منه أسماء الأعداد مثل قوله تعالى: «تلك عشرة كاملة» [البقرة: 196] لأن الاستغراق في العام لا حد له ولا حصر.



فصل
[في حكم العمل بالعموم]


* قال الإمام الباجي رحمه الله في ص186: «فإذا ورد شيء من ألفاظ العموم المذكورة وجب حملها على عمومها إلا أن يدل دليل على تخصيص شيء منها، فيصار إلى ما يقتضيه الدليل».

[م] العموم له صيفة في اللغة خاصة به موضوعة له تدل على العموم حقيقة ولا تحمل على غيره إلا بقرينة، وهي الصيغ السابقة، وهذا مذهب الجمهور الذي رجحه المصنف وهو الصحيح، ويكفي للدلالة على صحته إجماع الصحابة رضي الله عنهم أن تلك الصيغ للعموم، فقد كانوا يجرونها حال ورودها في الكتاب والسنة على العموم ويأخذون بها، ولا يطلبون دليل العموم، بل كانوا في اجتهاداتهم يطلبون دليل الخصوص، وفهمهم للعموم إنما كان من صيغته ولفظه، جرى ذلك عندهم من غير نكير،

ومن الواقع التي عمل الصحابة فيها بالعموم قوله تعالى: «الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة»[النور: 2] وقوله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما» [المائدة: 38] وقوله تعالي:"الرجال قوامون على النساء"[النساء: 34]
فهذه الآيات وغيرها تفيد العموم بسبب وجود الألف واللام غير العهدية، فالاسم المحلي بالألف واللام يفيد الاستغراق والعموم سواء مفردا أو جمعا، وقد استدل أبو بكر رضي الله عنه على الأنصار بقوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش»(٧) وسلم له بقية الصحابة رضي الله عنهم احتجاجه على هذا العموم، واحتجاجه –أيضا- بلفظ «الناس» من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»(٨)، ولم ينكر عليه أحد منهم على إفادته للعموم، ونظائره كثيرة وأثر هذه المسألة يظهر في أن هذه الألفاظ تفيد العموم من غير الحاجة إلى قرائن على مذهب الجمهور، وتفتقر إلى قرينة عند غيرهم(٩)،
فلو قال لزوجته: «إذا قدم الحاج فأنت طالق» فهي لا تطلق إلا بعد قدوم جميع الحجاج، فلو لم يرجع بعضهم، أو مات أحدهم فلا تطلق على مذهب الجمهور خلافا لغيرهم.

هذا وحري بالتنبيه أن اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه قبل ظهور المخصص، فإذا ظهر تغير الاعتقاد السابق، لأن الأصل عدم المخصص، ويكفي ظن عدم المخصص في إثبات اللفظ العام.



[في الاحتجاج بالعام المخصص]



* قال أبو الوليد –رحمه الله- في ص 188: «فإذا دل الدليل على تخصيص ألفاظ العموم بقي باقي ما يتناوله اللفظ العام بعد التخصيص على عمومه أيضا، يحتج به كما كان يحتج به لو لم يخص شيء منه".

[م] اللفظ العام سواء كان أمرا أو نهيا أو خبرا يجوز تخصيصه بدليل صحيح، ويجب العمل به في صورة التخصيص وإهمال دلالة العام عليها، وتبقى دلالة العام حجة قاصرة على ما عدا صورة التخصيص، سواء كان المخصص متصلا أو منفصلا، وهذا مذهب جمهور العلماء الذي قرره المصنف وهو الراجح من أقوال أهل العلم، ويكفي للدلالة على صحة هذا المذهب إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الاحتجاج بالعمومات مع أن معظمها مخصوص، فمن إجماعاتهم : احتجاجهم بقوله تعالى :"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة"[النور:2] وقوله تعالى :"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما"[المائدة:38] مع دخول التخصيص على الآيتين كالصبي، والمجنون، والمكره، والجاهل، وكاحتجاج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :"يوصيكم الله في أولادكم"[النساء:11] على طلب حقها في الميراث ولم ينكر عليها أبو بكر رضي الله عنه ولا غيره من الصحابة مع أن الآية مخصصة بعدم توريث الكافر والقاتل والعبد، وكذا ما احتج به عليها أبو بكر رضي الله عنه على سبيل التخصيص للآية السابقة بقول النبي صلى الله عليه وسلم :"إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"(١٠).



* وقول المصنف في هذا الفصل من ص 189:"... وكذلك لو ورد تخصيص آخر لبقي اللفظ العام على ما كان عليه قبل التخصيص".

[م] يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى فردا واحدا مطلقا، سواء كان جمعا كالرجال، أو غير جمع كـ"من"و"ما"، وتبقى دلالة العام حجة قاصرة على ذلك الفرد المتبقى بعد التخصيص، وهو مذهب الجمهور، وبه قال مالك -رحمه الله- فهو الصحيح، ويشهد لهذا المذهب وقوعه في القرآن واللغة، مثل قوله تعالى:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"[الحجر:9] ومنزل الذكر هو الله تعالى، وقوله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس"[البقرة:199] والمقصود به"إبراهيم عليه السلام"، وقوله تعالى :"أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله"[النساء:54] والمقصود بـ"الناس"النبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى :"أولئك مبرؤون مما يقولون"[النور : 26] والمقصود به"عائشة"رضي الله عنها، وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه:"أنفد إليه ألفي رجل، وكان قد أرسل إليه ألفا من الرجال والقعقاع بن عمرو رضي الله عنه، ولم يرد عليه نكير في إطلاق الألف الثانية على القعقاع رضي الله عنه.



* وقول الباجي رحمه الله بعدها :"ويجوز أن يرد التخصيص والبيان مع اللفظ العام".

[م] التخصيص نوع من البيان إذا ارتبط بالمبين على صفة تحد من عمومه(١١)، سواء كان التخصيص منفصلا أو متصلا، والمخصصات التي ترتبط بكلام آخر ولا تستقل بنفسها هي المخصصات المتصلة منها : الاستثناء، والشرط، والغاية، والصفة، واقترانها بالعام يعد من وجوه الفرق بين التخصيص والنسخ الذي يشترط فيه التراخي بين الناسخ والمنسوخ، والأحناف يطلقون على الاستثناء ببيان التغيير وعلى النسخ ببيان التبديل(١٢).




* وفي الصفحة نفسها قال رحمه الله :"ويجوز تأخيره عنه إلى وقت فعل العبادة، ولا يجوز أن يتأخر عن ذلك الوقت"
[م] لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة عند عامة العلماء إلا على من يرى بجواز التكليف بما لا يطاق، والصحيح أن الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعا أن يكون ممكنا، فإن كان محالا لم يجز الأمر به، والتفريع على شرط الإمكان يتولد عنه عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وصورته أن يقول : صلوا غدا، ثم لم يبين لهم في غد كيف يصلون، أو يقول : آتوا الزكاة عند رأس الحول، ثم لا يبين لهم عند رأس الحول كم يؤدون ونحو ذلك.

أما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فجائز مطلقا سواء كان المقصود بيانه ماله ظاهر يفهم ويعمل به كالعام والمطلق أو ما ليس له ظاهر كالمجمل وهو مذهب جمهور العلماء خلافا للمانعين والمفصلين، وصورته : أن يقول وقت الفجر مثلا : صلوا الظهر، ثم يؤخر بيان أحكام الظهر إلى وقت الزوال، أو يقول: حجوا في عشر ذي الحجة ثم يؤخر بيان أحكام الحج إلى دخول العشر(١٣).

ومذهب الجمهور القاضي بجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة مطلقا هو الصحيح لوقوعه مطلقا، والوقوع دليل الجواز، ومما وقع في الكتاب والسنة قوله تعالى :"فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه"[القيامة:18، 19] و"ثم"للتراخي، فدلت على تراخي البيان عن وقت الخطاب،
وكذلك قوله تعالى:"وأقيموا وآتوا الزكاة"[البقرة : 43] وقوله تعالى :"ولله على الناس حج البيت"[آل عمران:97] فأخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بينها جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم ثم بينها صلى الله عليه وسلم لأمته فقال:"صلوا كما رأيتموني أصلي"(١٤)، وبين النبي صلى الله عليه وسلم مقادير الزكوات ومن نوع الأجناس بالتدريج، وبين أفعال الحج وأحكامه بعد نزول آية الحج وقال صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم"(١٥).

ومن ذلك أيضا، قوله تعالى لنوح عليه السلام :"احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول"[هود:40] وآخر بيان أن ولده الذي غرق ليس من الأهل الموعود بنجاتهم حين قال نوح:"إن ابني من أهلي"فبين له تعالى أنه ليس من أهله. وكذلك في قوله تعالى:"والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"[البقرة:228] ثم ورد التخصيص بعد ذلك بقوله تعالى:"وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"[الطلاق:4]، ولأن النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول ولا خلاف في جواز تأخير بيانه إلى وقته، إلى غير ذلك من الأدلة وهي كثيرة التي لا سبيل إلى إنكارها(١٦).





فصل
[ في أقل الجمع ]


* قال المصنف رحمه الله في ص 190:"أقل الجمع اثنان عند جماعة من أصحاب مالك رحمه الله تعالى، وحكى القاضي أبو بكر بن الطيب أنه مذهب مالك".

[م] ليس من محل النزاع المفهوم من لفظ"الجمع"لغة إجماعا، لأنه ضم شيء إلى شيء، وذلك موجود في الاثنين والثلاثة وما زاد، كما لا خلاف في أن أقل الجمع في لفظ"الجماعة"في غير الصلاة ثلاثة، وفي الصلاة اثنان، ويخرج أيضا من محل النزاع ما لو قصد المتكلم بلفظ الجمع التخفيف كقول القائل:"ضربت رؤوس الرجلين"أو"وطئت بطونهما"ومنه قوله تعالى:"فقد ضغت قلوبكما"[التحريم:4]

كما يخرج عنه تعبير الاثنين عن نفسيهما بضمير الجمع سواء كان ضمير المتكلم متصلا مثل:"عملن"أو منفصلا مثل:"نحن"وهذا يصدق – أيضا – على الواحد عن نفسه بضمير الجمع، وليس من محل الخلاف الجمع المعرف بـ"أل"كالرجال فإنه يفيد الاستغراق، وإنما يتعين محل النزاع في الجمع المذكر السالم المنكر كـ"مسلمين"وجمع المؤنث السالم : كـ"مسلمات"وجمع الكثرة المنكر كـ"جمال"و"رماح"أو جمع القلة المنكر وهو على أربعة أوزان: الأول:"أفعلة"كـ"أطعمة"و"أعمد ة"،

والثاني:"فعلة"كـ"فتية"و"شيخة "

والثالث:"أفعال"كـ"أحمال"و"أب واب"

والرابع:"أفعل"كـ"أعين"و"أذرع "(١٧)

، كما أن من محل النزاع"واو"الجمع كـ"دخلو"أو"خرجوا"، والمصنف فيها اختار أن أقل الجمع اثنان حقيقة وعلى الواحد يطلق مجازا وهو مذهب القاضي الباقلاني وابن الماجشون وداود الظاهري وأبي إسحاق الإسفرائيني وبه قال الخليل بن أحمد وسيبويه وعلي بن عيسى النحوي وغيرهم،

واستدل المصنف بقوله تعالى:"وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين"[الأنبياء:78] فقد جمع الله في الآية بين حكم سليمان وداود بضمير الجمع في قوله"لحكمهم"فدل ذلك على أن أقل الجمع اثنان،

وأجيب عن هذا الدليل من أن ضمير الجمع يرجع إلى أربعة وهم:
الحاكمان: داود وسليمان، والمحكوم له وهو صاحب الزرع، والمحكوم عليه وهو صاحب الغنم.

والدليل الثاني الذي احتج به المصنف على مذهبه قوله تعالى:"فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون"[الشعراء:15] فقد أطلق فيه ضمير الجمع المتمثل في لفظه"معكم"وأرجع إلى موسى وهارون عليهما السلام واعترض على هذا الدليل بأن الضمير يرجع إليهما وإلى فرعون الذي يذهبون إليه،
أما دليل المصنف من اللغة قولهم :"ظهراهما مثل ظهور الترسين"،
فأجيب عن الاستشهاد بهذا البيت بأنه خارج عن محل النزاع، لأن المقصود بالجمع في لفظ"ظهور"التخفيف، فإنه لو قال"ظهري"لثقل اجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة(١٨).


والظاهر أن مذهب القائلين أن اقل الجمع ثلاثة ويطلق على الاثنين والواحد مجازا أقوى وهو مذهب جمهور أهل العلم لما رواه الحاكم البيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما:"أنه دخل على عثمان رضي الله عنه فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله"فإن كان له أخوة"[النساء:11]
والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟
فقال عثمان: لا أستطيع تغيير ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس"(١٩)،

فهذان الصحابيان من أهل اللسان واللغة يتفقان على أن اقل الجمع ثلاثة وإنما عدل عثمان رضي الله عنه في مسألة حجب الأم من الثلث إلى السدس لوجود قرينة صارفة وهي إجماع من قبله على خلافه، فصح ما قاله ابن عباس رضي الله عنه من أن الأخوين ليسا بإخوة في كلام العرب ولغتهم فدل على أن أقل الجمع حقيقة ثلاثة، لأن الجمع لا يطلق على الاثنين إلا على وجه المجاز(٢٠)،
وهذا الأثر –وإن لم يصح سنده- إلا أنه يؤكد معناه إجماع أهل اللغة على التفريق بين الجمع والتثنية في الضمير المنفصل، فقالوا في الجمع"هم"وفي التثنية:"هما"، كما فرقوا بين الجمع والتثنية بالتوكيد مثل:"أقبل الطلاب أنفسهم"، أما في التثنية فقالوا:"أقبل الطالبان أنفسهم"كما فرقوا بينهما في الضمير المتصل فقالوا في الجمع:"عملو"و"اعملو"وفي التثنية:"عملا"و"اعملا"،

وهذا ما يفسر أن مرتبة الجمع غير مرتبة التثنية، فالثلاثة تنعت بالجمع والجمع ينعت بالثلاثة، لكن التثنية لا تعنت بالجمع ولا ينعت الجمع بالتثنية وإذا كان في الاثنين فمن باب أولى الواحد، فدل ذلك على أن اقل الجمع يكون حقيقة في الزائد على الاثنين وهو ثلاثة،

ويؤيده قول صلى الله عليه وسلم:"الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"(٢١) وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم:"الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة بم يهمم بهم"(٢٢)
والحديثان ظاهران في فصل النبي صلى الله عليه وسلم بين التثنية والجمع، وجعل للاثنين حكما خاصا دون الجمع، فظهر جليا أن التثنية ليست بجمع حقيقة، ولا يعترض بأثر زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال:"الإخوة في كلام العرب أخوان فصاعدا"(٢٣) لأنه ورد في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد قال عنه الإمام أحمد:"إنه مضطرب الحديث"وقال عنه يحي بن معين:"لا يحتج بحديثه"(٢٤)، ولو ثبت فمراده إفادة ذلك مجازا، أو حمل كلامه على خصوص مسألة حجب الأم من الثلث إلى السدس بالأخوين(٢٥).


والخلاف في هذه المسألة ينبني عليه آثار فقهية منها: الصلاة على الميت لا تصح إلا بثلاثة عند من يرى أن أقل الجمع ثلاثة، ولا تصح إلا بالاثنين عند من قال أن أقل الجمع اثنان، أو بالواحد عند من يرى أن أقل الجمع واحد، ومن ذلك من نذر أن يصوم أياما من غير تعيين فيلزمه ثلاثة أيام على القول الأول ويلزمه يومان على القول الثاني ويوم واحد على القول الثالث، وكذلك إذا أقسم أن لا يكلم الناس فإنه لا يحنث إلا إذا كلم ثلاثة من الناس خلافا لمن قال بأن أقل الجمع اثنان أو واحد.


ومن ذلك أيضا المقر لغيره بدراهم أو ثياب أو بأي جنس من الأجناس وعبر عنه بلفظ الجمع غير المنصوص على عدد(٢٦) فإنه يلزمه ثلاثة دراهم على المذهب الأول أو اثنان على المذهب الثاني أو واحد على المذهب الثالث.



فصل
[الاختلاف في تناول لفظ الجمع المذكر للنساء]


* قال المصنف –رحمه الله- في ص 193:"إذا ورد لفظ الجمع المذكر لم تدخل فيه جماعة المؤنث إلا بدليل، لأن لكل طائفة لفظا يختص به في مقتضى اللغة، قال الله تعالى:"إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات"[الأحزاب:35]"

[م]- لا خلاف بين العلماء في عدم دخول كل واحد من المذكر والمؤنث في الجمع المختص به أحدهما كلفظ"الرجال"للمذكر، فإن النساء لا يدخلن فيه اتفاقا، أو لفظ"النساء"للمؤنث فإن الرجال لا يدخلون فيه اتفاقا، ولا خلاف في دخولهما في الجمع الذي لم تذكر فيه علامة التذكير ولا التأنيث كالبشر والناس، فإن لفظ الجمع بهذا المعنى يتناول الذكور والإناث لغة ووضعا بالاتفاق،
ومن هذا القبيل –أيضا- أدوات الشرط والاستفهام التي لا تظهر فيها علامة التذكير والتأنيث، فإن لفظ الجمع فيها يتناول الذكور والإناث بالاتفاق،

وإنما الخلاف في هذه المسألة واقع في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير كالجمع بالواو والنون كـ:"مسلمون"و"مؤمنون"، أو الجمع بضمير الجمع كـ"عملو"و"جاهدو"و"كلو"و"اشرب ا"،
فهل هذا الجمع يتناول الإناث؟

فالخلاف حاصل بين أهل العلم، والمصنف اختار مذهب القائلين أن جماعة المؤنث لا يدخلن في الجمع الذي تبينت في علامة التذكير إلا بدليل خارجي وهو مذهب جمهور الحنفية وبعض المالكية كالباقلاني وأكثر الشافعية وبعض الحنابلة كالطوفي(٢٧)،
مما استدل لهم المصنف أن الله تعالى في الآية السابقة خص الذكور بخطاب والإناث بخطاب آخر، ولما حرص على تخصيصهن بألفاظ مميزة دل ذلك على عدم دخولهن في الخطابات التي ظهرت علامة التذكير فيها إلا بقرينة أو دليل.

وقد أجيب عن هذا الدليل بأن تخصيص الإناث بألفاظ ونون النسوة إنما هو للبيان والإيضاح والتأكيد عليهن، وهذا لا يلزم عدم دخولهن في اللفظ العام، إذ قد يجيء لفظ عام شامل للأعيان مع أنه يخص بعض الأفراد بالذكر، كما يعطف الخاص على العام لمزيد اهتمام وتأكيد مثل قوله تعالى:"من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال"[البقرة:98] فإن تخصيص جبريل وميكال عليهما السلام بالذكر لا يلزم عدم دخولهما في لفظ"الملائكة"و"الرسل"فهما لفظان شاملان لكل الملائكة والرسل، فكذلك لفظ"المسلمين"شامل للذكور الإناث، لكن لما عطف عليه لفظ"المسلمات"كان ذلك زيادة في التأكيد وتخصيصا للشيء بالذكر.

هذا، ولعل أصح المذهبين قول القائلين بدخول النساء في الجمع الذي تبينت فيه علامة التذكير سواء بالجمع بالواو والنون أو جمع بضمير الجمع، وهو ما عليه أكثر الحنابلة وبعض الشافعية والمالكية وهو رواية عن الإمام أحمد، ودليل صحته انعقاد الإجماع على أن النساء يدخلن في الصيغة الخاصة بالذكور في جميع خطابات الشرع العامة وأكثر أوامره ونواهيه مثل قوله تعالى:"وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"[البقرة:43]
وقوله تعالى:"وكلوا واشربوا ولا تسرفو"[الأعراف:31] وقوله تعالى:"هدى للمتقين"[البقرة:2] وقوله تعالى:"ولا تقربوا الزنى"[الإسراء:32] فلو كانت صيغ هذه الأحكام والخطابات خاصة بالذكور لما تعدى إلى النساء، فدل ذلك على دخولهن في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير، ويؤيد ذلك أيضا بأن المألوف عند العرب في خطاباتهم تغليب التذكير على التأنيث في حالة اجتماع الذكور والإناث ولو كان الذكر واحدا، وقد وقع مثل هذا في القرأن الكريم في قوله تعالى:"قلنا اهبطوا منها جميعا"[البقرة: 38] فكان الخطاب واردا على"آدم"و"حواء"و"إبليس"ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"بين كل أذانين صلاة"(٢٨)
فسمى الإقامة آذانا من باب تغليب التذكير لشرفه ومثله قوله تعالى:"ولأبويه لكل واحد منهما السدس"[النساء:11] فغلب جانب الأب على الأم، والأمثلة على قاعدة التغليب المعتادة عند العرب متكاثرة(٢٩)، وهي معمول بها في خطاباتهم وكلامهم، والقرآن الكريم إنما نزل بلغة العرب فدل ذلك على أن النساء يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه علامة التذكير ولا يخرجن إلا بدليل، ولأن النساء شقائق الرجال ولا يخرجن من الخطاب الإلهي إلا بدليل.

هذا، ومن فروع هذه المسألة الاختلاف في صحة دعاء المرأة بالجمع المذكر كأن تقول:"وأنا من المسلمين""وما أنا من المشركين"، فعلى من يرى دخولها في الجمع المذكر قال يكفيها أن تقول ذلك بخلاف من منع ذلك إلا بدليل، ومن هذا القبيل الوصية والعطية، فمن قال لجمع من الرجال والنساء"وهبتكم عقاري"أو"لكم ثلث مالي بعد وفاتي"فعلى من يدخل النساء في خطاب الرجال بالجمع المذكر قال يشاركن الرجال في العطية والوصية وعلى المذهب الآخر الذي ارتضاه المصنف فلازمه أن النساء لا حق لهم في العطية والوصية.




فصل
[في الخاص الذي أريد به العام]



* قول المصنف رحمه الله في ص 195:"ومما خص أوله وعم آخره قوله تعالى:"يا ايها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن"[الطلاق: 1]

[م]- هذا المثال الذي ساقه المصنف ليس بين العموم والخصوص تعارض حتى يقصر الخاص على أفراده المخصوصة ويعمل بالعام فيما عداه من الأفراد الداخلة تحت عمومه، وإنما يندرج هذا المثال في باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، لذلك استدل بالآية على أن خطاب الشرع عام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته ولا يخرج عن العموم إلا بدليل خاص وهذا معلوم من استقراء القرآن الكريم أن الله يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب لفظه خاص ويكون المراد منه تعميم الحكم فمن ذلك قوله تعالى:"يا أيها النبي اتق الله"ثم قال:"إن الله بما تعملون خبير"[الأحزاب:1، 2]
وقال تعالى:"يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك"إلى أن قال سبحانه:"قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم"[التحريم:1، 2]، وقوله تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا"ثم قال سبحانه:"منيبين إليه واتقوه"[الروم:30، 31] فهذه الآيات شواهد على ما خص أوله بلفظ خاص لكن المقصود منه تعميم الحكم إلا إذا ورد دليل على الخصوصية.



..يتبع..



--------------------------------------------------------------------------------

١- انظر العموم العرفي في مفتاح الوصول للتلمساني: 504 والمصادر الأصولية المثبتة على هامشه.
٢- هو جزء من حديث طويل وفيه: «... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة» والحديث أخرجه البخاري: 3/317، وابو داود: 2/214. والنسائي: 5/27. وأحمد في مسنده: 1/11 من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
والحديث يمكن أن يكون مثالا للعموم اللغوي باعتبار إضافته إلى معرفة كما نص عليه المصنف [ص: 186].
٣- الحديث أخرجه الترمذي: 3/435 وابن ماجه: 1/628. وأحمد في"مسنده": 2/13. والدارقطني في"سننه": 3/269 والحاكم في المستدرك: 2/192 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما [انظر صحيح الترمذي للألباني: 1/574. وصحيح ابن ماجه له: 2/151 وإرواء الغليل رقم:1883]
٤- أنظر العموم العقلي في مفتاح الوصول للتلمساني: 507 والمصادر الأصولية المثبتة على هامشه.
٥- يوجد تقسيم آخر للعام من حيث مرتبته وسعته يتمثل في: عام لا أعم منه كالمعلوم والمذكور وهو شامل لجميع الموجودات والمذكور، وخاص لا أخص منه كالأعيان والأشخاص، وواسطة هي أعم مما تحتها وأخص مما فوقها، كالحيوان فإنه أعم من الإنسان وأخص من النامي، والنامي أعم من الحيوان وأخص من الجسم لشمول الجسم غير النامي كالحجر وهكذا [أنظر شرح مختصر الروضة للطوفي: 2/461.ومذكرة الشنقيطي:204].
كما يوجد تقسيم ثالث للعام باعتبار بقائه على عمومه أو دخول التخصيص عليه أو إرادة بعض افراده، فالأول هو العام المحفوظ والثاني العام المخصوص، والثالث هو العام الذي أريد به الخصوص [أنظر الفتح المأمول في شرح مبادئ الأصول لابن باديس: 120].
ولا يخفى أن هذين التقسيمين غير مرادين لاتجاه المصنف إلى صيغ العموم وألفاظه وهو العموم اللغوي، وقسميه- في هذا المجال- هو العموم العرفي والعقلي.
٦- أنظر: كشف الأسرار للبخاري:1/33. إرشاد الفحول للشوكاني: 112. أصول الفقه لزكي الدين شعبان:322. تفسير النصوص محمد أديب صالح: 2/9-10.
٧- أخرجه أحمد في"مسنده": 3/129، وغيره من حديث أنس رضي الله عنه، وله طرق أخرى من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبي برزة الأسلمي، والحديث صححه الألباني في الإرواء:2/298، وفي صحيح الجامع الصغير: 2/406.
٨- متفق عليه: أخرجه البخاري: 3/262، ومسلم: 1/262 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٩- أنظر اختلاف العلماء وأدلتهم في صيغة العموم ومحاملها في المصادر المثبتة على هامش في كتاب الإشارة ص:187
١٠- أخرجه البخاري: 12/5، ومسلم: 12/80، وأبوداود: 3/381 من حديث عائشة رضي الله عنها.
١١- أنظر الإحكام لابن حزم : 1/89.
١٢- أنظر : كشف الأسرار للبخاري : 3/106 وما بعدها.
١٣- شرح مختصر روضة الناظر للطوفي : 2/688.
١٤- أخرجه الشافعي في"مسنده": 55، والبخاري : 2/111 من حديث مالك بن الحويرث، في أوله قصة وفي آخره"فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم". والحديث متفق عليه إلا هذا الطرف من الحديث فهو من أفراد البخاري [صحيح مسلم : 5/174. سنن البيهقي : 2/17].
١٥- أخرجه أحمد في"مسنده": 3/318، 337، 367، 378، ومسلم: 9/44، وأبو داود: 2/495، وابن ماجة: 2/1006، والنسائي: 5/270، والبيهقي في"السنن الكبرى": 5/130، والبغوي في"شرح السنة": 7/179 بألفاظ متقاربة من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وتمامه :"فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
١٦- أنظر تفصيل المذاهب وأدلتها على هذه المسألة في المصادر المثبتة على هامش كتاب"الإشارة"ص 190.
١٧- أنظر : شرح تنقيح الفصول للقرافي: 233.
١٨- أنظر المصادر المثبتة على هامش كتاب الإشارة ص 193.
١٩- أخرجه الحاكم في"المستدرك": 4/335، والبيهقي في"سننه الكبرى": 6/227، وابن حزم في"المحلي": 9/258، وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"وأقره الذهبي في التلخيص على صحته، قال ابن كثير في"تفسيره"[2/198-199] معقبا على ذلك بقوله: وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان صحيحا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به"ورده الحافظ –أيضا- في التلخيص 3/85 بقوله:"وفيه نظر، فإن فيه شعبة مولى لبن عباس، وقد ضعفه النسائي"والحديث ضعفه الألباني في الإرواء: 6/122.
٢٠- أنظر المحلى لابن حزم: 9/258، شرح مختصر الروضة للطوفي: 2/498، والمصادر المثبتة على هامش"الإشارة": 193.
٢١- أخرجه مالك في الموطأ: 3/144، وابوداود: 3/80، والترمذي: 4/193 من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 2/124، والأرناؤوط في"شرح السنة"للبغوي: 11/21.
٢٢- أخرجه مالك في الموطأ: 3/144، وقال ابن عبد البر أنه مرسل باتفاق رواة الموطأ على ما نقله الزرقاني في"شرح الموطأ": 4/21، وقال السيوطي في تنوير الحوالك: 3/144"وصلة قاسم بن أصبغ من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه.
٢٣- أخرجه الحاكم في"المستدرك": 4/335 والبهيقي في"سننه الكبرى": 6/227 وابن حجر في"موافقة الخبر الخبر": 1/483، وقال:"هذا موقوف حسن".
٢٤- تهذيب التهذيب لابن حجر: 6/170.
٢٥- أنظر: أصول الفقه لابن مفلح: 2/783.
٢٦- أنظر إيضاح المحصول للمازري: 281، ومفتاح الوصول للتلمساني: 512.
٢٧- أنظر تفصيل الخلاف في المصادر –المثبتة على هامش كتاب الإشارة: 194.
٢٨- خرجه البخاري: 2/110 ومسلم: 6/124، وأبو داود: 2/60، والترمذي: 1/351، والنسائي: 2/28 وابن ماجه: 1/368 من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه.
٢٩- قال الخطابي في معالم السنن: 2/60:"أراد بأذانين الأذان والإقامة حمل أحد الاسمين على الآخر، والعرب تفعل ذلك كقولهم الأسودين للتمر والماء، وإنما الأسود أحدهما، وكقولهم سيرة العمرين يريد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وإنما فعلوا ذلك لأنه أخف على اللسان من أن يثبتوا كل اسم منهما على حدته ويذكروه بخاص صفته"

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2009, 12:50 PM   #4
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"





فصل
[في بناء العام على الخاص]


* قال المصنف -رحمه الله- في ص 196: "إذا تعارض لفظان خاص وعام بني العام على الخاص مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" فاقتضى ذلك نفي كل صلاة بعد العصر، ثم(١) قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، فأخرج بهذا اللفظ الخاص(٢) الصلاة المنسية من جملة الصلوات المنهي عنها بعد العصر، سواء كان الخاص متقدما أو متأخرا".

[م] التمثيل بهذين الحديثين يجعله علماء الأصول –أيضا- في مسألة أخرى تعرف بـ "تعارض عمومين من كل وجه" أي أن يكون أحد اللفظين عاما من وجه خاصا من وجه آخر، فالحديث الأول النهي فيه عام في الصلاة خاص في الوقت،
والحديث الثاني الأمر فيه عام في الوقت خاص في الصلاة، ومن هذا القبيل الأمر بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله سلم عام في الوقت خاص في الكلام،
والنهي عن الكلام حال خطبة الجمعة عام في كل كلام خاص في الوقت،
وكذلك الأمر بتحية المسجد عام في الوقت خاص بالصلاة،
والنهي عن الصلاة بعد العصر عام في الصلاة خاص في الوقت،

وفي مثل هذه المسائل ينبغي سلوك المراتب التدريجية، وعند من قال بالترجيح يرى تعذر التوفيق الصحيح والجمع المقبول بين عموم الأمر بالصلاة أو الإنصات وعدمه من جهة، وبين خصوص كل العمومين من وجه معارض بخصوص الآخر من جهة ثانية، لأن لكل منهما جهة عموم تطرقت إليه ظنية الدلالة فلا ينتهض للتخصيص، وعندئذ وجب المصير إلى الترجيح، ووجهه أن العموم في أحد الدليلين إذا ضعفت دلالته بدخول التخصيص عليه، كان العام الذي يقابله أرجح منه، لأن العام المحفوظ الذي لم يدخله التخصيص أقوى وأولى بالتقديم من العموم الذي دخله التخصيص.

هذا، ويجوز تخصيص العموم مطلقا سواء كان اللفظ العام أمرا أو نهيا أو خبرا، وسواء كان المخصص متصلا أو منفصلا، وسواء علمنا تاريخ نزول كل واحد منهما أو لم نعلم، وسواء تقدم العام على الخاص أو تأخر، أو جهل التاريخ فلا نعلم أيهما المتقدم من المتأخر وهذا مذهب الجمهور، ولا يصح ذلك إلا بدليل صحيح يجب العمل به في صورة التخصيص وإهمال دلالة العام عليها، وتبقى دلالة العام حجة قاصرة على ما عدا صورة التخصيص.

ويكفي الحكم على صحة هذا المذهب عمل الصحابة رضي الله عنهم في الاستدلال بالعمومات وتمسكهم بالعام المخصوص مع تقديمهم لدليل الخصوص مطلقا من غير نظر إلى كون أحدهما متقدما أو متأخرا مثل قوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" [النساء : 1 ]
فإن الآية عامة على جميع الأولاد لكن الصحابة خصصوا حق التوريث بما إذا لم يكن الولد كافرا أو قاتلا لأبيه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا يرث الكافر المسلم ولا يرث المسلم الكافر "(٣)، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم : "القاتل لا يرث"(٤)،
وكذلك يخرج من استحقاق الميراث أولاد الأنبياء بما استدل به أبو بكر الصديق رضي الله عنه على فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"(٥).

والأمثلة عنهم كثيرة في العمل بالخاص مطلقا سواء تقدم على العام أو تأخر عنه أو جهل التاريخ، فلم ينقل عنهم أنهم اجتهدوا في البحث عن تاريخ نزول أحدهما ليعمل بالمتأخر منهما فظهر رجحان القول بأن الخاص يخصص العام مطلقا.




* قال المصنف في ص: 197 : " وقال أبو حنيفة : إذا كان الخاص متقدما نسخه العام المتأخر، وإن كان العام متفقا عليه والخاص مختلفا فيه قدم العام على الخاص ".

[م] لجمهور الحنفية تفصيل في مسألة بناء العام على الخاص ويظهر وجهه :

إما أن نعلم أن الخاص ورد بعد العام أو ورد العام بعده،
وإما أن نعلم أنهما وردا معا، أو نجهل تاريخ كل منهما،
فإن علمنا أن الخاص ورد بعد العام كان الخاص ناسخا للعام، فلا يعمل إلا بدلالة الخاص، وإن علمنا أن العام ورد بعد الخاص، كان العام ناسخا للخاص، فلا يعمل إلا بدلالة العام في الحكم الثابت لجميع أفراده، وإن علمنا ورودهما معا فإن الخاص مقدم على العام، ويجب العمل بالخاص في صورة التخصيص، والعمل بالعام فيما عدا صورة التخصيص، فإن جهل التاريخ فلا نعلم المتقدم من المتأخر فالواجب التوقف لاستواء دلالة العام والخاص في القطعية ولا يرجح أحدهما إلا بدليل(٦).

وعمدة جمهور الحنفية في تقرير هذا المذهب قول ابن عباس رضي الله عنهما : "وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره"(٧) ووجه دلالته ظاهرة في أن المتأخر أولى بالعمل من المتقدم سواء كان المتأخر هو الخاص أو هو العام، أما حال المقارنة بينهما فإن الخاص يقيد العام ويخصصه، ويلزم التوقف -عند عدم العلم بتاريخ المتقدم من المتأخر- حتى يأتي دليل مرجح لأحدهما.

والمذهب الأول أقوى وهو أن النص الخاص يخصص اللفظ العام مطلقا لإجماع الصحابة رضي الله عنهم –كما تقدم- ولأن تخصيص العام بالخاص إعمال لكل واحد منهما وهو جمع بين الدليلين، بينما العمل بالنسخ أو التوقف إهمال لأحد الدليلين أو لكليهما، والإعمال أولى من الإهمال، والجمع مقدم على النسخ والتوقف.

أما الأثر المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو زيادة مدرجة من قول الزهري، وبذلك جزم البخاري(٨)، وفي بيان هذا المعنى ترجم ابن خزيمة في أحد أبواب "صحيحه" بقوله : "باب ذكر البيان على أن هذه الكلمة "إنما يؤخذ بالآخر" ليس من قول ابن عباس"(٩) فضلا عن أنه معارض بعمل الصحابة رضي الله عنهم، وعلى تقدير صحة الأثر فيحمل على ما إذا كان الأحدث خاصا للجمع بين الدليلين. هذا وإنما آل بالأحناف إلى هذا التقرير هو البناء على قاعدتهم أن دلالة العام قطعية كدلالة الخاص(١٠)،
وقد فند المصنف هذا القول في آخر الفصل ببيانه أن الخاص قطعي يتناول الحكم على وجه لا يحتمل التأويل، والعام ظني فهو يتناول الحكم على وجه يحتمل التأويل، والقطعي أولى بالتقديم على الظني في كل الأحوال مطلقا تقديما للقوي على ما دونه، فكان الخاص أولى من العام مطلقا.

ومن أهم ما يتفرع عن هذه المسألة : جواز تخصيص العام من الكتاب أو السنة المتواترة بالدليل الظني فالجمهور يجيزون هذا التخصيص لأن العام عندهم ظني الدلالة، فيصح تخصيصه بالظني كخبر الآحاد، والقياس الذي ثبتت علته بنص أو إجماع، بخلاف الأحناف فيمنعون هذا التخصيص، لأن العام قطعي إذا ورد من الكتاب أو السنة المتواترة، والقطعي في ثبوته ودلالته لا يصح تخصيصه بالظني. ولا يخفى كثرة الآثار التطبيقية المترتبة على هذه المسألة، منها قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى"[البقرة : 178] وغيرها من الآيات التي تفيد عموم القصاص سواء كان المقتول مسلما أو كافرا، وقد خصص الجمهور هذه الآية بحديث : "لا يقتل مسلم بكافر"(١١) عملا بأن دلالة العموم ظنية يصح تخصيصها بظني آخر كخبر الواحد سواء أكان هذا الدليل الخاص نزل قبل العموم أو بعده أو جهلنا تاريخهما، بخلاف الأحناف حكموا العموم لدلالته القطعية بينما الحديث ظني لا يصلح للتخصيص أولا وهو قابل للتأويل ثانيا، وقد أولوه بقتل المسلم للكافر الحربي، فلو كان الخاص قطعيا في ثبوته ودلالته كالحديث المتواتر، ونزل بعد الآية متراخيا فإنه يكون ناسخا للعام في القدر الذي اختلفا فيه متى تساوى معه في الثبوت.



فصل
[ في طرق دفع التعارض ]

* قال المصنف –رحمه الله- في ص: 198 : " فإذا تعارض اللفظان على وجه لا يمكن الجمع بينهما، فإن علم التاريخ فيهما نسخ المتقدم بالمتأخر، وإن جهل ذلك، نظر في ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح ... فإن تعذر الترجيح في أحدهما ترك النظر فيهما، وعدل إلى سائر أدلة الشرع ".

[م] ليس المراد به التعارض الحقيقي الذي هو التضاد التام بين حجتين متساويتين دلالة وعددا وثبوتا ومتحدتين محلا وزمانا، لأن الوحي منزه عن التعارض الحقيقي لقوله تعالى : "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" [النساء : 82] وقال تعالى مخبرا عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم : "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" [النجم : 3، 4]،

ولأن الله تعالى أمر بالرجوع –عند الاختلاف- إلى الكتاب والسنة ليرتفع الخلاف في قوله تعالى : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" [النساء:59] فدل ذلك على عدم وجود التعارض الحقيقي، وإنما المراد به التعارض الظاهري الذي هو وهم يقوم في ذهن الناظر ولا وجود له في الواقع، ويزول هذا الوهم بمجرد إظهار التوفيق بين الدليلين وحصول الائتلاف بينهما من خلال الجمع، أو ببيان النسخ، أو إبراز الترجيح،

وأسباب التعارض الظاهري(١٢) تعود في مجملها إما إلى قصور في إدراك الناظر إلى اختلاف الرواة من حيث الحفظ أو الأداء، وإما إلى دلالات الألفاظ من حيث العموم والخصوص، وإما إلى الجهل بالناسخ والمنسوخ، أو الجهل بتغاير الأحوال.



وللعلماء مسالك في دفع التعارض الظاهري واختار المصنف مذهب جمهور العلماء في الجملة الذي رتب مسالكه على الوجه التالي :

أولا : الجمع بين الدليلين المتعارضين وفق شروط الجمع وهي : أن تثبت الحجية لكل واحد من المتعارضين وذلك بصحة سنده ومتنه، وأن يتساوى الدليلان المتعارضان في درجة واحدة من حيث القوة، وأن يكون التأويل صحيحا حتى يوافق الدليل الآخر، وأن يكون الموفق أهلا لذلك، وأن لا يؤدي الجمع بين المتعارضين إلى إبطال نص شرعي، أو الاصطدام معه، وإذا روعيت هذه الشروط أمكن الجمع وله أوجه منها : الجمع بين العمومين بالتنويع، وبين الخصوصين بالتبعيض، وبين العام والخاص بالتخصيص، وبين المطلق والمقيد بالتقييد، والجمع بحمل الأمر على الندب، والجمع بحمل النهي على الكراهة، والجمع بحمل اللفظ على المجاز، والجمع ببيان تغاير الحال أو المحل.

ثانيا : النسخ عند تعذر الجمع، وذلك بالبحث في تاريخ صدور كل من النصين المتعارضين، فإن علم تاريخ صدورهما وأن أحدهما متقدم والآخر متأخر عمل بالمتأخر الناسخ وأهمل المتقدم المنسوخ ولا يسعه العمل بالناسخ إلى عند توفر جملة من الشروط منها : أن يكون الناسخ خطابا شرعيا، وأن يكون الناسخ مساويا للمنسوخ في قوة ثبوته ودلالته، وأن يكون الناسخ ورد متراخيا عن المنسوخ وهذا لازم للرفع، وأن يكون المنسوخ حكما شرعيا لا عقليا ومؤبدا لا مؤقتا وأن يوجد تعارض بين الناسخ والمنسوخ. ومثل هذا النسخ إنما يثبت بالطرق الاحتمالية التي يمكن إجمالها في : تصريح الصحابي بالناسخ، وفي الإجماع على الناسخ، وفي حداثة الراوي، وفي تأخر إسلام الصحابي، وفي معرفة التاريخ، وفي موافقة البراءة الأصلية.

ثالثا : الترجيح عند تعذر الجمع على وجه مقبول، وتعذر الوقوف على المتقدم والمتأخر، ويسعى المجتهد في البحث في درجة النصين من حيث القوة، فإن ظهر له مرجح لأحدهما على الآخر إما من حيث ثبوته أو من حيث دلالته أو من حيثيات أخرى معتبرة شرعا، عمل بالراجح وأهمل المرجوح وفق شروط الترجيح وهي : استواء الدليلين المتعارضين في الحجية، وعدم إمكان الجمع بينهما، وعدم معرفة تاريخهما، وأن يكون المرجح به وصفا قائما بالدليل وأن لا يكون الدليلان متواترين،

فإذا روعيت هذه الشروط أمكن الترجيح وله ثلاث جهات وهي :
الجهة الأولى الترجيح من جهة سند الحديث، وهذه الجهة تنقسم إلى وجوه الترجيح باعتبار حال الراوي، وإلى وجوه الترجيح باعتبار قوة السند في مجموعه.
أما الجهة الثانية وهي الترجيح من جهة المتن فتنقسم إلى : وجوه الترجيح باعتبار لفظ الدليل، وإلى وجوه الترجيح باعتبار دلالة الدليل، وإلى وجوه الترجيح باعتبار مدلول الدليل أو حكمه.
أما الجهة الثالثة وهي الترجيح بأمر خارجي، فتنقسم إلى ترجيح ما وافقه دليل آخر وإلى ترجيح ما عمل به واحتمل تأخره.


رابعا : التوقف عن العمل بأحد الدليلين أو التساقط إن تعذر دفع التعارض بالجمع والنسخ والترجيح ولم يذكر المصنف وغيره من القائلين بهذا المسلك معيار التوقف عن أحد الدليلين واختيار الآخر، والواجب في ذلك هو السعي الحثيث في طلب الدليل والاجتهاد في معرفة الحق، إذ لا تخلو مسألة عن دليل وبيان من الشرع، ويبقى القول بالتوقف أو التساقط في حقيقة الأمر ما هو إلى مجرد كلام نظري ليس له أثر عملي على الجانب الفقهي، وقد أوضح ابن خزيمة أنه لا يوجد حديثان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متضادان إلا يمكن التوفيق بينهما، ولا يمكن أن يرد عن الشارع نصان متعارضان في موضوع واحد دون أن يكون أحدهما ناسخا أو راجحا(١٣)، ويؤيد هذا المعنى إمام الحرمين بقوله : " إن قول العلماء بالتوقف –إن تعذر الترجيح- إنما هو مجرد افتراض لا يمكن حدوثه"(١٤)،
وورد عن الشاطبي ما يؤكد ذلك بقوله : " لا يوجد دليلان تعارضا بحيث أجمع العلماء على التوقف فيهما "(١٥).

هذا، والذي تجدر ملاحظته أن المصنف قدم مسلك الجمع مطلقا على النسخ والترجيح، والأولى تقديم النسخ الثابت بنص الشارع على بقية المسالك، لأنه إذا ثبت بالنص نسخ أحدهما فإن محاولة الجمع أو الترجيح بينهما هو إعطاء حجية لدليل انتهت حجيته فلا يصلح أن يعارض الدليل الناسخ، وإنما يقدم الجمع على النسخ إن كان ثابتا بالطرق الاحتمالية المتقدمة وليس بالنص. كما أن المصنف رتب مسلك التساقط ضمن مسالك دفع التعارض، والأولى إلغاؤه لأنه مجرد كلام نظري لا أثر له من الناحية العملية والواقعية في الفقه الإسلامي، وعليه يكون ترتيب المسالك كالآتي : النسخ بالنص ثم يليه الجمع ثم النسخ الاحتمالي ثم الترجيح.




* قال المصنف- رحمه الله- في ص 199 : ".. فإن تعذر في الشرع دليل حكم تلك الحادثة كان الناظر مخيرا في أن يأخذ بأي اللفظين شاء الحاضر أو المبيح، إذ ليس في العقل حظر ولا إباحة ".

[م] اختار المصنف مسلك التخيير في العمل بأي الدليلين شاء عند تعذر وجود دليل حكم تلك المسألة المبحوث عنها، وبهذا قال أبو بكر الباقالانى والغزالي والفخر الرازي والبيضاوي(١٦)، ولا يخفى أنّ القول بالتخيير جمع بين النقيضين وإطراح لكلا الدليلين وكلاهما باطل، ووجه الجمع بين النقيضين أنّ المباح نقيض المحرم، فإذا تعارض المبيح والمحرم، وخير بين كونه محرما يأثم بفعله وبين كونه مباحا لا إثم على فاعله كان جمعا بينهما وذلك محال، ولأنّ في التخيير بين الموجب والمبيح رفعا للإيجاب فيصير إلى التخيير المطلق وهو حكم ثالث غير حكم الدليلين معا فيكون إطراحا لهما وتركا لموجبهما. وعليه فإن التخيير في الشرع لا ينكر لكن التخيير بين النقيضين ليس له في الشرع مجال وهو في نفسه محال.

هذا، ومرد خلافهم في مسألة الاختيار والتوقف مبني على مسألة التصويب والتخطئة في الاجتهاد، ومنشأ القول بالتصويب والتخطئة يعود إلى مسألة:
هل لله تعالى في كل مسألة حكم معين قبل اجتهاد المجتهد أو ليس له حكم معين وإنما الحكم فيها هو ما وصل إليه المجتهد باجتهاده،

وعليه فمن قال إن لله حكما معينا في كل واقعة قبل الاجتهاد وهو قول المخطئة قال: لا تعارض بين أدلة الشرع وعلى المجتهد إصابة الحكم فإذا أصابه فهو المصيب الذي يستحق أجرين، وإذا أخطأه بعد بذل الجهد فهو المخطيء الذي يستحق أجرا واحدا، فإن عجز عن الترجيح ولم يجد دليلا آخر فلا يجوز أن تبقى الأدلة متكافئة، في محل واحد، بل لابد أن يكون أحد المعنيين أرجح فيلزمه والحال هذه - نظرا لعجزه- التوقف وبه قال أكثر الأحناف وأكثر الشافعية(١٧)،

وأنكر وقوعه إمام الحرمين والشاطبي وغيرهما كما تقدم، أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح وبه قال تقي الدين بن تيمية وحكاه الزركشي عن حكاية الجويني(١٨)، أو يتعين الأغلظ وهو الحظر وبه قال الأبهري وابن القصار والشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب وابن الهمام(١٩)، أو تتعين الإباحة بناء على أنّ الأصل في الأشياء الإباحة، وبه قال القاضي عبد الوهاب المالكي، وابن حمدان الحنبلي(٢٠)،

أمّا على قول المصوبة أنّ الحكم في مسألة هو ما وصل إليه المجتهد باجتهاده، فالحق- عندهم- ليس في جهة واحدة، إنما هو مطالب متعددة(٢١)، ويجوز أن تتكافأ الأدلة في محل واحد بحيث لا مزية لأحدهما على الآخر، وعليه يكون حكم الله التخيير، وقد تقدم القول بأنّ مسلك التوقف أو التساقط ما هو إلاّ مجرد كلام نظري ليس له أثر عملي في الفقه الإسلامي.




فصل
[في المخصصات المنفصلة للعموم]

* قال المصنف رحمه الله في ص 199: " يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وعليه جمهور الفقهاء، ويجوز تخصيص السنة بالقرآن، وتخصيص عموم القرآن وأخبار الآحاد بالقياس الجلي والخفي، لأنّ ذلك جمع بين دليلين ".

[م] والمصنف في هذا الفصل، والفصل الذي يليه تناول بالذكر بعض المخصصات المنفصلة، وضابط المخصص المنفصل هو: " أنّه يستقل بنفسه دون العام بأن لم يكن مرتبطا بكلام آخر، وهو لفظ أو غيره"(٢٢)،
والمسائل التي ذكرها المصنف تصريحا وغيرها تعريضا كتخصيص الكتاب بالكتاب، والكتاب بالسنة المتواترة أو الآحاد، أو تخصيص عموم القرآن والسنة بالإجماع والقياس مطلقا وبالمفهوم، لا نزاع في جوازها عند الجمهور لوقوعها، والوقوع دليل الجواز، ولإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تخصيص العام من الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد من غير نكير، كتخصيص أبي بكر رضي الله عنه الآية في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء:11]، بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنّا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"(٢٣)،

كما خصصوا عموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾[النساء:24] بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها"(٢٤)

ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالكتاب قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228] فإنّ عموم منطوق هذه الآية قد خصص بقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ﴾ [الطلاق:14] فهذه الآية تخصص الحامل من عموم عدة المطلقات بثلاثة قروء (حيض أو طهر على خلاف)، فإنّ عدتها بوضع الحمل، ولو بعد ساعة من طلاق أو بعد سنة منه.

وأمّا تخصيص الكتاب بالسنة فمثل قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء:11] فهو عموم مخصص بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم"(٢٥)، ومثل تخصيص السنة بالكتاب قول صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ "(٢٦) فهي مخصصة بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء:43 ]،

ومثل تخصيص العموم بالإجماع قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾[المؤمنون:6،المعارج:30] فظاهر الآية يقضي بإباحة المملوكة سواء كانت أختا من الرضاع أو لم تكن، لكن الإجماع خصص الآية بتحريم المملوكة إذا كانت أختا من الرضاع. وأمّا تخصيص اللفظ العام بالقياس فمثل قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور:2] خصص منه العبد قياسا على الأمة المخصصة منه بقوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء:25].

وأمّا تخصيص العام بالمفهوم مطلقا فمثاله في مفهوم الموافقة تخصيص عموم قوله صلى الله عليه وسلم: " ليّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"(٢٧) بمفهوم قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء:23] فإنّه يفهم منه منع حبس الوالد للدين، فلا يصح أن يحبس في دين ولده، ومثاله في مفهوم المخالفة تخصيص قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: 3] بمفهوم قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات﴾ [النساء:25] فإنه مفهوم يقتضي عدم جواز نكاح الأمة لمستطيع الطول فيخصص به العام.

هذا، والمصنف ذكر مذهب الجمهور في جواز تخصيص اللفظ العام بالقياس مطلقا سواء كان جليا أو خفيا، وهو الصحيح، خلافا لمن فرق بينهما في التخصيص، فجعل القياس الجلي يخصص العموم دون الخفي وهو مذهب ابن سريج والإصطخري من الشافعية(٢٨)، علما أنّ العلماء يختلفون في تفسير القياس الجلي والخفي على آراء متعددة حيث يرى البعض أنّ القياس الجلي هو قياس العلة والقياس الخفي هو قياس الشبه، ومنهم من يرى أنّ القياس الجلي ما ينقض قضاء القاضي بخلافه والخفي خلافه، وفسر آخرون الجلي بأنّه ما تبادرت علته إلى الفهم عند سماع الحكم والخفي بخلافه، وفي المسألة أقوال أخرى، ولكن مهما كان الاختلاف في تفسيرهما فلا يخرج القياس الخفي من أن يكون دليلا شرعيا حكمه حكم القياس الجلي فهما أشبه في تخصيص العموم بخبر المتواتر وخبر الواحد.


أمّا مذهب الجمهور في العرف والعادة فإنّه لا يخصص بها العموم، لأنّ أعراف الناس وعاداتهم لا تكون حجة على الشرع.




فصل
[ في بقية المخصصات المنفصلة للعموم]

* قال المصنف رحمه الله في ص 202: "وقد يقع التخصيص أيضا بمعان في أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإقراره على الحكم وما جرى مجرى ذلك".

[م] ويجوز تخصيص العموم بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مذهب جمهور أهل العلم ونفاه بعضهم كالكرخي وفصل آخرون كالآمدي والشوكاني وغيرهما وتوقف غيرهم، كما يجوز تخصيص العام بإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مذهب الجمهور أيضا، وهو الصحيح(٢٩)،

لأنّ إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فعل وسكوته عن الإنكار دليل على جواز الفعل، والإقرار - وإن كان لا صيغة له- إلا أنّه حجة في الجواز لعصمته صلى الله عليه وآله وسلم ونفي الخطأ عنه، فتظهر قوة حجيته من هذا الجانب بخلاف العام فمحتمل للتخصيص والأقوى مقدم،

ومن أمثلة تخصيص العام بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: "﴿ولا تقربوهنّ حتى يطهرن﴾ [البقرة: 222] فإنّ هذا العموم خصص بما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أنه كان يأمر بعض أزواجه أن تشدّ إزارها ثمّ يباشرها وهي حائض"(٣٠)،

أمّا تخصيص اللفظ العام بإقراره صلى الله عليه وآله وسلم فمثاله عموم النهي عن الصلاة بعد الصبح في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس"(٣١)، وقد خصص بجواز قضاء الراتبة بعد الصبح بما روى قيس بن قهد قال: " رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أصلي ركعتين بعد صلاة الصبح، فقال: " ما هاتان الركعتان يا قيس؟" فقلت: يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان الركعتان، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم"(٣٢).





* ثمّ قال المصنف رحمه الله بعد ذلك في ص 203: " ولا يقع التخصيص بمذهب الراوي، وذلك مثل ما روى ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا "(٣٣)، وقال ابن عمر: التفرق بالأبدان ".

[م] اختلف أهل العلم في المراد بالراوي، هل هو مخصوص بالصحابي أم هو أعم من ذلك ويشمل غيره؟
مع اتفاقهم على عدم حجية قول غير الصحابي،
فذهب القرافي وغيره إلى أنّ المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيا،
وذهب فريق آخر إلى أنّه يشمل التابعي أيضا لأنّه لا يكاد يأتي شيء عن التابعين إلاّ وهو مأخوذ عن الصحابة،
ويرى فريق ثالث أنّ الأمر أعمّ من تخصيصه بالصحابي أو التابعي، لأنّ مخالفته إنّما تصدر عن دليل،
وكلّ ما في الأمر أن من ليس بصحابي فمخالفته أضعف، والأولى قصره على الصحابي، لأنّ مخالفة مذهبه لما رواه يحتمل الدلالة على اطلاعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قرائن حالية تفيد اختصاصه بها، ولأنّه يحسن في الصحابي دون غيره أن يقال هو أعلم بمراد المتكلم، خلافا لغير الصحابي فإنّ مخالفته مبنية على ظنه واجتهاده(٣٤).

أمّا مسألة تخصيص العموم بمذهب الصحابي فإنّما يجوز التخصيص به إذا كان له حكم الرفع وذلك فيما لا مجال للرأي فيه، أمّا ما عدا ذلك فإنّ مذهب الصحابي لا يخصص به العموم وهو مذهب جمهور أهل العلم، وبه قال الشافعي في الجديد خلافا للحنفية وبعض الحنابلة وجماعة من الفقهاء(٣٥) ويشهد لمثل لمذهب الجمهور واقع الصحابة رضي الله عنهم حيث كان الواحد منهم يترك قوله ومذهبه إذا سمع العموم من كتاب أو سنة، وما نقل عن أحد منهم أنّه خصص عموما بقول نفسه، وهذا يدلّ على أنّه لا يخصص به العموم لضعفه عن العموم، أي أنّه يقدم المرفوع على الموقوف ولا يخصص به، ومثاله: رجوع ابن عمر رضي الله عنهما إلى خبر رافع بن خديج رضي الله عنه في المخابرة(٣٦) حيث قال: " كنّا نخابر ولا نرى بذلك بأسا، حتى أخبرنا رافع بن خديج أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها، فتركناها من أجل قول رافع"(٣٧).

ورجعت الصحابة إلى حديث عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين(٣٨)، ورجوع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن عدم أخذه جزية المجوس حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذها من مجوس هجر(٣٩)، وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.

وهذه المسألة مبنية على حجية قول الصحابي، فمن اعتبره حجة خصص به العموم، ومن لم يعده كذلك منع التخصيص به، ومن اعتبر حجيته إذا وافق القياس قال بتخصيص العموم به وهو في حقيقة الأمر تخصيص العموم بالقياس، ومن اشترط انتشار مذهبه بحيث لا يوجد له مخالف كان حجة وإجماعا قال بالتخصيص وهو في واقع الأمر تخصيص بالإجماع ويبقى الاختلاف ظاهرا في تحقق وقوع هذا الشرط من عدمه(٤٠).

وقول المصنف أنّ ابن عمر رضي الله عنهما قال: " التفرق بالأبدان " فالمنقول عنه رضي الله عنهما بيانه للتفرق بفعله المفسر لحديث خيار المجلس، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من قول نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان إذا بايع رجلا، فأراد أن يقيله قام فمشى هنيهة ثمّ رجع إليه(٤١)،
وأنّه كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه(٤٢)،
وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنّا إذا تبايعنا كل منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان، قال: فتبايعت أنا وعثمان، فبعته مالي في الوادي بمال له بخيبر، قال: فلمّا بعته طفقت أنكص القهقري خشية أن يرادني عثمان البيع قبل أن أفارقه(٤٣).


وثبوت خيار المجلس هو الصحيح من قولي العلماء وبه قال الصحابة وجمهور التابعين وهو مذهب الشافعي وأحمد وأكثر المجتهدين وسائر المحدثين، خلافا لأبي حنيفة ومالك وجمهور أصحابهما الذين منعوا خيار المجلس وفسروا التفرق في الحديث أنه التفرق بالأقوال - وهذه المسألة بينتها مفصلة في كتابي "مختارات من نصوص حديثية"(٤٤)، غير أنّ الذي يشكل من فعل ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان ينكص القهقري خشية أن يراد من المتعاقد ليثبت له البيع مع أنّ هذا الفعل ورد النهي عنه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلاّ أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله"(٤٥) ولدفع هذا الإشكال يمكن حمله على أنّه لم يبلغه خبر النهي. والله أعلم.



* وقوله - رحمه الله- بعدها في ص:204: " فذهب بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي إلى أنّه يقع التخصيص بذلك ".

[م] والقول بتخصيص العموم بقول الصحابي ومذهبه هو أيضا مذهب الحنفية والحنابلة وهو قول الشافعي في القديم وابن حزم، ودليل هذا المذهب مبني على القول بحجية مذهب الصحابي وتقديم مذهبه على القياس، وإذا جاز تخصيص العموم بالقياس فإنّ الأمر يقتضي تخصيص العموم بمذهب الصحابي من باب أولى لتقدمه على القياس.
ولا يخفى أنّ مذهب الصحابي يكون حجة فيما إذا كان له حكم الرفع، أو كان حجة وإجماعا، أو وافقه قياس صحيح- كما تقدم- وقد يكون حجة إذا لم يعارض مذهبه نصا من كتاب أو سنة، أمّا إذا عارض أحدهما أو كليهما فلا حجة فيه، وقياسه على القياس فاسد للفرق بينهما، لأنّ القياس ثابت استنادا إلى أصل ثابت بكتاب أو سنة فجاز تخصيصه للدليل المعتمد عليه، أمّا مذهب الصحابي فلا يعلم مستنده لذلك عدل عنه إلى العمل بما علم وهو العموم.

هذا، والخلاف في هذه المسألة معنوي ومن آثاره: مسألة قتل المرأة إذا ارتدت فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال:"من بدّل دينه فاقتلوه"(٤٦) فإنّ الحديث بعمومه يقتضي قتلها، لكن راويه وهو ابن عباس رضي الله عنهما يرى أنّ المرأة لا تقتل إذا ارتدت، بل تحبس كما يقوله أبو حنيفة فهل يخصص عموم الحديث بمذهب الصحابي أم لا؟(٤٧). وهذه المسألة تبنى على هذا الأصل الذي له جملة من التطبيقات الفرعية.



..يتبع..



--------------------------------------------------------------------------------

١- هو طرف من حديث متفق عليه تقدم تخريجه على هامش كتاب الإشارة ص: 196.
٢- متفق عليه، أنظر تخريجه في الصفحة السابقة نفسها.
٣- متفق عليه : أخرجه البخاري : 12/50، ومسلم : 11/52، وأبو داود : 3/326، وابن ماجة : 2/911، والترمذي : 4/413، والبغوي في "شرح السنة " : 8/154، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
٤- أخرجه الترمذي : 4/425 وابن ماجه : 2/913، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في الإرواء : 6/117، وفي صحيح الترمذي : 2/424، وفي صحيح ابن ماجه : 2/348.
٥- تقدم تخريجه في ص 14 من حديث عائشة رضي الله عنها.
٦- أنظر : ميزان الأصول للسمرقندي : 323، وفواتح الرحموت للأنصاري : 1/ 345.
٧- أخرجه مالك في "الموطأ" : 1/275، ومسلم : 7/231، والبغوي في "شرح السنة" : 6/310 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٨- صحيح البخاري : 8/3.
٩- صحيح ابن خزيمة : 3/262.
١٠- أنظر كشف الأسرار للبخاري : 1/304.
١١- أخرجه البخاري : 1/204، والترمذي : 4/23، وابن ماجه: 2/887 من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
١٢- أنظر : قواعد التحديث للقاسمي : 162، 163، 313.
١٣- الكفاية في علوم الحديث للخطيب البغدادي : 473.
١٤- البرهان للجويني : 2/1183.
١٥- الموافقات للشاطبي : 4/294.
١٦- أنظر: المحصول للفخر الرازى: (2/2/517)، والمستصفى للغزالي: (2/127)، والإبهاج لابن السبكي:(3/223-228).
١٧- كشف الأسرار للبخاري: (4/76)، تيسير التحرير لبادشاه: (3/137)، والمستصفى للغرالي: (2/127)، تنقيح الفصول للقرافي:(417)، إرشاد الفحول للشوكاني: (275).
١٨- أنظر المسودة لآل تيمية: (549)، وشرح الكوكب المنير للفتوحى: (4/613)، البحر المحيط للزركشي (6/116).
١٩- إحكام الفصول للباجي: (672)، التبصر ة للشيخ للشيرازي: (484). والإحكام للآمدي: (4/351)، تنقيح الفصول للقرافي:(417).
٢٠- شرح الكوكب للفنوحي: (4/680)، العضد على المختصر: (3/315)، حاشية البناني على جمع الجوامع: (2/369).
٢١- سلاسل الذهب للزركشي: (432).
٢٢- أنظر: شرح الكوكب المنير للفتوحي:(3/277)، وجمع الجوامع لابن السبكي: (2/24).
٢٣- تقدم تخريجه، أنظر ص:
٢٤- متفق عليه: وأخرجه بهذا اللفظ مسلم:(9/191)، وأحمد: (2/432)، وابن ماجه:(1/621)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنظر طرقه في الإرواء للألباني: (6/288).
٢٥- تقدم تخريجه، انظر ص:
٢٦- أخرجه بهذا اللفظ أبو داود: (1/49)، ورواه البخاري: (1/234)، ومسلم: (3/104)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: " لا تقبل صلاة أحدكم... " وتمام الحديث عند البخاري: قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط.
٢٧- أخرجه البخاري معلقا: (5/62)، وأبو داود: (4/45)، والنسائي: (7/316)، وابن ماجه: (2/811)، من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه رضي الله عنه ، قال ابن حجر في "الفتح ": (5/62) "وإسناده حسن" وحسنه الألباني أيضا في صحيح سنن أبي داود: (2/403).
٢٨- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش كتاب "الإشارة " للباجي: (201).
٢٩- أنظر هذه المسألة في المصادر المثبة على هامش " الإشارة ": 202.
٣٠- متفق عليه: أخرجه البخاري: (1/403)، ومسلم:(3/203)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
٣١- متفق عليه: أخرجه البخاري: (2/61)، ومسلم:(2/112)، والنسائي:(1/278)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
٣٢- أخرجه أحمد في "مسنده ":(5/447)، وأبوداود:(2/51)، وابن ماجه:(1/365)، والتر مذي:(2/284) وابن خزيمة في "صحيحه (2/164)، والبيهقي في "سننه الكبرى(2/456)، والحاكم في " المستدرك(1/274)، وابن حزم في "المحلى" (3/112)، من حديث قيس بن عمرو رضي الله عنه. والحديث ضعفه النووي في "المجموع" (4/169)، وصححه الحاكم ووافقه عليه الذهبي، قال أحمد شاكر: ثمّ هذه الطرق كلّها يزيد بعضها بعضا ويكون بها الحديث صحيحا لا شبهة في صحته (أنظر تحقيق أحمد شاكر على سنن الترمذي:(2/287).
٣٣- متفق عليه:انظر تخريجه على هامش "الإشارة":203.
٣٤- أنظر: العدة لأبي يعلى:(2/82)، شرح تنقيح الفصول للقرافي:(219-371)، الإبهاج للسبكي وابنه:(2/193)، جمع الجوا مع لابن السبكي:(2/33)، فواتح الر حموت للأنصاري:(2/163)، إجابة السائل للصنعاني: (335).
٥٤- أنظر المصادر المثبتة على هامش " الإشارة ":(205).
٣٦- المخابرة: وهي من المزارعة وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها على نصيب معين كالثلث والربع، والخبرة النصيب (أنظر: النهاية لابن الأثير:2/7، وسبل السلام للصنعاني: 3/37).
٣٧- أخرجه مسلم:(10/200)، في البيوع، باب: كراء الأرض، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
٣٨- أخرجه الشافعي في "الأم":(1/39)، وأحمد في "مسنده":(6/161)، والترمذي:(1/180)، وابن ماجه:(1/199)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
٣٩- وهو حديث طويل أخرجه الشافعي في "الأم ": (4/174)، وأحمد في "مسنده":(1/190)، والبخاري مختصرا:(2/257)، وأبو داود:(3/431)، والترمذي:(4/146)، والبيهقي في "سننه الكبرى":(9/189)، والبغوي في "شرح السنة"(11/168)، وأبو عبيد في الأموال:(21)، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: (2/260).
٤٠- أنظر: شرح اللمع للشيرازى:(1/381)، التمهيد للكلواذاني:(2/119)، المسودة لآل تيمية:(127)، إرشاد الفحول للشوكاني: (161).
٤١- المسند للشافعي:(137)، صحيح مسلم:(10/175)، المسند للحميدي:(2/290)، المصنف لعبد الرزاق: (8/51).
٤٢- صحيح البخاري:(4/362)، سنن النسائي:(7/250)، السنن الكبر ى للبيهقي:(5/269).
٣٤- صحيح البخاري:(4/335)، السنن الكبر ى للبيهقي:(2/271).
٤٤- أنظر من ص 159- 176.
٤٥- أخرجه أحمد في مسنده:(2/183)، وأبو داود:(3/736)، والنسائي: (7/251)، والحديث حسنه الألباني في الإرواء: (5/155).
٤٦- أخرجه البخاري في الجهاد(3017)، وأبو داود في الحدود(4353)، والترمذي في الحدود(1530)، والنسائي في تحريم الدم(4076)، وابن ماجه في الحدود(2632)، وأحمد(1899)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٤٧- التمهيد للإسنوي: 413.

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2009, 02:29 PM   #5
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"






فصل

[في اللفظ العام الوارد ابتداء]



* قال المصنف رحمه الله في ص 206: "... فأما المستقل بنفسه فمثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن بئر بضاعة، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء"(١)، فمثل هذا اللفظ العام اختلف أصحابنا فيه، فروي عن مالك رحمه الله أنه يقصر على سببه ولا يحمل على عمومه، وروي عنه أيضا أنه يحمل على عمومه ولا يقصر على سببه، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وأكثر أصحابنا".



[م] مذهب الجمهور أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يختص به بل يكون عاما لمن تسبب في نزول الحكم ولغيره، أي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وخالف في ذلك مالك وأحمد في رواية عنهما والمزني وأبو ثور والقفال والدقاق والأشعري ورأوا أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وفصل في المسألة فريق ثالث، وتوقف آخرون.

ويكفي لصحة مذهب الجمهور قوة إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تعميم الأحكام الواردة على أسباب خاصة كآية الظهار نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات اللعان نزلت في عويمر العجلاني وزوجته، وآية القدف نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها، وآية السرقة نزلت فيمن سرق رداء صفوان بن أمية وكذلك المواريث وغيرها.

ومما هو نص في محل النزاع قصة الأنصاري الذي قبل امرأة أجنبية فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، ونزل فيه قوله تعالى: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين" [هود: 114] قال الرجل: ألي هذه؟ قال: "لمن عمل بها من أمتي"(٢) وفي رواية قال: "بل للناس كافة"(٣) ومعناه أن العبرة بعموم لفظ "إن الحسنات يذهبن السيئات" لا بخصوص السبب.


ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طرق عليا وفاطمة رضي الله عنهما فقال: "ألا تصليان"؟ فقال علي رضي الله عنه يا رسول الله: "إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا" فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم راجعا وهو يضرب فخذه ويقول: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" [الكهف: 54](٤)
فجعل عليا داخلا في عموم الآية مع أن سبب نزولها في الكفار الذين أكثروا الجدل والخصومة والمراء لإدحاض الحق الذي بينه الله في القرآن الكريم، ففي الآية دليل على عموم الآية وشمولها لكل خصام وجدل، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(٥).

هذا، والمعتبر في هذه المسألة إذا لم توجد قرينة على التخصيص ولا على التعميم إلا اللفظ نفسه، والخلاف فيها -على الجملة(٦)- لفظي لاتفاق العلماء على تعميم أحكام اللعان والظهار والسرقة وغيرها مما نزلت بسبب حوادث خاصة، غاية ما في الأمر أن مذهب الجمهور يرى ثبوت تلك الأحكام المشابهة لتلك الحوادث عن طريق اللفظ والنص، بينما عند من يقصر اللفظ على السبب ولا يحمل على عمومه يلحق تلك الأحكام المشابهة للأصل بالقياس، والفرق يبن الطريقتين يظهر من حيث النسخ والتعارض، أما من حيث النسخ فإن الحكم الثابت عن طريق النص ينسخ وينسخ به، بخلاف الحكم الثابت عن طريقة القياس فلا يقبل النسخ. أما من حيث التعارض فالحكم الثابت عن طريق عموم النص أقوى من الحكم الثابت عن طريق القياس.



* قال المصنف في ص 208: "وأما ما لا يستقل بنفسه، فمثل ما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذا"، فمثل هذا الجواب يقصر على سببه، ويعتبر به في خصوصه وعمومه، ولا اختلاف في ذلك نعلمه"(٧).

[م] لا خلاف بين العلماء في تبعية الجواب غير المستقل بالسؤال أو الحادثة في عمومه اتفاقا، وأما الاعتبار به في خصوصه فقيل: إنه لا نزاع في ذلك، والصواب أنه محل خلاف، ويتبع السؤال في خصوصه في أحد قولي العلماء وهو المختار عند الجمهور(٨).





باب أحكام الاستثناء

[في الاستثناء من غير الجنس]



* قال المصنف رحمه الله في ص 210: "الاستثناء وهو على ضربين: استثناء يقع به التخصيص، واستثناء لا يقع به التخصيص، فأما الاستثناء الذي يقع به التخصيص فعلى ثلاثة أضرب: استثناء من الجنس، واستثناء من غير الجنس، واستثناء من الجملة... وأما الاستثناء من غير الجنس فلا يقع به التخصيص"

[م] الاستثناء هو قول متصل يدل بحرف "إلا" أو إحدى أخواتها على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول، والفرق بين الاستثناء والتخصيص المنفصل أن الأول يشترط فيه الاتصال فلا يجوز أن يقول "رأيت الناس" ثم بعد زمن يستثني زيدا، بينما التخصيص المنفصل يجوز أن يكون متصلا ومتراخيا، والتخصيص المنفصل يصح في الظاهر –وهو العام فقط- فلا يجوز في النص بخلاف الاستثناء فإنه يتناول الظاهر والنص فيجوز أن تقول: "لي عليه عشرة دنانير إلا ثلاثة".

هذا، والمصنف في هذا الباب قسم الاستثناء إلى ضربين: ما يقع به التخصيص، وما لا يقع به التخصيص غير أن الظاهر من نص المصنف إقحامه للقسم الثاني الذي لا يقع به التخصيص -وهو الاستثناء من غير الجنس- في أضرب القسم الأول الذي يقع به التخصيص، ولعل المصنف أدرج اختياره المتمثل في جواز التخصيص بالاستثناء من غير الجنس ضمن أضرب القسم الأول، واستبقى القسم الثاني الذي هو مذهب الجمهور في عدم وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس، وقد اتفق العلماء على أن الاستثناء من الجنس حقيقة وأنه يصح الاستثناء به، وأما الاستثناء من غير الجنس فاختلفوا فيه،

والصحيح أنه لا يجوز استثناء به خلافا لمذهب المصنف وبه قال الباقلاني وذكر الفخر الرازي أنه ظاهر كلام النحويين(٩)، لأنه لا يخرج من الجملة بعض ما تناولته مثل قولك: "رأيت الناس إلا حمارا" لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس، وإذا جاءت مثل هذه الصيغ والجمل حملت على المجاز لا على الحقيقة، وهو مذهب الجمهور –كما تقدم- وبه قال محمد بن خويز منداد كما صرح به المصنف وهو قول الشيرازي شيخ المصنف والغزالي والسرخسي والبيضاوي وغيرهم، ومن أدلتهم أن المستثنى من الجنس شاع استعماله حتى أصبح المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، والتبادر أمارة الحقيقة وما ورد على خلافها فهو المجاز، كما أنه لا يوجد معنى في استثناء من غير الجنس، لأن الاستثناء إخراج، ولا إخراج فيه إذ الإخراج فرع الدخول، ولا دخول للمستثنى تحت لفظ المستثنى منه في غير الجنس، لأنه ليس من جنسه، واللفظ لا يدل على ما ليس من جنسه، فتسميته استثناء مع أنه لا إخراج فيه لا تكون حقيقة وإنما مجاز، ولأن الاستثناء من غير الجنس على غير وضع اللغة، إذ قد يكون معيبا استعماله عند العقلاء، فلو قال: "رأيت الحجاج إلا الكلاب" لكان مستهجنا أو قال: "رأيت العلماء إلا الحمير" لكان معيبا ومستهجنا، وما كان كذلك فلا يجوز أن يضاف إلى أهل اللغة على وجه الحقيقة(١٠).




* قال الباجي -رحمه الله- في ص: 211، عند معرض الاستدلال على اختياره بجواز وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس: "ودليلنا قوله تعالى: "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" [النساء: 92] والخطأ لا يقال فيه للمؤمن أن يفعله، ولا ليس له أن يفعله، لأنه ليس بداخل تحت التكليف، وقد قال النابغة: " .... وما بالربع من أحد إلا أواري ...".

[م] قد لا يسلم المخالف أن في الآية وقول النابغة دليلا على جواز وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس، لأن الآية لا يوجد فيها استثناء لكون " إلا " فيها للاستدراك، وهو استثناء منقطع ليس من الأول وهو الذي يكون فيه " إلا " بمعنى "لكن"، والتقدير: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة لكن إن قتله خطأ فعليه الكفارة والدية. وإذا سلم مجيئه متصلا فعلى التقديرين كليهما ليس فيه حجة على وقوع التخصيص به، ويظهر التقدير الأول في العبارة التالية: "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ولا يقتص منه إلا أن يكون خطأ فلا يقتص منه ولكن فيه الكفارة والدية "، والتقدير الثاني أن يقدر"كان" بمعنى "وجد" أو "استقر" فكأنه قال: " وما وجد وما تقرر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحيانا "(١١).

أما محل الشاهد عند المصنف من إيراد بيتي النابغة هو استثناء "أواري" من "أحد" على أنه استثناء من غير الجنس، فأجيب لا يسلم أنه استثناء من غير الجنس من ناحيتين:

- الأولى: إن " الأواري" مستثنى من جنس المستثنى منه، لأن "أحد" يطلق على الجمادات كما يطلق على الآدمي.

- الثانية: أنه قد جرت عادة العرب في كلامهم أن يجعلوا الشيء من جنس غير جنسه توسعا كما في قول أبي ذؤيب الهذلي:

فإن تمس في غارٍ برَهْوَةٍ ثَاوِياً أنيسُك أَصْدَاءُ القُبُورِ تَصِيحُ(١٢).

فقد جعل أصداء القبور أنيسا، وليست في الأصل من جنس الأنيس إلاّ من باب التوسع، وقد يحصل وأن يكون من جنسه لأن الأبنية والأحجار والأشجار فضلا عن الحيوان يحصل معه الأنس كالآدمي.

وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا حلف إنسان أنه لا يستثني، أو قال لزوجته: "إن استثنيت فأنت طالق" ثمّ يستثني منقطعا، فإنه يحنث عند من يسمي الاستثناء المنقطع استثناء، ولا يحنث عند من لا يسميه كذلك(١٣)، ولو قال المقر: "علي ألف درهم إلا ثوبا" فإنه لا يجوز التخصيص به عند من لا يسمي الاستثناء المنقطع استثناء، ويجوز عند الفريق الثاني، وله أن يبين قيمة الثوب ليعلم مقداره المستثنى(١٤). هذا، أما من يرى أن الاستثناء من غير الجنس حقيقة أو مجاز أو موقوف فهو مجرد اصطلاح واختلاف لفظي لا أثر له في الفروع لاتفاقهم على تسميته استثناء(١٥).



فصل

[في رجوع الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو]



* قال المصنف -رحمه الله- في ص 212: "الاستثناء المتصل بجمل من الكلام معطوف بعضها على بعض يجب رجوعه إلى جميعها عند جماعة أصحابنا، وقال القاضي أبو بكر فيه بمذهب الوقف، وقال المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة: "يرجع إلى أقرب مذكور إليه".

[م] محل النزاع في هذه المسألة واقع فيما إذا لم تكن قرينة تدل على إرادة الجميع أو إرادة إحدى الجمل سواء كانت متقدمة أو متأخرة، من نفس اللفظ أو من خارجه، فإن وجدت القرينة وجب المصير إلى ما تدل عليه والعمل بما تقتضيه، ومن أمثلة رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل اتفاقا قوله تعالى: " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولايزنون ..." إلى قوله تعالى: "إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا" [الفرقان: 68-69-70]

ومن ذلك قوله تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا..." إلى قوله تعالى: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعملوا أن الله غفور رحيم " [ المائدة: 33-34 ]

ومن أمثلة ما يمنع فيه مانع أو قرينة من إرادة الجميع والحكم فيه للمانع أو للقرينة الدالة على المراد قوله تعالى: " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا" [النساء: 92 ] فحق الله المتمثل في تحرير الرقبة مانع من عود الاستثناء إليه لأنه لا يسقط بإسقاطهم للدية، وعليه فالاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة،
وقد يعود إلى الجملة الأولى بقرينة مثل قوله تعالى: " فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده " [البقرة: 249 ] ومعناه: أن من شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده فإنه مني، ولا يكون المعنى صحيحا إذا رجع إلى الجملة الأخيرة وهي: ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده.

ويخرج أيضا من محل النزاع الاستثناء الوارد بعد جمل منسوقة بأنواع العطف كالفاء، و"ثم" فإن الاستثناء يختص بالأخيرة لاقتضائهما الترتيب سواء كان على الفور أو على التراخي بخلاف "الواو" فيقضي الجمع والاشتراك، لذلك اتفق العلماء على أن الاستثناء إذا ورد بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع إلى الجملة الأخيرة وفي رجوعه إلى ما قبلها خلاف(١٦).

وفضلا عما ذكر المصنف من خلاف في هذه المسألة من أن جمهور المالكية والشافعية والحنابلة يذهبون إلى أن الاستثناء إذا تعقب جملا بالواو يرجع إلى جميعها خلافا لأصحاب أبي حنيفة فإنه يرجع عندهم إلى أقرب مذكور إليه،
وقال القاضي الباقلاني بالوقف وتبعه الغزالي والشريف المرتضي من الشيعة إلا أن هذا الأخير توقف للاشتراك، ففضلا عن هذا، فقد ذهب آخرون إلى التفصيل، فمنهم من يرى أنه إذا تبين الإضراب عن الأولى فللآخرة وإلا للجميع، وهو مذهب عبد الجبار وأبي الحسين من المعتزلة، ويرى آخرون أنه إذا ظهر أن الواو للابتداء رجع للجملة الأخيرة، وإن ظهر أنها عاطفة فالواجب الوقف وهو مذهب الآمدي، وقال غيرهم: إن القيد الواقع بعد الجمل إذا لم يمنع مانع من عوده إلى جميعها لا من نفس اللفظ ولا من خارج عنه فهو عائد إلى جميعها، وإن منع مانع فله حكمه، والظاهر أن مذهب الجمهور في هذه المسألة أصح لاتفاق أهل اللغة أن تكرار الاستثناء عقب كل جملة تلزمه الركاكة في الاستعمال، والركاكة قبح يتخلص منه كلام العرب، ولأن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليست جملة أولى من أختها فوجب اشتراكهم في عود الاستثناء إلى الجميع(١٧).

ويتفرع عن هذه المسألة اختلافهم في قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة من مقتضى آية القذف الواردة في نص المصنف فهل تقبل ؟ مع ما نقل من اتفاقهم على أن المحدود في القذف إن تاب لم يسقط عنه الحد(١٨)، وزال عنه الفسق، ولكنهم اختلفوا في قبول شهادته، وما عليه الجمهور قبولها(١٩)، لرجوع الاستثناء إلى الجميع، والحنفية تخصه بالأخيرة، ويبقى قوله تعالى: "ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا" [النور: 4] على عمومه(٢٠).

ومما يتفرع عنها أيضا اختلافهم في اشتراط الإذن في الإمامة في الصلاة في قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يَؤُمَنَّ الرّجُلُ الرّجلَ في سلطانه، ولا يَقْعُدُ في بيته على تَكْرِمَتِهِ إلا بإذنه"(٢١)، ورجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة متفق عليه، فلا يجوز له الجلوس على تكرمته إلا بإذنه، ومن رأى رجوع الاستثناء إلى الجميع قال: باشتراط الاستئذان في الإمامة بالصلاة، ومن رأى رجوعه إلى الجملة الأخيرة لم يشترط الإذن(٢٢).




باب حكم المطلق والمقيد وما يتصل بالخاص والعام



* قال المصنف -رحمه الله- في ص 215: "التقييد يقع بثلاثة أشياء: الغاية، والشرط، والصفة".

[م] لم يتعرض المصنف للمطلق والمقيد بالتعريف اكتفاءا بما هو وارد في كتابه "الحدود" حيث عرف فيه المطلق بأنه: " اللفظ الواقع على صفات لم يقيد ببعضها"(٢٣)، وعرف المقيد بأنه: "اللفظ الواقع على صفات قد قيد ببعضها(٢٤)، ولا يخفى أن هذا التعريف لا يمنع دخول ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد، وأسماء الأعلام، والعام المستغرق، والمشترك، والأولى تعريفه في الاصطلاح بأنه: "هو اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه" فيخرج من "المتناول لواحد" اللفظ غير المفيد وألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد، ويخرج من "لا بعينه" أسماء الأعلام، وما مدلوله واحد، والعام المستغرق، ويخرج من " باعتبار حقيقة شاملة لجنسه" المشترك، والواجب المخير، فإن كلا منهما يتناول واحدا لا بعينه باعتبار حقائق مختلفة، ومثاله: "اعتق رقبة" فإن هذا الأمر تناول واحدا من الرقاب غير معين، ومدلوله شائع في جنسه،
وأما المقيد فهو: "المتناول لمعين أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه"، ومثاله: "اعتق رقبة مؤمنة" فهذا المثال دال على غير المعين لكنه موصوف بوصف زائد على مدلوله المطلق، وقد يتناول اللفظ معينا أو دالا على مدلول معين، مثل: "أكرم زيدا".

هذا، ومحل الإطلاق والتقييد الأمر، مثل أن يقول: "أكرم طالبا" أو المصدر كقوله تعالى: " فتحرير رقبة" [المجادلة: 3]، وجدير بالتنبيه أن الإطلاق لا يكون في النهي والنفي، فهذا إنما يدل على باب العموم، كما لا يحصل الإطلاق في الخبر المتعلق بالماضي، كقولك "أكرمت طالبا" لتعينه بضرورة إسناد الإكرام إلى الطالب، وإنما يكون في الخبر المتعلق بالمستقبل كقولك: "سأكرم طالبا" ولك أن تقيده بالنجابة والتفوق.

والمصنف في هذا الباب اقتصر على ذكر المقيدات المتصلة(٢٥) ولم يعرج على المقيدات المنفصلة، والمعلوم أن كل مخصصات العموم المتصلة والمنفصلة تصدق على المطلق والمقيد، فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، وتقييد السنة بالكتاب، والكتاب بالسنة، وتقييد المطلق بالإجماع، والقياس، والمفهوم، والغاية، والشرط، والسبب.





* قال المصنف -رحمه الله- في ص 216: "...فإن كانا من جنسين، فالمشهور من قول العلماء أنه لا يحمل المطلق على المقيد، لأن تقييد الشهادة بالعدالة لا يقتضي تقييد رقبة العتق بالإيمان".

[م] إذا كان المطلق والمقيد من جنسين فلا يحمل المطلق على المقيد اتفاقا، لأنه لا يوجد مناسبة بينهما، ولا يعلق أحدهما بالآخر أصلا، فمتعلق حكم المطلق مغاير لمتعلق حكم المقيد على نحو ما مثل به المصنف من عدم اقتضاء تقييد الشهادة بالعدالة تقييد الرقبة بالإيمان لانعدام المناسبة بينهما.

هذا ويجدر التنبيه إلى أن صورة حمل المطلق على المقيد أن يكون المطلق في كلام مستقل ويأتي المقيد في كلام آخر مستقل، وليس من قبيل هذه المسألة اجتماع المطلق والمقيد في كلام واحد إذ لا نزاع في هذه الصورة.




* قال المصنف -رحمه الله- في ص 217: " فإن تعلقا بسببين مختلفين نحو أن يقيد الرقبة في القتل بالإيمان، ويطلقها في الظهار، فإنه لا يحمل المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا إلا بدليل يقتضي ذلك، وقال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي: يحمل المطلق على المقيد من جهة وضع اللغة".

[م] المثال الذي أورده المصنف يظهر في اتحاد الحكم مع اختلاف السبب في قوله تعالى: "والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا" [المجادلة: 3] فالرقبة وردت مطلقة عن تقييد، وفي قوله تعالى: ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة" [النساء: 92] فالرقبة وردت مقيدة بالإيمان، فالحكم في الصورتين واحد وهو تحرير رقبة، والسبب مختلف، فالسبب في الأولى الظهار وفي الثانية قتل الخطأ.

ونقل عن الشافعي رحمه الله حمل المطلق على المقيد في هذه المسألة لكن أصحابه يختلفون في تأويله، فمنهم من يرى أنه يحمل على ذلك من غير ما حاجة إلى دليل آخر، لأن تقييد أحدهما يوجب تقيد الآخر لفظا، وجمهور أصحابه يرون حمله على ما إذا وجد بينهما علة جامعة تقتضي تقييده وبهذا قال أكثر المالكية كما صرح بذلك المصنف وهو أظهر الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو الصحيح خلافا لمن أثبته من جهة الوضع أو من يذهب إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد مطلقا وعليه أكثر الحنفية، لأن العموم إذا جاز تخصيصه بالقياس فيجوز تقييد المطلق بالقياس أيضا، والجامع صيانة القياس عن الإلغاء.

ولأن دلالة العام على أفراده لفظية، ودلالة المطلق على أفراده غير لفظية بل معنوية، وإذا كانت الدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية فمعنى ذلك أنه متى جاز تخصيص العام بالقياس فيجوز تقييد المطلق به من باب أولى(٢٦)، والخلاف في هذه المسألة معنوي، فعند من يحمل المطلق على المقيد سواء بالقياس أو من جهة الوضع اللغوي يوجب الإيمان في الرقبة المعتوقة بخلاف من يمنع حمل المطلق على المقيد فإنه في الظهار يعمل بالإطلاق الوارد فيه فتجوز الرقبة المؤمنة والكافرة، وفي القتل لا تجوز إلا المؤمنة عملا بالتقييد الوارد فيها.





* قال المصنف رحمه الله بعده في ص 221: "وأما إذا كانا متعلقين بسبب واحد مثل أن ترد الزكاة في موضع واحد مقيدة بالسوم، وترد في موضع آخر مطلقة فإنه لا يجب عند أكثر أصحابنا -أيضا- حمل المطلق على المقيد، ومن أصحابنا من أوجب ذلك، وهو من باب دليل الخطاب".

[م] إذا كان متعلق الحكم المطلق والمقيد واحدا والسبب واحدا، وكل منهما أمرا مثل المسألة التي أوردها المصنف، فالصحيح أنه يحمل المطلق على المقيد، لأن العمل بالمقيد عمل بالدليلين، والجمع بين الدليلين أولى من إهمال أحدهما وترك الآخر، أما إذا كان متعلقهما واحدا والسبب واحدا، وكل واحد منهما نهيا مثل أن يقول: "لا تعتق رقبة" ثم يقول: "لا تعتق رقبة كافرة" فهذه المسألة ترجع إلى حجية المفهوم، فمن رأى حجيته قال: يخصص به عموم النهي، ومن منع حجية المفهوم منع التخصيص واستبقى العموم، أما إذا كان متعلق المطلق والمقيد واحدا والسبب واحدا ويكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، فإن المقيد يوجب تقييد المطلق بضده سواء كان المطلق أمرا والآخر نهيا أو بالعكس مثل أن يكون المطلق نهيا كقوله: "لا تعتق رقبة" والمقيد أمرا كقوله: "اعتق رقبة مؤمنة" أو العكس أن يكون المطلق أمرا كقوله: " اعتق رقبة " والمقيد نهيا كقوله: " لا تعتق رقبة كافرة ".

فضابط حمل المطلق على المقيد يتجسد في الاتفاق في الحكم دون اختلافه مهما اتحد السبب أو اختلف، لأن في اتحاد الحكم قوة صلة بين الكلامين، ويزيد قوة وتقاربا إذا ما اتحد السبب فيهما، ومثال اتحاد الحكم مع اتحاد السبب قوله تعالى: "وذكر اسم ربه فصلى" [الأعلى: 15] أطلق فيه الذكر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وتحريمها التكبير"(٢٧) قيد الذكر بالتكبير، فالسبب في الصورتين واحد وهو إرادة الدخول في الصلاة، والحكم واحد وهو ما يفتتح به من الذكر، وقد تقدم تمثيل المصنف لاتحاد الحكم مع اختلاف السبب، أما مع اتحاد الحكم واختلاف السبب فالأحوط حمله عليه.

وأما إذا اختلف الحكم سواء كان المطلق والمقيد مثبتين أو منفيين أو مختلفين اتحد سببهما أو اختلف فلا يحمل المطلق على المقيد، وقد نقل الآمدي الإجماع على منع حمل المطلق على المقيد إذا اختلف الحكم والسبب مثل الإطلاق في آية السرقة فسببها السرقة والحكم القطع، وآية الوضوء فالحكم فيها طلب الغسل والسبب فيها إرادة الصلاة، ومثال في اتحاد السبب واختلاف الحكم: صيام شهرين متتابعين في الظهار قيدت بالتتابع، وإطعام ستين مسكينا وردت مطلقة فالحكم مختلف مع اتحاد السبب وهو الظهار(٢٨).

هذا، ويجدر التنبيه إلى وجوب اعتبار المقيَّد إذا كان قائمًا على دليلٍ صحيحٍ، ولا يُشترط مساواتُه في القُوَّة مع المطلق؛ لأنَّ المقيَّد بيانٌ للمطلق، ولا يُشترط في البيان أن يكون في درجة المبيَّن أو أقوى منه، وإنما يكفي أن يكون البيان صحيحًا، كما يجب اعتباره إذا خلا من قرينة أو دليلٍ يمنع حملَ المطلق عليه، كما يمتنع حملُ المطلق على المقيَّد إذا ورد قيدان متضادَّان واتحد السبب والحكم في الإطلاق وفي القيدين، فإنّ المطلق يبقى على إطلاقه، ويتساقط القيدان لعدم الأولوية بينهما في الإلحاق، مثل قولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا: إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»(٢٩- متفق عليه: أخرجه البخاري: (1/274)، مسلم: (3/182)، والنسائي: (1/52)، وابن ماجه: (1/130)، وأحمد في مسنده: (2/245، 260)، ومالك في «الموطأ»: (1/55)، والشافعي في «مسنده»: (7)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.)، وفي رواية مقيَّدة ﺑ: «أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ» وفي أخرى: «آخِرُهُنَّ بِالتُّرَابِ».


أمّا إذا اختلف السبب دون الحكم، وورد القيدان المتضدَّان على المطلق، وأمكن الترجيح، فإنَّ المطلق يحمل على أقوى القيدين وأرجحهما شبهًا، مثل إطلاق صوم كفَّارة اليمين في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89]، من غير اشتراط التتابع الثابت في صيام الظِّهار في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، ولا التفريق الثابت في صيام التمتّع في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، فإنه يحمل على قيد الظِّهار لكونه أقرب إلى اليمين من التمتع؛ ولأنّ كلاًّ منهما كفارة، فضلاً عن تأييد التتابع بالقراءة الشاذَّة لابن مسعود رضي الله عنه.


أمّا إذا تعذَّر الترجيح في حمل أحدهما على الآخر فإنه يبقى على إطلاقه، كإطلاق صوم قضاء رمضان في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184، 185]، عن تقييد صوم التتابع في الظهار والتفريق في صوم التمتع(٣٠- «الفتح المأمول» للمؤلف: (132 – 133)، وانظر «أضواء البيان» للشنقيطي: (6/545-548).).




"يتبع..."



--------------------------------------------------------------------------------

١- حديث صحيح مخرج على هامش "الإشارة": 206.

٢- أخرجه البخاري: 8/355 ومسلم: 17/79 من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

٣- أخرجه مسلم: 17/80 من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

٤- أخرجه البخاري: 8/407 ومسلم: 6/64 من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

٥- مذكرة الشنقيطي: 209، وانظر تفصيل المذاهب في مسألة العام المستقل على سبب خاص بسؤال أو بغيره وأدلتهم في المصادر المثبتة على الأصل ص: 208.

٦- من فروع هذه المسألة اختلافهم في الترتيب في الضوء بناء على قوله صلى الله عليه وسلم: "أبدأ بما بدأ الله به" [أنظر مفتاح الوصول للتلمساني: 39].

٧- صحيح مخرج على هامش "الإشارة" ص: 208.

٨- أنظر المصادر المثبتة على هامش "الإشارة" ص" 209.

٩- أنظر: المستصفى للغزالي: 2/169، إرشاد الفحول للشوكاني: 146.

١٠- أنظر مذاهب العلماء وأدلتهم في مسألة التخصيص بالاستثناء من غير الجنس في المصادر المثبتة على هامش كتاب "الإشارة": 211.

١١- تفسير القرطبي: 5/312- 313.

١٢- خزانة الأدب للبغدادي:(3/315).

١٣- أنظر: فواتح الرحموت للأنصاري: 1/316.

١٤- أنظر: التمهيد للإسنوي: 391.

١٥- فواتح الرحموت للأنصاري: 1/316.

١٦- أنظر: مفتاح الوصول للشريف التلمساني: 532 بتحقيقي والمصادر المثبتة على هامشه.

١٧- أنظر مذاهب العلماء في هذه المسألة وأدلتهم على هامش "الإشارة ": 214.

١٨- قال البعلي في القواعد والفوائد الأصولية (260): " ودعوى الإجماع لا تصح، فإن ابن الجوزي جزم بعوده إلى الجلد، وأنه قول أحمد، وجزم به صاحب المغني أيضا في أول مسألة شهادة القاذف، لما بحث مع الحنفية المسألة، وأنهم قالوا: الاستثناء لا يعود إلى الجلد ومنعهم، وقال: بل يعود إليه أيضا، قال البعلي: يؤيد أن حد القاذف يسقط بالتوبة، لو قذف شخص شخصا لا يجب عليه إعلامه والتحلل منه، وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد -حتى إنه يحرم عليه إعلامه بذلك، ذكره القاضي أبو يعلى، والشيخ عبد القادر- يقبل هاهنا: لا ينبغي أن يعلمه ".

١٩- أنظر: الأحكام لابن العربي: 3/1337، بداية المجتهد لابن رشد: 2/462، المغني لابن قدامة: 9/197، القوانين الفقهية لابن جزي: 296، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 12/179.

٢٠- أنظر: مفتاح الوصول للتلمساني: 533.

٢١- أخرجه مسلم: 5/173، وأحمد في مسنده: 5/272، وأبو داود: 1/390، والنسائي: 2/76، والترمذي: 1/58، وابن ماجه: 1/313 من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.

٢٢- أنظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري: 2/32، وحاشية السندي: 2/76، المهذب للنملة: 4/1698.

٢٣- الحدود للباجي: 47.

٢٤- المصدر نفسه: 48.

٢٥- أنظر المخصصات المتصلة على هامش كتاب "الإشارة": 216.

٢٦- أنظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش "الإشارة": 218.

٢٧- هو جزء من حديث أخرجه أحمد: 1/123، 129. وابن أبي شيبة في "المصنف": 1/129، والدارمي / 1/175، وأبو داود: 1/49، وابن ماجة: 1/101، والترمذي: 1/9، والبيهقي: 2/173، 379، والبغوي في "شرح السنة": 3/17 من حديث علي رضي الله عنه مرفوعا، وأول الحديث ومنتهاه بلفظ: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " والحديث حسنه البغوي وصححه الألباني بمجموع الشواهد (أنظر: المجموع للنووي: 3/389 ونصب الراية للزيلعي: 1/308. والدراية لابن حجر: 1/126، وصحيح الجامع الصغير للألباني: 5/211).

٢٨- أنظر: الفتح المأمول للمؤلف: 136- 138.

٢٩- متفق عليه: أخرجه البخاري: (1/274)، مسلم: (3/182)، والنسائي: (1/52)، وابن ماجه: (1/130)، وأحمد في مسنده: (2/245، 260)، ومالك في «الموطأ»: (1/55)، والشافعي في «مسنده»: (7)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٣٠- «الفتح المأمول» للمؤلف: (132 – 133)، وانظر «أضواء البيان» للشنقيطي: (6/545-548).

من موقع الشيخ الرسمي
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2009, 04:51 PM   #6
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"




بـاب بيان حكم المجمل



• قال المصنِّف -رحمه الله- في (ص 220): «.. وَجُمْلَتُهُ أَنَّ المُجْمَلَ مَا لاَ يُفْهَمُ المُرَادُ بِهِ مِنْ لَفْظِهِ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى البَيَانِ إِلَى غَيْرِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، فَلاَ يُفْهَمُ المُرَادُ ﺑِ: «الحَقِّ» مِنْ نَفْسِ اللَّفْظِ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ بَيَانٍ يَكْشِفُ عَنْ جِنْسِ الحَقِّ وَقَدْرِهِ، فَإِذَا وَرَدَ مِثْلُ هَذَا وَجَبَ اعْتِقَادُ وُجُوبِهِ إِلَى أَنْ يَرِدَ بَيَانُهُ فَيَجِبُ امْتِثَالُهُ».

[م] تعريف المصنِّف للمجمَل بهذا المفهوم إنما هو تعريف له عند السلف وهو «الَّذِي لاَ يَكْفِي وَحْدَهُ فِي العَمَلِ»، مثلُ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]، فإنّ الصدقةَ المطهِّرةَ والمزكِّيةَ لهم التي أمروا بها تحتاج إلى بيان، ومثلُ هذا لا يعرف إلاّ ببيان الرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم(١- «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي: (1/75)).

أمَّا في اصطلاح الأصوليِّين فالمجمل -كما تقدَّم- هو: «ما له دلالة على معيّنين فأكثر لا مزيةَ لأحدهما على الآخر»، وحكم المجمل التوقُّف فيه حتى يتبيَّن المراد منه، أي أنه لا يجوز العمل بأحد احتمالاته حتى يأتي دليل منفصل خرجي عنه يدلّ على المراد منه؛ ذلك لأنَّ المعنى لم يتعيّن المراد منه بنفسه لتردّده بين مُعيَّنَيْنِ فأكثر فاحتاج إلى المبيَّن.

وقول المصنّف في آية زكاة الزروع بأنه لا يفهم المراد ﺑ: «الحق» من نفس اللفظ ولا بد له من بيانٍ يكشف عن جنس الحقّ وقدره، فلا يستقيم مع ما بيّنه أهلُ التحقيق من أنَّ اللفظ قد يكون واضح الدلالة من وجه، مجملاً من وجه آخر، فإنّ إيتاء الحقّ واضح الدلالة، وهو الزكاة المفروضة إلاّ أنه مجمل في مقداره لاحتماله النصف أو أقلّ أو أكثر كما بيَّنه صاحب «أضواء البيان»(٢- انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي: (1/32)).



• وفي نفس الصفحة قال المصنِّف -رحمه الله-: «…قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43، 110]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 187]، ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: 97]، ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]… وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزَمِنْدَادٍ: «كُلُّهَا عَامَّةٌ، فَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى عُمُومِهَا إِلاَّ مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ»، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي».

[م] يرجع القول بالإجمال في الصلاة والزكاة والصيام والحجّ وغيرها إلى الاختلاف الحاصل في هذه الأسماء، هل هي منقولة من اللغة إلى الشرع لكونها محتاجة إلى بيان المعنى الجديد المنقولة إليه، أم أنها غير منقولة، وإنما ورد الشرع بشروط وأحكام مضافة إلى الوضع اللغوي؟(٣- انظر: «التبصرة» للشيرازي: (195)، «شرح اللمع» للشيرازي: (1/464)، «المنخول» للغزالي: (73)، «الإحكام» للآمدي: (2/176)، «التمهيد» للإسنوي: (228)) والقول بالإجمال مبني على أنها غير منقولة كما سيأتي تفصيله في باب بيان الأسماء العرفية اللاحق.


ونوع الخلاف فيه معنويٌّ، فمن يرى أنه لا إجمال فيه قال بجواز العمل بما يقتضيه النصّ من غير توقّف، أمّا من رأى أنّ فيه إجمالاً فإنه لا يجيز العمل به إلاّ إذا عيَّنت قرينة أو دليل أحد المحتملين.




بـاب بيان الأسماء العرفية



فـصل


[في أقسام الحقيقة]



• قال المصنِّف -رحمه الله- في (ص 223) عند تعرُّضه لأقسام الحقيقة: «عُرْفُ الاسْتِعْمَالِ يَكُونُ مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: اللُّغَةُ، نَحْوُ قَوْلِنَا: «دَابَّةٌ»، وَالثَّانِي: عُرْفُ الشَّرِيعَةِ، نَحْوُ قَوْلِنَا: «صَلاَةٌ»، وَ«صَوْمٌ»، وَ«حَجٌّ»، وَالثَّالِثُ: عُرْفُ الصِّنَاعَةِ كَتَسْمِيَةِ أَهْلِ الكِتَابَةِ الدِّيوَانَ زِمَامًا… فَإِذَا وَرَدَ شَيْءٌ مِنَ الأَلْفَاظِ العُرْفِيَّةِ وَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى مَا عُرِفَ بِالاسْتِعْمَالِ فِيهِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وَرَدَتْ مِنْهَا».

[م] قسم المصنِّف الحقيقة إلى ثلاثة أقسام، وابتدأ بالقسم الأول المتمثِّل في الحقيقة اللغوية الوضعية أي الثابتة بالوضع اللغوي، بمعنى أن يضع الواضع لفظًا لمعنى يفهم عند الإطلاق ذلك المعنى الموضوع له، فيكون حقيقة فيه لتبادره إلى الذهن وسابقيته إليه من الحقيقة العرفية والشرعية، مثل لفظ «أسد» فإنه يسبق إلى الذهن المعنى الموضوع له وهو الحيوان المفترس، فإن استعمل في غير ما وضع له لعلاقة بقرينة فهو المجاز، مثل إطلاق لفظ «أسد» على الرجل الشجاع، فإن كان اللفظ محتملاً لحقيقته ومجازه فإنه راجح في الحقيقة لأصالتها(٤- انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني: (471)، والمصادر المثبتة على هامشه)،

ومن هذا التصوّر يُعلم أنّ الألفاظ تنقسم إلى أربعة أقسام، وهي: حقيقة لغوية وضعية، وحقيقة شرعية، وحقيقة عرفية، ومجاز.

ودليل حصرها في أربعة أقسام يظهر في أنّ اللفظ إمّا أن يبقى على أصل وضعه فهذه هي الحقيقة الوضعية، أو يغَيَّر عنه، ولا بدّ أن يكون هذا التغيير من قِبَلِ الشرع أو من قبل عرف الاستعمال، أو من قبل استعمال اللفظ في غير موضعه لعلاقة بقرينة. فإن كان تغييره من قِبَلِ الشرع فهو الحقيقة الشرعية، وإن كان من قِبَل عُرف الاستعمال فهو الحقيقة العرفية، وإن كان من قِبَل استعمال اللفظ في غير موضعه لدلالة القرينة فهو المجاز(٥- انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة: (2/8)، و«شرح مختصر الروضة» للطوفي: (1/484)، و«مذكرة الشنقيطي»: (175)).

أمّا القسم الثاني فهو لعُرف الشريعة أو ما يسمى بالحقيقة الشرعية وهي: اللفظ المستعمل في الشرع على غير ما كان مستعملاً في الوضع كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فإنها تطلق ويراد بها تلك العبادات المعروفة مع أنّ لهذه الألفاظ معاني أخرى في أصل وضعها اللغوي، فالصلاة في اللغة: الدعاء، والزكاة: النماء، والصوم: الإمساك، والحج: القصد، فهي ألفاظ نقلها الشارع عن مسمياتها ومعانيها اللغوية إلى معان أُخر بينهم مناسبة معتبرة، فصارت حقائق شرعية بعدما كانت لغوية، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، خلافًا لمن يرى أنها معان مبتكرة شرعًا، يجوز أن يلاحظ فيها المعنى اللغوي، فإن وجد فهو اتفاقي وليس مقصودًا، وهو مذهب المعتزلة والخوارج، وبعض الأحناف كالدبوسي والبزدوي، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب، وذهب الباقلاني وكثير من الأشاعرة إلى أنّ الألفاظ اللغوية لم ينقل الشارع منها شيئًا، بل الاسم باقٍ على ما هو عليه في اللغة لكن الشرع ضمّ إليه أفعالاً، واشترط له شروطًا(٦- انظر تفصيل هذه المسألة في المصادر المثبتة على هامش «الإشارة»: (224)).

والظاهر من هذه الأقوال أنّ القول بنقل الألفاظ اللغوية مع الإعراض عن موضوعاتها اللغوية إلى الشرع أسهل من حصوله بتبقية الموضوعات اللغوية مع زيادة الشروط الشرعية، ويؤيّد ذلك الاستقراء والتتبع للألفاظ الشرعية التي استعملها الشارع فقد استعملها في معان لها علاقة بمعناها اللغوي، وليس نقلاً كليًّا للفظ، وإنما لوجود مناسبة بينهما، كما يؤكّد ذلك القياس على فعل أهل اللغة في الألفاظ العرفية –كما سيأتي- كلفظ «الدابة» حيث خصَّصوه في ذوات الأربع مع أنه يُطلق لغة على ما يدبُّ على الأرض والعِلَّة الجامعة وجود علاقة معتبرةٍ بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي والعرفي.

هذا، وفي كلِّ الأحوال أنّه إذا حصل الاتفاق على وجوب الرجوع إلى بيان الشارع لهذه الأسماء وتفسيره لها فإنَّ بيانه للألفاظ وتفسيره لها مقدَّم على أي بيانٍ وتفسير، ولا يلتفت إلى كونه منقولاً عن اللغة أو مزيدًا فيه، فالمطلوب معرفة ما أراده الله ورسوله بهذا الاسم، فإن عرف بتعريف الشارع له كيف ما كان الأمر فإنّ ذلك هو مراده.

قال ابن تيمية -رحمه الله-:
«فالنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد بيَّن المرادَ من هذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسمَّيات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله فإنه شافٍ كافٍ»(٧- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (7/287))،
وقال -أيضًا-:
«والاسم إذا بيَّن النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم حدَّ مسمَّاه لم يلزم أن يكون قد نقله عن اللغة أو زاد فيه، بل المقصود أنه عرف مراده بتعريفه هو صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كيف ما كان الأمر، فإنّ هذا هو المقصود، وهذا كاسم الخمر فإنه قد بيّن أن كلّ مسكر خمر، فعرف المراد بالقرآن، سواء كانت العرب قبل ذلك تطلق لفظ الخمر على كلّ مسكر أو تخصّ به عصير العنب لا يحتاج إلى ذلك، إذ المطلوب معرفة ما أراد الله ورسوله بهذا الاسم، وهذا قد عرف ببيان الرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم»(٨- المصدر نفسه: (19/236). وبيانه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في قوله: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». رواه مسلم في «الأشربة» (13/172) باب بيان أنّ كلّ مسكر خمر، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما).


هذا، وتقديم بيان الشرع على كلِّ بيانٍ يلزم منه معرفةُ حدود ألفاظ الشرع والوقوف عندها من غير مجازوة لمعناها، بحيث يدخل فيها ما ليس منها أو يخرج ما هو منها(٩- انظر: «أعلام الموقعين» لابن القيم: (1/266))، هذا -أولاً-،

وأن يراعى -ثانيًّا- مراد المتكلم ومقصده، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريقٍ وجب المصير إلى العمل بمقتضاه؛ لأنّ الألفاظ لم تقصد بذواتها، وإنما هي أدلة يستدلُّ بها على مراد المتكلِّم، وقد يستدلُّ على إرادة الشيء بإرادة نظيره ومثله وشبهه، وذلك قدر زائد على مجرَّد اللفظ(١٠- انظر المصدر السابق: (1/219، 255))،

وأن يراعى -ثالثًا- سياق الألفاظ وسباقها مع النظر إلى قرائن الكلام والأحوال عند بيان تلك الألفاظ من عموم وخصوصٍ ومُطلق ومقيَّد واقتران وتجريد، وبين الألفاظ التي تكون عامة عند الإطلاق، والتي ليست بعامة على الإطلاق(١١- انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (7/162، 31/117 وما بعدها))،

كما يلزمه -رابعًا- في مراعاة ألفاظ الشارع حملها على اللغة والعرف والعادة السائدة في عصره صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وقت نزول الخطاب، وعليه فلا يصحُّ أن تحمل هذه الألفاظ على عاداتٍ وأعرافٍ وقعَتْ في غيرِ زمن النُّبوَّة أو على اصطلاحاتٍ وَضَعَهَا أهلُ الفنون بعد عصر التَّنْزيل، وضمن هذا المنظور يقول ابنُ تيمية: «ولا يجوز أن يحمل كلامه [أي: النبيّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم] على عاداتٍ حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه، كما يفعله كثير من الناس، وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه»(١٢- المصدر السابق: (7/115))، وجاء عنه -أيضًا-: «فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله لا بما حدث بعد ذلك»(١٣- المصدر السابق: (7/106)).


ومن آثار هذا الاختلاف السابق أنّ من يرى أنَّ الأسماء المنقولةَ من اللغة إلى الشرع يقرّر أنَّ الألفاظ تحمل على الحقيقة الشرعية دون اللغوية إلاّ بدليلٍ أو قرينة؛ لأنّ عرف الشرع يجري على بيان الأحكام الشرعية دون الحقائق اللغوية، أمّا على من قال بأنّ تلك الأسماء باقية على دلالتها اللغوية ولكن زاد عليها الشارع بعض الشروط والقيود؛ فإنّ تلك الأسماءَ تحمل على المعنى اللغوي، ولا يجوز العدول عنها إلى الشرعية إلاّ بقرينة، وتفرّع عن ذلك أن ذهب البعض إلى أنَّ تلك الأسماء تبقى مجملة حتى يأتي البيان، ويرى الغزالي أنّ ما ورد في الإثبات فهو للحكم الشرعي وما ورد في النفي فهو مجمل، واختار الآمدي ظهوره في المسمى الشرعي في طرف الإثبات، وظهوره في المسمى اللغوي في طرف الترك.

والصحيح كما تقدّم حمل ألفاظ الكتاب والسُّنَّة على المعاني الشرعية دون اللغوية؛ لأنّ العادة في كلّ متكلّم أن يحمل لفظه على عرفه، والصلاة والزكاة والصوم والحج تحمل على مراد الشرع ومقصوده؛ لأنّ عرف الشرع يجري على بيان الأحكام الشرعية؛ والنبيّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بعث للتعريف بها لا لتعريف الألقاب اللغوية؛


ومن بين المسائل التي اختلفوا فيها بناءً على هذا الأصل ما يأتي:

1 – قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»(١٤- أخرجه أحمد في «مسنده»: (6/86)، مسلم: (4/44)، وابن ماجه: (1/164)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/62)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه –أيضًا- أحمد في «مسنده»: (2/529)، ومسلم: (4/43)، والنسائي: (1/105)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/63)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)، فهل المقصود منه الوضوء الشرعي أو اللغوي؟ فذهب بعضهم إلى أن المراد به الوضوء الشرعي، ويرى آخرون بأنه الوضوء اللغوي، ورأى فريق ثالث أنه مجمل لتردّده بين محتملين فلا يحمل على أحدهما إلاَّ بقرينة»(١٥- انظر «مفتاح الوصول» للتلمساني: (469)).

2 – قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلاَةٌ»(١٦- أخرجه الدارمي في «سننه»: (2/44)، والترمذي: (3/293)، وابن الجارود في «المنتقى»: (186)، وابن خزيمة في «صحيحه»: (4/222)، وابن عدي في «الكامل»: (5/2001)، والحاكم في «المستدرك»: (1/459، 2/267)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (5/85)، من طرق عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما بزيادة: «إِلاَّ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ لَكُمْ فِيهِ النُّطْقَ، فَمَنْ نَطَقَ فَلاَ يَنْطِقْ إِلاَّ بِخَيْرٍ». وأخرج أحمد في «مسنده»: (3/414، 4/64، 5/377)، والنسائي: (5/222)، من طرق عن جريج أخبرني مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «إِنَّمَا الطَّوَافُ صَلاَةٌ، فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الكَلاَمَ»، قال الحافظ في «التلخيص الحبير»: (1/130): «هذه الرواية صحيحة، وهي تعضّد رواية عطاء بن السائب وترجح الرواية المرفوعة». [انظر تخريج الحديث في «تحفة الطالب» لابن كثير: (324)، «المعتبر» للزركشي: (179)، «إرواء الغليل» للألباني: (1/154). «طريق الرشد» لبعد اللطيف: (240)] )، فهل الطواف كالصلاة حكمًا في افتقاره إلى الطهارة فيكون المراد بالصلاة الصلاة الشرعية، أو أنّ الطواف يشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة(١٧- انظر «مفتاح الوصول» للتلمساني: (468)).

3 – هل النكاح في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾[النساء: 22]، يراد به المعنى الشرعي وهو العقد، أو المعنى الغوي وهو الوطء، أو هو مجمل(١٨- انظر المصدر السابق: (517))؟

من هذا القبيل –أيضًا- قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ»(١٩- تقدم تخريجه)، هل يراد بالنكاح العقد الذي هو الحقيقة الشرعية، أو الوطء الذي هو المعنى اللغوي، أم هو مجمل(٢٠- المصدر السابق: (475))؟


أمّا القسم الثالث فهو للحقيقة العرفية وهي على قسمين:

- حقيقة عرفية عامَّة: وهي اللفظ الذي وضع لغة لمعنى، ولكن استعمله أهل العرف العامّ في غير ذلك المعنى، وشاع عندهم استعماله، مثل لفظ «الدابة» فهو اسم موضوع لكلّ ما يَدِبُّ على وجه الأرض، من إنسان وحيوان، ثمّ غلب عليه عرف الاستعمال في نوع من الحيوان دون غيره، وهو لكل ما له حافر كالفرس والبغل والحمار. ومثاله -أيضًا-: لفظ «غائط» فإنه يطلق في اللغة على المطمئنّ والمنخفض من الأرض، ثمّ استعمل عرفًا في الخارج المستقذر من الإنسان، فصار هذا الاستعمال العرفي هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، ونسي الاستعمال الوضعي. ومثاله كذلك اسم «الفقيه» فإنه يطلق لغة على من يفقه كلام الآخر ويفهمه، نحو قال تعالى: ﴿فَمَا لِهَؤُلاء القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء 78]، ثمّ خصّص العرف هذا الاسم بالعالم بالأحكام الشرعية العملية.

-حقيقة عرفية خاصة: وهي اللفظ الذي وضع لغة لمعنى، واستعمله أهل العرف الخاصّ في غيره وشاع عندهم فيه، كالرفع والنصب والجرّ عند النحاة، والنقض والقلب من قوادح القياس عند الأصوليين، وهو ما أشار إليه المصنف فيما عرف عند أهل الصناعة وما اصطلح عليه أرباب كلّ فنّ(٢١- انظر المصادر المثبتة على هامش كتاب «الإشارة»: (224)).

هذا، وتجدر الإشارة إلى أنّ اللفظ إنما يحمل على المعنى العرفي إجماعًا إذا ما أميتت الحقيقة اللغوية كلية وأصبحت كالمتروكة، كمن حلف أن يأكل من هذه الشجرة، فإنّ مقتضى الحقيقة العرفية أنه يأكل من ثمرتها لا من جذعها كما هو مقتضى الحقيقة اللغوية، وهي مماتة بالكلية في هذا المثال، إذ لا يقصد عاقل الأكل من جذع الشجرة إطلاقًا، لذلك كان المصير إلى الحقيقة العرفية واجبًا حتميًّا، أمّا إذا لم تتناسَ اللغوية بالكلية وجب تقديمها على العرفية(٢٢- انظر «أضواء البيان» للشنقيطي: (7/268-275))، وفي حالة التعارض يحمل اللفظ على حقيقته الشرعية، فإن لم تكن فعلى حقيقته العرفية وإلاّ فعلى حقيقته اللغوية ما لم يرد دليل أو قرينة صارفة عن ذلك المعنى إلى غيره كما هو عليه مذهب الجمهور(٢٣- «مذكرة الشنقيطي»: (175)).
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2009, 04:52 PM   #7
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"


بـاب أحكام أفـعال
النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم




• قال المصنِّف -رحمه الله- في (ص 225): «السُّنَّةُ الوَارِدَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ: أَقْوَالٌ، وَأَفْعَالٌ، وَإِقْرَارٌ».

[م] المراد بالسُّنَّة عند الأصوليِّين هو: «ما ثبت عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم غير القرآن الكريم من قول أو فعل أو تقرير ممَّا يخصُّ الأحكامَ الشرعيةَ»، بخلاف ما هو جارٍ عند المحدِّثين إذ لم يقصروا السُّنَّةَ على إفادة الحُكم الشرعيِّ فَحَسْب، بل توسَّعوا في الإطلاق،

فالسُّـنَّة عند المحدِّثين هي: «كُلُّ مَا أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ أَوْ صِفَةٍ خُلُقِيَّةٍ أَوْ خَلْقِيَّةٍ أَوْ سِيرَةٍ»،

بينما مرادُ السُّنَّة عند الفقهاء هي: «كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ العِبَادَاتِ»، أي: تُطلق السُّنَّةُ عندهم فيما يقابل الواجب.

ومنشأ الخلاف يكمن في الجانب المراد العناية به، فالأصوليون نظروا إلى جانب الأدلة الإجمالية للأحكام الفقهية، وغرضهم إثباتها وبيانها،
أمَّا الفقهاءُ فنظروا إلى جانب الأحكام التفصيلية، واهتمُّوا بإثبات الأحكام الفرعية الخاصَّة بالمكلَّف،
أمَّا المحدِّثون فلم يقصروا نظرهم على الحكم الشرعي من حيث إثباتُه، ولكن تعدَّوه إلى كلِّ ما يَتَّصلُ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بيانًا ونقلاً؛ فالسُّنَّة عند المحدِّثين أعمُّ منها من عند الأصوليِّين لاشتراطهم الثبوت بقولهم: «ما ثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من وق لا, فعل أو تقرير»، بينما يكتفي المحدِّثون بالإضافة والأثر في قولهم: «ما أُضيف إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم» فيدخل الضعيف وغيرُه.

وحريٌّ بالتنبيه إلى أنَّ السُّنَّة تطلق عند السَّلف وأهلِ الكلام على ما يقابل البدعةَ، كما تطلق السُّنَّة -أيضًا- على ما عمل عليه الصحابة رضي الله عنهم، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي»(٢٤- أخرجه أبو داود: (5/13)، والترمذي: (5/44)، وأحمد: (4/126)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، والحديث صحّحه الألباني في «صحيح الجامع الصغير»: (2/346))، لكن إذا أُطلقت السنة فالمتبادر إلى الذهن سنة النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم(٢٥- «الفتح المأمول»: (72)).


هذا، والمراد بالأقوال:
كُلُّ ما تَلَفَّظَ به النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ممَّا يتعلَّق بالتشريع، وهو يشمل الكتابةَ -أيضًا- مثلُ أمرِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عليًّا بالكتابة يوم الحديبية، على أنَّ تقيدَ أقوالِهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بعبارة «غير القرآن» لإخراجه من جنس ما صدر عنه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وثبت؛ لأنَّ كلام الله تعالى تلاه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم على جماعة تقوم الحُجَّة بقولهم، وهذا كلُّه إنما يكون بعد البعثة؛ لأنَّ ما ثبت وصدر عنه قبل البعثة لا يسمى سُنَّةً؛ لأنه في تلك الفترة لم يكن نبيًّا ولا رسولاً، كما يخرج منه ما صدر عن الأنبياء والرسل قبله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، لإضافة السُّنَّة إليه، ويخرج -أيضًا- الحديث المردود فلا يُسمَّى سُنَّةً لعدم ثبوته عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم.


وقوله: «وأفعال»، أي:
ما فعله النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ممَّا يتعلَّق بتشريع الأحكام، كصلاته وحَجِّه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فعلاً وتركًا؛ لأنّ الكَفَّ فِعْلٌ على الراجح، والترك سنة إذا وجد المقتضي وانتفى المانع ولم يفعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وتدخلُ الإشارةُ في الفعل كإشارته بأنَّ: «الشهر يكون هكذا وهكذا»(٢٦- أخرجه البخاري: (4126)، ومسلم/ (7/192)، والبغوي في «شرح السنّة»: (6/228). من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما)، كما يدخل فيه الهمُّ، وهو ما همَّ بفعله ولم يفعله، إذ لا يهمُّ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إلاَّ في مطلوب شرعي على وجه الحقِّ؛ لأنه مبعوث لبيان الأمور الشرعية، كهمِّه في جعل أسفل الرداء أعلاه في الاستسقاء، فثَقُل عليه فتركه، والشافعية يجعلون «الهمّ» قِسمًا رابعًا إضافة إلى الأقسام الثلاثة المذكورة في نصِّ المصنِّف(٢٧- انظر: «حاشية البناني على جمع الجوامع»: (2/94)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (2/166)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (41)).


هذا، ويدخل –أيضًا- في الفعل سائر أفعاله القلبية كالاعتقادات والإرادات، فهذه من حيث الحقيقةُ ليست أفعالاً، ولكنها معدودةً من الأفعال لاتصالها بها كالنيات(٢٨- «الفتح المأمول»: (73))



• وقوله -رحمه الله- في الصفحة نفسها:

«وَالكَلاَمُ هَا هُنَا فِي الأَفْعَالِ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يَفْعَلُهُ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ المُجْمَلِ فِي الوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوِ الإِبَاحَةِِ.

وَالثَّانِي: مَا يَفْعَلُهُ ابْتِدَاءً، وَذَلِكَ -أَيْضًا- عَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِيهِ قُرْبَةٌ، نَحْوُ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَصُومَ، فَهَذَا قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ
…».

[م] في القسم الأول من أفعاله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يظهر وجهُ التفصيل فيه كالتالي:

إن كان فعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لبيان مجملٍ أو لتقييد مُطلقٍ، فإنَّ هذا النصَّ التشريعيَّ يأخذ حُكْمَ النصِّ المبيَّن، فإن كان المبيَّن واجبًا فهو واجبٌ، وإن كان مندوبًا فهو مندوبٌ، فحكم فِعلِه تابعٌ لما بيَّنه؛ ذلك لأنَّ البيان لا يتعدَّى رتبة المبيَّن، فهو كالتفسير ينطبق مع المفسّر، كبيانه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، فإنه بيَّنها بقطع اليمين من الكَوْعِ، هذا من الكتاب، أمَّا من السُّنَّة فكبيانه بأفعاله لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «[color=#008000]صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»(٢٩- أخرجه البخاري في «الأذان»: (2/111) باب الأذان للمسافر، من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه)، وقولِه: «[/color]خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(٣٠- أخرجه مسلم في «الحج»: (9/44) باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر، والنسائي في «مناسك الحج»: (5/270) باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه) فأفعالُه تحمل على الوجوب ما يرد صارف عنه.

فإن لم يكن بيانًا لمجمَلٍ أو تقييدًا لمطلَقٍ، فإمَّا أن يُعلم فِعله بدليلٍ يرجّح الوجوب أو الندب أو لم يعلم، فإن علم فإنه يحمل على ما يرجِّحه الدليل، وإن لم يُعلم فِعله بدليل، فإنَّ ما عليه أهلُ التحقيق أنه إن قصد بذلك قُربةً فهو مندوبٌ؛ لأنَّ قصد ظهور القربة فيه يوضِّح رجحان فِعله على تركه، والزيادة منتفية بالأصل، وذلك هو معنى الندب، فإن لم يظهر منه قصد القربة ففعله محمولٌ على الإباحة؛ لأنّ صدورَهُ منه دليل على الإذن فيه، والزيادة على ذلك منتفية بالأصل، وذلك معنى الإباحة(٣١- «مفتاح الوصول» للتلمساني: (571) بتحقيقي، ط/1).

هذا، وقد رجَّح المصنِّف الوجوب فيما يفعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ابتداءً على وجه القربة، وهو ما حكاه ابن خويزمنداد عن مالك وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وبه قال بعض الشافعية كأبي سعيد الإصطخري وابن خيران وابن سريج وأبي إسحاق الإسفرائيني وغيرهم، واستدلَّ المصنِّف على وجوب فعله والتأسِّي به بالكتاب والإجماع، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]، وبقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63]، حيث حذر من مخالفة أمره، والتحذير دليل الوجوب، واسم «الأمر» يطلق على الفعل، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وغايته اشتراكه مع القول المخصوص فكان متناولاً للفعل، أمَّا الإجماع فلرجوع الصحابة رضي الله عنهم إلى قول عائشة رضي الله عنها في الغسل من غير إنزال، فقال: «فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَاغْتَسَلْنَا»(٣٢- أخرجه الشافعي في «الأم»: (1/39)، وأحمد في «مسنده»: (6/161)، والترمذي: (1/180-181)، وابن ماجه: (1/199) من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صحّحه ابن حبان وابن القطان، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح: (1/183)، وإسناده موقوف على عائشة رضي الله عنها. وللحديث أسانيد أخرى مرفوعة ثابتة. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي: (1/82)، «تلخيص الحبير» لابن حجر: (1/134)، «إرواء الغليل» للألباني: (1/121-122)] )، ولولا أنَّ فعله متَّبعٌ لما التزموه واجبًا.

وقد أُجيب عن استدلالات المصنِّف والقائلين بالوجوب بأنَّ قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ صريحٌ في اتباع شخصِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وهو غيرُ مقصود، لذلك كان ضروريًّا إضمار المتابعة في أقواله وأفعاله، و«الإضمار على خلاف الأصل»(٣٣- الأصل في اللفظ أن يكون مستقلاًّ بذاته لا يتوقف معناه على تقدير لذلك كان الإضمار على خلاف الأصل. [انظر: «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني: (482) والمصادر المثبتة على هامشه]) فتمتنع الزيادة فيه من غير حاجة، وأمكن وضع الحاجة بأحد الأمرين، والمتابعة في القول أولى من الفعل لكونه متفقًا عليه بخلاف الفعل فمختلف فيه(٣٤- انظر: «الإحكام» للآمدي: (1/135)). لذلك كانت أفعاله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم المبيِّنة لمجمَلٍ واجبٍ واجبةٌ؛ لأنّ حُكم فعله تابع لما بيَّنه بقوله.

أمّا الآية الثانية في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63]،فإنَّ اسمَ الأمر -وإن أطلق على الفعل والقول المخصوص- إلاَّ أنه مجمع على كونه حقيقة في القول المخصوص، ومختلف في الفعل، فكان حمله على المتفق عليه أولى، وتُؤيّد ذلك القرائن السياقية حيث تقدّم في الآية ذكر دعاء الرسول ودعاؤه إنما هو القول في قوله تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63]، فكان الأمر المذكور بعده عائدًا إلى قوله، مع إمكان عود الضمير في «أمره» إلى الله تعالى، إذ هو أقرب مذكور، حيث قال بعد ذكر الرسول: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: 63]، فكان عوده إليه أولى، فضلاً عن أن يكون القول بالتحذير عن مخالفة الفعل يستدعي وجوب ذلك الفعل لاستحالة التحذير من ترك ما ليس واجبًا، ووجوب الفعل إذا كان لا يعرف إلاَّ من التحذير كان دورًا.

أمّا الاحتجاج بالإجماع فغير مسلَّم أن وجوب الغسل من التقاء الختانين كان مستفادًا من فعل النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وإنما استُفيدَ وجوبُه من قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ»(٣٥- أخرجه الشافعي في «الأم»: (1/39)، وأحمد في «مسنده»: (6/161)، والترمذي: (1/180)، وابن ماجه: (1/19)، من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث صحّحه ابن حبان وابن القطان، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وإسناده موقوف على عائشة رضي الله عنها، وللحديث أسانيد أخرى مرفوعة ثابتة. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي: (1/82)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/134)، «إرواء الغليل» للألباني: (1/121)] )، وجاء سؤال عمر رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها ليعلم أنَّ فعل النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم هل وقع وموافقًا لأمره أو لا، قصد التأكُّد ليلتزمه طاعة(٣٦- انظر: «الإحكام» للآمدي: (1/137)).

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2009, 04:54 PM   #8
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"


فـصل



[ما يفعلُه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ابتداءً ولا قُربةَ فيه]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 230): «وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا لاَ قُرْبَةَ فِيهِ نَحْوُ: الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الإِبَاحَةِ».

[م] بهذا الحكم قطع الأكثرون، ونقل المصنِّف عن بعض المالكية أنه يدلُّ على الندب، وبه قال أكثر الأحناف، وذهب جمهور الشافعية إلى الوقف، واختاره الغزالي والرازي وصحَّحه أبو الخطَّاب من الحنابلة، وذكره عن الإمام أحمد وأيَّده شيخُ الإسلام ابن تيمية(٣٧- انظر: «المنخول» للغزالي: (226)، «المحصول» للرازي: (1/3/346)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (288)، و«أصول السرخسي: (2/86)، «المسودة» لآل تيمية: (71)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (2/178)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (35)).

فهذه الأفعال الصادرة عنه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم التي لم يُقصد بها التشريعُ والقربةُ لا يكون النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أسوةً فيها، فهي من العادات المعدودةِ من القِسْمِ المباحِ، غيرَ أنه لو تؤسِّيَ به لأُثيبَ عليه، وإن تركه لا رغبةً عنه ولا استكبارًا فلا بأسَ بذلك، فإن قام الدليلُ على أنَّ المقصودَ من فعله الاقتداءُ كان تشريعًا بذلك الدليل، وليس بمجرَّد صدوره منه، كالأكل باليد اليمنى أو ممَّا يلي الأكل الثابت من حديث عُمَرَ بن أبي سَلَمَةَ رضي الله عنه(٣٨- هو جزء من حديث عمر بن سلمة رضي الله عنه أنه كان يقول: «كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّ، كانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». والحديث متفق على صحّته، أخرجه أحمد في «مسنده»: (4/26-27)، وعبد الرزاق في «مصنّفه»: (10/415)، والبخاري: (9/521)، ومسلم: (13/192)، وابن ماجه: (2/1087)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (7/277))، فاتباعه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في كيفية ذلك وصفته حَسَنٌ لصفته لا لنفس الفعل، كابتداء التنعُّل باليمين، والمشيِ في نعلين، فإنَّ ذات الأكل والمشي وغيرهما من الأفعال الصادرة بمقتضى طبيعته الإنسانية فهي المباح وليست في ذاتها محلاًّ للتأسِّي، لكن إن فعلها كان مأمورًا بإيقاعها على صفة فعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وهو الوجه الذي يعدُّ قربة، وهو محلُّ أسوة.

أمَّا ما كان صادرًا منه بمقتضى الخِبرة البشرية المستفادة من التجارب الخاصَّة في الحياة كالزراعة والتجارة ووصف الدواء فلا تُعدُّ تشريعًا ولا حُجَّةً، ويدلُّ عليه حديثُ أنسٍ وعائشةَ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مرَّ على أهل المدينة وهم يؤبِّرون النخلَ فأشار إليهم بالترك، فتركوا ولم تحمل الأشجار، فشكوا إليه، فقال لهم: «أَبِّرُوا، أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ(٣٩- أخرجه مسلم: (15/116)، وابن ماجه: (2/725)، من حديث أنس وعائشة رضي الله عنهما)»(٤٠- «الفتح المأمول»: (154)).



فـصلٌ


[في إقراره صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 231): «وَأَمَّا الإِقْرَارُ بِأَنْ يُفْعَلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِعْلٌ وَلاَ يُنْكِرُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ؛ لأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لاَ يُقِّرُّ عَلَى المُنْكَرِ».

[م] تناول المصنِّفُ -في هذا الفصل- الإقرارَ على الفعل بحضرته صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وأهل العلم يفصِّلون في ذلك بين الإقرار على الأقوال والإقرار على الأفعال.

والإقرارُ على الأقوال على قسمين:

- إمَّا أن يتعلَّق بأمور الدِّين، فإقرارُه يدلُّ على صِحَّته، كاعتراف ماعزٍ بالزِّنَى أمامَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فقال أبو بكر رضي الله عنه: «إنَّكَ إن اعترفتَ الرابعةَ رَجَمَكَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم»، فسكت عنه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم(٤١- متفق عليه، أخرجه البخاري: (12/136)، ومسلم: (11/192)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)، فدلَّ ذلك على إصابته الحكم. وكقول العجلاني للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «الرجل يجد مع امرأته رجلاً، إن قتل قتلتموه، وإن تكلَّم جلدتموه، وإن سَكَتُّ سَكَتُّ عن غيظٍ»، فسكتَ عنه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم(٤٢- أخرجه مسلم: (10/127)، وأبو داود: (2/685)، وابن ماجه: (1/669)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه)، فدلَّ على صِحَّةِ كلامه وإصابته للحقِّ.


- وإمَّا أن يكون إقرارُه على أقوالٍ متعلِّقةٍ بالدنيا والأمور المغيبة، فإقرارُه لا يدلُّ على ثبوت المدلول وصدق خبره، مثل ما كان يطعن المنافقون في نسب أسامة بن زيد رضي الله عنهما بسبب التخالف بينهما في اللون، فسكوته لا يدلُّ على صدق الخبر، ويدلُّ عليه أنّ القائف لما رأى أقدام زيد وأسامة وقد غَطَّيَا رؤوسهما، قال: «إنَّ هذه الأقدام بعضها من بعض» فسُرَّ به النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وأعجبه(٤٣- متفق على صحّته، أخرجه البخاري: (7/87)، (12/56)، ومسلم: (10/40)، وأبو داود: (2/698)، وابن ماجه: (2/787)، والترمذي: (4/440)، والنسائي: (6/184) من حديث عائشة رضي الله عنها).

أمَّا الإقرار على الأفعال إن لم يكن فيها قربة فإنه يدلُّ على نفي الحرج، كإقراره على أكل الضب والجراد مع أنه لم يأكل منهما، وإلاَّ فإقراره يدلُّ على صحَّة الفعل إن كان قربة، كصلاة ركعتين بعد صلاة الصبح من قصة قيس بن قهد(٤٤- هو الصحابي قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري المدني جدّ يحي بن سعيد التابعي المشهور، ويلقّب: قيس بن قهد من بني مالك بن النجار شهد بدرًا وما بعدها، وتوفي في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنها. [انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم: (7/101)، «الاستيعاب» لابن عبد البر: (3/1297)، «أسد الغابة» لابن الأثير: (4/223)، «الكاشف» للذهبي: (2/406)، «الإصابة» لابن حجر: (3/255، 257)]) رضي الله عنه فسكت عنه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ولم ينكر عليه(٤٥- أخرجه أحمد في «مسنده»: (5/447)، وأبو داود: (2/51)، وابن ماجه: (1/365)، والترمذي: (2/284)، وابن خزيمة في «صحيحه»: (2/164)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (2/456)، والحاكم في «المستدرك»: (1/274)، وابن حزم في «المحلى»: (3/112)، من حديث قيس بن عمرو رضي الله عنه. والحديث ضعّفه النووي في «المجموع»: (4/169)، وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي. قال أحمد شاكر: «ثمّ هذه الطرق كلها يزيد بعضها بعضًا ويكون بها الحديث صحيحًا لا شبهة في صحّته». [انظر تحقيق أحمد شاكر على «سنن الترمذي»: (2/287)]).


• وقول الباجي -رحمه الله- في الصفحة السابقة بعدما ذكر قصِّة ذي اليدين رضي الله عنه: «وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الكَلاَمَ فِي الصَّلاَةِ لِيَفْهَمَ الإِمَامُ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ وَصِحَّتِهِ».

[م] هذا الذي ذكره المصنِّف هو ما كان الفعل بحضرته وعلى علم به(٤٦- انظر المصادر المثبتة على هامش «الإشارة»: (232))، أمَّا إقراره على فعل في زمانه وكان مشهورًا فمثاله ما ثبت في قصَّة معاذ رضي الله عنه أنه كان يصلي العشاء مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ثمَّ ينصرف إلى قومه، فيصلي بهم، فاستدلَّ به على جواز اقتداء المفترض بالمتنفِّل، إذ مثل هذا لا يخفى عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فإنَّ غالب الظنَّ علمه بالأئمَّة الذين يصلون في قبائل المدينة لا سيما وقد ثبت في الصحيحين شكوى الأعرابي للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عن إطالة معاذ رضي الله عنه في صلاته فقال: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذٌ»(٤٧- متفق على صحّته، أخرجه البخاري: (2/192، 200، 10/515)، ومسلم: (4/181)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (3/85)، والبغوي في شرح السنة»: (3/71)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما)،

وقد يقع الفعل في زمانه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ويكون خفيًّا غير مشتهر، أي: لم ينتشر انتشارًا يبعد معه أن يعلمه، فهذا لا حُجَّة فيه بخلاف ما وقع بحضرته أو في زمانه وكان مشتهرًا، مثاله: قول بعض الصحابة رضي الله عنهم: «كُنَّا نُكْسِلُ على عهد رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ولا نَغْتَسِلُ(٤٨- قال النووي في «شرح مسلم»: (4/36): « اعلم أنَّ الأُمَّةَ مجتمعةٌ الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين. وفي الباب حديث: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» مع حديث أُبَيِّ بن كَعْبٍ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّمَ في الرجل يأتي أهله ثمَّ لا ينزل، قال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ»، وفيه الحديث الآخر: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ». قال العلماء: العمل على هذا الحديث.

وأمَّا حديث «الماء من الماء» فالجمهور من الصحابة ومَن بعدهم قالوا: إنه منسوخ، ويعنون بالنسخ أنَّ الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطًا ثمَّ صار واجبًا. وذهب ابن عباس رضي الله عنهما وغيره إلى أنه ليس منسوخًا بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم ينزل، وهذا الحكم باق بلا شكّ، وأمَّا حديث أُبي بن كعب ففيه جوابان: أحدهما أنه منسوخ، والثاني أنه محمول على ما إذا باشرها فيما سوى الفرج»)»(٤٩- أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»: (5/35)، والهيثمي في «كشف الأستار»: (1/164)، وفي إسناده محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبي. قال عنه ابن حجر: صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين، وعن شر منهم، ووصفهم بذلك أحمد والدارقطني. [انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي: (3/468)، «تعريف أهل التقديس» لابن حجر: (132)، «التبيين لأسماء المدلسين» لابن العجمي: (47)])، وإن كان الحديث لا يصحُّ إلاَّ أنه يُمثَّل به على احتمال عدم علمه لذلك فلا يكون حُجَّة(٥٠- انظر: «شرح اللمع» للشيرازي: (1/560-561)، «مفتاح الوصول» للتلمساني: (588)).

هذا، ويشترط في الإقرار الذي يكون حُجَّة الشروط التالية:

- أولاً: أن يَعلم بوقوعه سواء بحضرته صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أو زمانه، ويكون قادرًا على الإنكار.

- ثانيًّا: أن لا يكون قد بيَّن حكمه بيانًا يسقط عنه وجوب الإنكار.

- ثالثًا: أن لا يكون المسكوت عنه صادرًا من كافر، فلا عِبرة فيه، لما علم بالضرورة إنكاره صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لما يفعله الكفار(٥١- انظر: «الفتح المأمول»: (156))… يتبع.



--------------------------------------------------------------------------------

١- «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي: (1/75).

٢- انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي: (1/32).

٣- انظر: «التبصرة» للشيرازي: (195)، «شرح اللمع» للشيرازي: (1/464)، «المنخول» للغزالي: (73)، «الإحكام» للآمدي: (2/176)، «التمهيد» للإسنوي: (228).

٤- انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني: (471)، والمصادر المثبتة على هامشه.

٥- انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة: (2/8)، و«شرح مختصر الروضة» للطوفي: (1/484)، و«مذكرة الشنقيطي»: (175).

٦- انظر تفصيل هذه المسألة في المصادر المثبتة على هامش «الإشارة»: (224).

٧- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (7/287).

٨- المصدر نفسه: (19/236). وبيانه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في قوله: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». رواه مسلم في «الأشربة» (13/172) باب بيان أنّ كلّ مسكر خمر، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

٩- انظر: «أعلام الموقعين» لابن القيم: (1/266).

١٠- انظر المصدر السابق: (1/219، 255).

١١- انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (7/162، 31/117 وما بعدها).

١٢- المصدر السابق: (7/115).

١٣- المصدر السابق: (7/106).

١٤- أخرجه أحمد في «مسنده»: (6/86)، مسلم: (4/44)، وابن ماجه: (1/164)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/62)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه –أيضًا- أحمد في «مسنده»: (2/529)، ومسلم: (4/43)، والنسائي: (1/105)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/63)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

١٥- انظر «مفتاح الوصول» للتلمساني: (469).

١٦- أخرجه الدارمي في «سننه»: (2/44)، والترمذي: (3/293)، وابن الجارود في «المنتقى»: (186)، وابن خزيمة في «صحيحه»: (4/222)، وابن عدي في «الكامل»: (5/2001)، والحاكم في «المستدرك»: (1/459، 2/267)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (5/85)، من طرق عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما بزيادة: «إِلاَّ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ لَكُمْ فِيهِ النُّطْقَ، فَمَنْ نَطَقَ فَلاَ يَنْطِقْ إِلاَّ بِخَيْرٍ».

وأخرج أحمد في «مسنده»: (3/414، 4/64، 5/377)، والنسائي: (5/222)، من طرق عن جريج أخبرني مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «إِنَّمَا الطَّوَافُ صَلاَةٌ، فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الكَلاَمَ»، قال الحافظ في «التلخيص الحبير»: (1/130): «هذه الرواية صحيحة، وهي تعضّد رواية عطاء بن السائب وترجح الرواية المرفوعة». [انظر تخريج الحديث في «تحفة الطالب» لابن كثير: (324)، «المعتبر» للزركشي: (179)، «إرواء الغليل» للألباني: (1/154). «طريق الرشد» لبعد اللطيف: (240)].

١٧- انظر «مفتاح الوصول» للتلمساني: (468).

١٨- انظر المصدر السابق: (517).

١٩- تقدم تخريجه.

٢٠- المصدر السابق: (475).

٢١- انظر المصادر المثبتة على هامش كتاب «الإشارة»: (224).

٢٢- انظر «أضواء البيان» للشنقيطي: (7/268-275).

٢٣- «مذكرة الشنقيطي»: (175).

٢٤- أخرجه أبو داود: (5/13)، والترمذي: (5/44)، وأحمد: (4/126)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، والحديث صحّحه الألباني في «صحيح الجامع الصغير»: (2/346).

٢٥- «الفتح المأمول»: (72).

٢٦- أخرجه البخاري: (4126)، ومسلم/ (7/192)، والبغوي في «شرح السنّة»: (6/228). من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

٢٧- انظر: «حاشية البناني على جمع الجوامع»: (2/94)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (2/166)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (41).

٢٨- «الفتح المأمول»: (73).

٢٩- أخرجه البخاري في «الأذان»: (2/111) باب الأذان للمسافر، من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

٣٠- أخرجه مسلم في «الحج»: (9/44) باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر، والنسائي في «مناسك الحج»: (5/270) باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

٣١- «مفتاح الوصول» للتلمساني: (571) بتحقيقي، ط/1.

٣٢- أخرجه الشافعي في «الأم»: (1/39)، وأحمد في «مسنده»: (6/161)، والترمذي: (1/180-181)، وابن ماجه: (1/199) من حديث عائشة رضي الله عنها.

والحديث صحّحه ابن حبان وابن القطان، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح: (1/183)، وإسناده موقوف على عائشة رضي الله عنها. وللحديث أسانيد أخرى مرفوعة ثابتة. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي: (1/82)، «تلخيص الحبير» لابن حجر: (1/134)، «إرواء الغليل» للألباني: (1/121-122)].

٣٣- الأصل في اللفظ أن يكون مستقلاًّ بذاته لا يتوقف معناه على تقدير لذلك كان الإضمار على خلاف الأصل. [انظر: «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني: (482) والمصادر المثبتة على هامشه].

٣٤- انظر: «الإحكام» للآمدي: (1/135).

٣٥- أخرجه الشافعي في «الأم»: (1/39)، وأحمد في «مسنده»: (6/161)، والترمذي: (1/180)، وابن ماجه: (1/19)، من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث صحّحه ابن حبان وابن القطان، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وإسناده موقوف على عائشة رضي الله عنها، وللحديث أسانيد أخرى مرفوعة ثابتة. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي: (1/82)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/134)، «إرواء الغليل» للألباني: (1/121)].

٣٦- انظر: «الإحكام» للآمدي: (1/137).

٣٧- انظر: «المنخول» للغزالي: (226)، «المحصول» للرازي: (1/3/346)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (288)، و«أصول السرخسي: (2/86)، «المسودة» لآل تيمية: (71)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (2/178)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (35).

٣٨- هو جزء من حديث عمر بن سلمة رضي الله عنه أنه كان يقول: «كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّ، كانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». والحديث متفق على صحّته، أخرجه أحمد في «مسنده»: (4/26-27)، وعبد الرزاق في «مصنّفه»: (10/415)، والبخاري: (9/521)، ومسلم: (13/192)، وابن ماجه: (2/1087)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (7/277).

٣٩- أخرجه مسلم: (15/116)، وابن ماجه: (2/725)، من حديث أنس وعائشة رضي الله عنهما.

٤٠- «الفتح المأمول»: (154).

٤١- متفق عليه، أخرجه البخاري: (12/136)، ومسلم: (11/192)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٤٢- أخرجه مسلم: (10/127)، وأبو داود: (2/685)، وابن ماجه: (1/669)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

٤٣- متفق على صحّته، أخرجه البخاري: (7/87)، (12/56)، ومسلم: (10/40)، وأبو داود: (2/698)، وابن ماجه: (2/787)، والترمذي: (4/440)، والنسائي: (6/184) من حديث عائشة رضي الله عنها.

٤٤- هو الصحابي قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري المدني جدّ يحي بن سعيد التابعي المشهور، ويلقّب: قيس بن قهد من بني مالك بن النجار شهد بدرًا وما بعدها، وتوفي في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنها. [انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم: (7/101)، «الاستيعاب» لابن عبد البر: (3/1297)، «أسد الغابة» لابن الأثير: (4/223)، «الكاشف» للذهبي: (2/406)، «الإصابة» لابن حجر: (3/255، 257)].

٤٥- أخرجه أحمد في «مسنده»: (5/447)، وأبو داود: (2/51)، وابن ماجه: (1/365)، والترمذي: (2/284)، وابن خزيمة في «صحيحه»: (2/164)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (2/456)، والحاكم في «المستدرك»: (1/274)، وابن حزم في «المحلى»: (3/112)، من حديث قيس بن عمرو رضي الله عنه. والحديث ضعّفه النووي في «المجموع»: (4/169)، وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي. قال أحمد شاكر: «ثمّ هذه الطرق كلها يزيد بعضها بعضًا ويكون بها الحديث صحيحًا لا شبهة في صحّته». [انظر تحقيق أحمد شاكر على «سنن الترمذي»: (2/287)].

٤٦- انظر المصادر المثبتة على هامش «الإشارة»: (232).

٤٧- متفق على صحّته، أخرجه البخاري: (2/192، 200، 10/515)، ومسلم: (4/181)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (3/85)، والبغوي في شرح السنة»: (3/71)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

٤٨- قال النووي في «شرح مسلم»: (4/36): « اعلم أنَّ الأُمَّةَ مجتمعةٌ الآن على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين. وفي الباب حديث: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» مع حديث أُبَيِّ بن كَعْبٍ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّمَ في الرجل يأتي أهله ثمَّ لا ينزل، قال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ»، وفيه الحديث الآخر: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ». قال العلماء: العمل على هذا الحديث. وأمَّا حديث «الماء من الماء» فالجمهور من الصحابة ومَن بعدهم قالوا: إنه منسوخ، ويعنون بالنسخ أنَّ الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطًا ثمَّ صار واجبًا. وذهب ابن عباس رضي الله عنهما وغيره إلى أنه ليس منسوخًا بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم ينزل، وهذا الحكم باق بلا شكّ، وأمَّا حديث أُبي بن كعب ففيه جوابان: أحدهما أنه منسوخ، والثاني أنه محمول على ما إذا باشرها فيما سوى الفرج».

٤٩- أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»: (5/35)، والهيثمي في «كشف الأستار»: (1/164)، وفي إسناده محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبي. قال عنه ابن حجر: صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين، وعن شر منهم، ووصفهم بذلك أحمد والدارقطني. [انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي: (3/468)، «تعريف أهل التقديس» لابن حجر: (132)، «التبيين لأسماء المدلسين» لابن العجمي: (47)].

٥٠- انظر: «شرح اللمع» للشيرازي: (1/560-561)، «مفتاح الوصول» للتلمساني: (588).

٥١- انظر: «الفتح المأمول»: (156).


من موقع الشيخ الرسمي
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2009, 05:03 PM   #9
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"





باب

[أحكـام الأخبـار]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص 233: "الخَبَرُ هُوَ الوَصْفُ لِلمُخْبِرِ عَنْهُ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: صِدْقٌ وَكَذِبٌ"

[م] هذا التعريف يعد أحد تعريفات الخبر، والذي ينسجم مع تقسيم المصنف أن يعرفه بأنّه: "القول الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب"، وأطلق بعض العلماء على الخبر بأنّه: "المحتمل للتصديق والتكذيب للإنشاء" ويخرج الإنشاء لأنّه لا يحتمل صدقا ولا كذبا كالأوامر والنواهي، وهو اصطلاح الأصوليين وأهل اللغة.

وقال بعضهم: إنّ الخبر هو ما يقابل المبتدأ، وهو إطلاق النحاة، أمّا أهل المنطق فأطلقوا الخبر على القضية، وأطلقه المحدثون على ما هو أعمّ من الإنشاء والطلب، كقولهم "أخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم" فهذه الأخبار محتوية على الأوامر والنواهي.


فصل

[في خبر التواتر والآحاد]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص233: " فَالتَّوَاتُرُ: مَا وَقَعَ العِلْمُ بِمُخْبِرِهِ ضَرُورَةً مِنْ جِهَةِ الخَبَرِ"

[م] هذا الفصل وما بعده يتعلق بالخبر من حيث سنده، ومعنى تعريف المصنف للتواتر: هو الخبر الذي رواه جمع يحصل العلم بصدقهم ضرورة بأن لا يحتمل العقل تواطؤهم على الكذب، أو صدوره منهم اتفاقا عن مثلهم من أول الإسناد إلى آخره ويكون ممّا يدرك عن طريق الحس لا العقل.

وقول المصنف:"ضرورة" أي من شرط الخبر المتواتر إفادته العلم اليقيني بالمخبر عنه، وهذا مذهب أهل الحق خلافا للسُّمَينة(١) والبراهمة(٢) الذين يعتقدون أنّ خبر التواتر يفيد الظن وقد مثل المصنف-رحمه الله- بحصول العلم ببعض البلدان كالصين والهند والأنبياء السابقين والعلماء والسلاطين والوقائع والغزوات ونحو ذلك.

ومفهوم قوله:"ضرورة":
أنّ العلم الحاصل بالمتواتر يقيني وليس نظريا وهو مذهب الجمهور وهو الصحيح، أي أنّ العلم الحاصل بالمتواتر علمناه بالضرورة من غير نظر ولا استدلال، لأنّه لو كان المتواتر نظريا لم يقع إلاّ لمن اكتسب درجة النظر والاستدلال، وللزم اختلاف العلماء فيه، ولأنّ كل ذي لب مضطر إلى التصديق بوجود مكة والبلاد الأخرى التي لم يرها ولم يدخلها، وهذا على خلاف مذهب ابن القطان(٣) والدقاق(٤) وغيرهم الذين يرون أنّ المتواتر يحتاج إلى نظر لذلك قالوا: إنّ العلم به نظري وليس بضروري، إذ لا يحصل العلم إلاّ بمقدمتين:

- الأولى: أنّ المخبرين يستحيل تواطؤهم على الكذب.

- والثانية: أنّهم اتفقوا عن الإخبار عن واقعة واحدة كوجود مكة مثلا.


والصحيح أنّ المقدمتين حصلتا في أوائل الفطرة، ولا تحتاج إلى كبير تأمل وفكر، ومثل ذلك لا يسمى نظريا، لأنّ النظري يتوقف على أهلية النظر، وفي هذه المسألة أقوال أخرى كالوقف ذهب إليه الآمدي(٥) وتردد بعضهم بين النظري والضروري(٦).

والخلاف بين المذهبين السابقين خلاف لفظي لا ثمرة له لاتفاقهما على النتيجة واختلافهم في الطريق إليها، لذلك يذهب بعض المحققين إلى عدم اشتراط إفادته العلم اليقيني الضروري لأنّه يترتب على شروط المتواتر فحيثما اجتمعت حصل العلم(٧).



* قال المصنف -رحمه الله- في ص234 في معرض ذكر خبر الآحاد: " لاَ يَقَعُ بِهِ العِلْمُ وَإِنَّمَا يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّ السَّامِعِ لَهُ صِحَّتَهُ لِثِقَةِ المُخْبِرِ بِهِ."

[م] ما قرره المصنف من إفادة الخبر الواحد للظن هو مذهب جمهور العلماء، لأنّه لو كان يفيد العلم لحصل ذلك بخبر الأنبياء عن بعثهم وإرسالهم من غير ما حاجة إلى إظهار المعجزات الدالة على صدقهم، ولأنّه لو كان مفيدا للعلم لوجب على القاضي أن يصدق المدعي من غير بينة، لأنّ العلم يحصل بقوله، وإذا ثبت أنّه لا يصدقه إلاّ ببينة دلّ ذلك على أنّ خبر الواحد بمجرده لا يكفي في إفادة العلم، ومن الأدلة العقلية ما ذكره المصنف: من أنّ المخبر-وإن كان ثقة- يجوز عليه الغلط والسهو كالشاهد.



* قال الباجي -رحمه الله- في الصفحة نفسها عن محمد بن خويزمنداد أنّه قال: "يَقَعُ العِلْمُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ"

[م] وهذا مذهب أهل الظاهر كداود وابن حزم، وبه قال الحسين الكرابيسي، والحارث المحاسبي وهو رواية عن الإمام أحمد، وحجتهم أنّ الله تعالى قال: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾(٨) وقال تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(۹) ثمّ أمرنا بالعمل بخبر الواحد، وهذا يدل على أنّ خبر الواحد يفيد العلم، وجوابه: أنّه لا يلزم إفادته للعلم وإنّما وجب العمل به لغلبة الظن كما هو الأمر بالنسبة للقياس فإنّه يجب العمل به مع إفادته للظن، وكذلك يجب العمل بقول الشاهدين وبقول المفتي بالنسبة للمستفتي مع أنّه لا يفيد العلم.

وفي هذه المسألة قول آخر يرى أصحابه أنّ خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به قرائن تؤيده كأن تتلقاه الأمّة بالقبول، أو لا ينكره أحد ممن يعتقد بقوله أو ينقل الخبر من طرق متساوية لا تختلف، أو يروي خبر الواحد راو متصف بالعدالة والثقة والإتقان، فإن توافر هذه القرائن في خبر الواحد أفاد العلم بإجماع.

والتحقيق أنّ خبر الواحد إذا احتف بقرائن خرج عن محل النزاع، لأنّ النزاع في خبر الواحد المجرد عن القرائن، وبناء عليه فمذهب الجمهور أقوى في الاعتبار والنظر، والخلاف بين العلماء في هذه المسألة لفظي لاتفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد من حيث التطبيق الفرعي سواء أفاد العلم أو الظن.



فــصل

[في المسـند]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص235 في معرض الاستدلال على وجوب العمل بالمسند:

"...أَنَّهُ لاَ يُمْتَنَعُ مِنْ جِهَةِ العَقْلِ أَنْ يَتَعَبَّدَنَا البَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالعَمَلِ بِخَبَرِ مَنْ يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّنَا ثِقَتَهُ وَأَمَانَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَنَا العِلْمُ بِصِدْقِهِ."

[م] ابتدأ المصنف بتقرير مذهب الجمهور في جواز التعبد بخبر الواحد عقلا، خلافا لمن رأى أنّ العقل أوجب علينا قبول خبر الواحد والعمل به، وخلافا للمعتزلة وابن علية وطائفة من المتكلمين الذين يرون أنّه لا يجوز التعبد بخبر الواحد عقلا(١٠).

واستدل المصنف من جهة العقل بعدم امتناع أن يتعبدنا الله تعالى بالعمل بخبر من يغلب على ظننا ثقته وإن لم يقع لنا العلم بصدقه على نحو ما يتعبدنا بشهادة عدلين وإن لم يحصل لنا العلم بصدقهما، ومن ذلك ما ثبت في السنة من الأحاديث الدالة على إرساله صلى الله عليه وآله وسلم الرسل للملوك، وللإمارة على البلدان والقضاء بها والسعي على الصدقات وغيرها، فمن ذلك تأميره لأبي بكر رضي الله عنه لموسم الحج، وإنفاذه سورة براءة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتوليته عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقات(١١).



* ثمّ قال المصنف في ص236: "وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَحَابَةِ عَلَى وُجُوبِ العَمَلِ بِأَخْبَارِ الآحَادِ كَرُجُوعِ عُمَرَ بِنِ الخَطََّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ شَرْعٍ بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَخْذِهِ جِزْيَةَ المَجُوسِ بِخَبَرِهِ ... وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُحْصَى كَثْرَةً"

[م] ردَّ المصنف على من لا يجوز التعبد بخبر الواحد سمعا وهو منسوب لمحمد بن داود الظاهري ومحمد بن إسحاق وبعض الرافضة، واستند على صحة مذهبه وهو مذهب جمهور بإجماع الصحابة السكوتي على وجوب العمل بخبر الآحاد حيث ثبت في وقائع وحوادث كثيرة عن الصحابة رضي الله عنهم عملهم بخبر الواحد من غير نكير، وإن كان كلّ واقعة لم تتواتر لكن بمجموع تلك الحوادث حصل العلم بأنّهم اتفقوا على العمل به، فمن ذلك أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذها من مجوس هجر(١٢) فقبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك وبدأ يأخذ الجزية مع أنّه خبر الواحد، ومن ذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما: " كنّا نخابر أربعين سنة حتى أخبرنا رافع بن خديج أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى عنها"(١٣) وأنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خبر حمل بن مالك في إسقاط الجنين :" لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره"(١٤)، وأنّه لمّا كان أهل قباء يصلون إذ جاءهم آت فقال: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة"(١٥).

وممّا يستدل به الجمهور أيضا قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا"(١٦).

فوجه دلالة الآية أنّها تفيد وجوب التبين والتثبت إذا كان المخبر فاسقا، فظهر بمفهومه أن العدل يقبل من غير تثبت لأنّ الفائدة من إيراد الفسق في الآية لا تكون إلا لمعنى، إذ لا ينسب العبث إلى الشرع. ومن القياس استدلوا بقياس الرواية على الشهادة، وقياس الرواية على الفتوى فإنّه كما يجب العمل بشهادة العدلين، ويجب العمل بفتوى المفتي يجب العمل برواية العدل أو العدلين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والجامع بينهما أنّ كلا منهما يفيد الظن لجواز الغلط على الشاهد والمفتي والراوي.



فــصل

[في المـرسـل]



* قال الباجي -رحمه الله- في تعريف المرسل من ص239 : "وَأَمَّا المُرْسَلُ: فَهُوَ مَا انْقَطَعَ إِسْنَادُهُ فَأُخِلّ فِيهِ بِذِكْرِ بَعْضِ رُوَاتِهِ".

[م] هذا تعريف المرسل على اصطلاح الأصوليين والفقهاء الشامل لسائر أنواع الانقطاع، أمّا في اصطلاح جمهور أهل الحديث فإنّ المرسل هو: أن يترك التابعي الواسطة التي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال الشوكاني: "وإطلاق المرسل على هذا، وإن كان اصطلاحا ولا مشاحة فيه، لكن محل الخلاف هو المرسل باصطلاح أهل الحديث"(١٧).

وأهل العلم يفرقون في المرسل من حيث قبوله بين مرسل الصحابي وغير الصحابي، والمقصود من مرسل الصحابي هو أن يروي حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو لم يسمعه منه شفاها بل سمعه من صحابي آخر،
وحكمه أن يقبل مطلقا سواء عرفنا أنّه لا يروي إلاّ عن صحابي أو لم نعرف ذلك، وسواء صرح أو لم يصرح بذلك، وهو مذهب جمهور العلماء للإجماع الواقع من الصحابة رضي الله عنهم أنّهم كانوا يرسلون الأحاديث من غير نكير من أحد، ولأنّ الأمّة أجمعت على قبول كلّ مرويات عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو -رضي الله عنه- مع إكثاره للرواية لم يسمع أكثر الأحاديث التي يرويها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، حيث توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وابن عباس رضي الله عنه لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره، وإنّما أخذها عن صحابة آخرين،

ومن صغار الصحابة: عبد الله بن الزبير، والنعمان بن بشير، والحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وغيرهم، وقد قبلت الأمّة جميع مروياتهم ولم ينكر أحد شيئا من ذلك، فثبت وجوب قبول مرسل الصحابي مطلقا: وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك ونقل ابن جرير الطبري إجماع التابعين،

والصحيح أنّه خالف أبو إسحاق الاسفرائيني وأبو بكر الباقلاني لاحتمال تلقيهم عن بعض التابعين وليس من أجل الشك في عدالة الصحابة رضي الله عنهم(١٨)، قال السيوطي: "وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى -يعني من مراسيل الصحابة- لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، و كلهم عدول، و رواياتهم عن غيرهم نادرة، و إذا رووها بينوها، بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة، بل إسرائيليات، أو حكايات أو موقوفات"(١٩).



* فيما كان المُرسِل متحرزا لا يرسل إلاّ عن الثقات قال الباجي -رحمه الله- في ص241: "فَإِنََّهُ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ وَأَبِي حَنِيفَةَ".

[م] وبوجوب العمل به قال جمهور أصحابهما، وهو أحد الروايتين عن أحمد بن حنبل وإليه ذهبت جماعة من المحدثين، وأمّا جمهور المحدثين وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول ذهبوا إلى ردّه مطلقا خلافا لمن فصّل في رده فهؤلاء اختلفوا في وجوه التفصيل على آراء، وفي المسألة أقوال أخرى.

وأظهرها: أنّ من علم من حاله أنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة قُبل مُرسَلُه لقوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"(٢٠)، أوجبت الآية التبين في خبر الفاسق دون العدل الذي يجب قبول خبره مطلقا مسندا كان أو مرسلا، ولقوله تعالى: " فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ"(٢١) فالآية أوجبت على الطائفة الإنذار، ولم تفرق في الإنذار بين ما أرسلوه وما أسندوه، ولقوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ"(٢٢)، فالراوي الثقة إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد التزم ما دلت عليه الآية من وجوب التبليغ وتحريم كتمان البينات والهدى وليس في الآية دلالة على التفريق بين المرسل والمسند.

وقد استدل المصنف على مذهبه- أيضا- بالإجماع والمعقول -كما سيأتي-(٢٣).

هذا، وقد تمسك المانعون من العمل بالحديث المرسل مطلقا بما رواه أبو داود عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممّن سمع منكم"(٢٤) وبما رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا قال: "نضر الله امرأ سمع شيئا فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع"(٢٥) والحديثان يدلان على كيفية وصول الحديث إلى الراوي، وبناء عليه يكون الاتصال شرطا من شروط قبول الخبر، ومادام الإرسال يفتقر إلى هذا الشرط فالرواية به غير مقبولة.

وقد أجيب عن دلالة أحاديث المانعين من قبول الحديث المرسل بأن دلالتهما في التحمل لا في الأداء، إذ ليس فيهما ما يشعر بالمنع من الإرسال، ويجاب أنّ محتوى الحديثين يدلان على طريقة وصول الحديث فلا يمنع من دلالتهما على الرواية، وللمانعين أدلة عقلية وللمفصلين –أيضا- والمقام لا يسمح في بسطها وقد تكفل الحافظ العلائي في "جامعه" تحصيل أحكام المراسيل(٢٦) وما عليه أهل التحقيق قبول الحديث المرسل إذا كان المرسِل من العلماء العدول الماهرين بمعرفة شرائط القبول الذين يعرف من حالهم أنهم لا يرسلون إلا عمن يقبل حديثه وهو أعدل الأقوال، وقد ذكره ابن تيمية رحمه الله بقوله : "والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها وأصح الأقوال: أنّ منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف ، فمن علم من حاله أنّه لا يرسل إلا ّمن ثقة قبل مرسله، ومن عرف أنّه يرسل عن ثقة وغير ثقة، كان إرساله رواية عمن لا يعرف حاله، فهذا موقوف، وما كان من المراسيل مخالفا لما رواه الثقات كان مردودا"(٢٧).

والأولى حمل كلام المانعين في عدم الاحتجاج بالمرسل على احتمال الريبة والشك في المرسل أو غلبتهما، والخلاف –بناء على ذلك- يكون لفظيا في قبول المرسل من عدمه، فمن قبله فلأنّه غلب على ظنّه صدق المرسِل ومن رده فلأنه شك في الراوي المرسِل، أو لأنّ عمل الصحابة لم يوافقه أو عارضه المسند أو ما إلى ذلك.

وجدير بالتنبيه أنّ المرسل إذا عارضه المسند فإنّ المسند يقدم عليه، لأنّه متفق على قبوله والاحتجاج به بخلاف المرسل مختلف فيه، وعليه فإنّه يقدم المتفق عليه على المختلف فيه.



* قال الباجي -رحمه الله- في معرض الاستدلال على مذهبه في ص242:" وَالدَلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ: اتِّفَاقُ الصَّدْرِ الأَوَلِ عَلَى نَقْلِ المُرْسَلِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُبْطِلُ الحَدِيثَ لَمَا حَلَّ الإِرْسَالُ."

[م] ذكر الآمدي انعقاد الإجماع على قبول مراسيل العدول بما نصه: "فإنّ الصحابة والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل من العدل: أمّا الصحابة فإنّهم قبلوا أخبار عبد الله بن عباس مع كثرة روايته، وقد قيل إنّه لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى أربعة أحاديث لصغر سنه...وأمّا التابعون فقد كان من عاداتهم إرسال الأخبار ... ولم يزل ذلك مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير فكان إجماعا"(٢٨) وذكر السيوطي عن ابن جرير الطبري أنّه قال: "أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين"(٢٩).

أما مرسل الصحابي فقد تقدم حكاية الخلاف فيه والصحيح قبوله مطلقا، أمّا دعوى إجماع التابعين فمردودة بما هو منقول عن بعض التابعين كسعيد بن المسيب، وابن سيرين والزهري وغيرهم القول بعدم الاحتجاج به. قال الحافظ السخاوي: " وبسعيد بن المسيب يرد على ابن جرير الطبري من المتقدمين، وابن الحاجب من المتأخرين، ادعاؤهما إجماع التابعين على قبوله -أي المرسل- إذ هو من كبارهم ولم يتفرد مرة بينهم بذلك، بل قال به ابن سيرين والزهري"(٣٠).

وقال الشوكاني:" ويجاب عن قول الطبري أنّه لم ينكره أحد إلى رأس المائتين بما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن عباس أنّه لم يقبل مرسل بعض التابعين مع كون ذلك التابعي ثقة محتجا به في الصحيحين"(٣١).



* وقال الباجي -رحمه الله- في ص244:" وَأَيْضاً فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ المُرْسِلُ ثِقَةً مُتَحَرِزاً"

[م] وتعليله أنّ الراوي الثقة لا يستجيز القطع بالحديث إلاّ أن يكون عالما بصحته غلب على ظنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك، إذ أنّ عدالة الراوي تمنعه من أن يشهد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو غير ثقة ولا حجة، وعليه فلا فرق بين كبار التابعين أو غيرهم، فضلا عن أنّه يلزم من رد المرسل القدح في الراوي، وهذا مردود لاتفاق الأمّة على قبول جم غفير من الرواة مع كثرة ما أرسلوه. وقد أجيب عن هذه الحجة العقلية بأنّها غير مسلمة لأنّ غاية ما فعله الراوي أنّه سكت وليس معنى السكوت عن الجرح تعديلا للمروي، إذ يلزم أن يكون السكوت عن التعديل جرحا، وعلى هذا فالإرسال في شاهد الفرع على شهادة الأصل لا يكون تعديلا لشهادة الأصل مع عدم تعيينه(٣٢).



فصل

[في رواية الراوي الخبر وترك العمل به]



يجدر التنبيه في هذا الفصل إلى تعلق المسألة بمخالفة الصحابي للحديث بالكلية الذي قطعنا بعلمه به مع جهلنا مأخذه ودليل الراوي على مخالفة الحديث الذي رواه.

أمّا إذا كانت مخالفة الصحابي للحديث كلية مع قطعنا بعلمه مع وضوح المخالفة إمّا بسبب دليل أو بسبب عدم إحاطته بمعناه، أو بسبب التورع والحرج، أو بسبب النسيان، فإنّه لا تقبل تلك المخالفة ويبقى الحديث حجة يعمل به، ما عدا إن اعتمد على دليل فينظر في الدليل، ويترك الحديث إذا ما قبل الدليل لقوته لا من أجل مخالفة الصحابي له وإلاّ لم يصلح الدليل معارضا له.

أمّا إذا خالف عموم الحديث لا كليته، فالصحيح أنّ العموم أقوى ولا يخصص به إلاّ ما كان له حكم الرفع وذلك فيما لا مجال للرأي فيه، لأنّ المعروف من واقع الصحابة رضي الله عنهم تقديم المرفوع على كلامهم، أمّا على قول من أجاز التخصيص بمذهب الصحابي وهو مذهب الحنفية والحنابلة فيتمثل دليلهم في أنّ قول الصحابي حجة مقدم على القياس، وتخصيص العموم بالقياس جائز فيلزم تخصيصه بمذهب الصحابي من باب أولى، فجوابه أنّ مذهب الصحابي تحتمل حجيته إذا لم يعارض نصا من كتاب أو سنة أمّا إذا عارض ذلك فلا حجة فيه، وقياس قول الصحابي على القياس ظاهر بطلان للفرق بينهما ذلك لأنّ القياس ثبت بناء على أصل ثابت من كتاب أو سنة فجاز التخصيص به لعلمنا للدليل الذي اعتمد عليه، أمّا الصحابي فيجهل مستنده لذلك نعمل بما علمناه وهو العموم.

أمّا إذا حمل مذهب الصحابي على إحدى محامل الحديث فلا يعد ذلك مخالفا.



* قال الباجي -رحمه الله- بعد تقرير مذهبه وهو وجوب العمل بالخبر وإن ترك الراوي العمل به: " وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: " إِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ وُجُوبَ العَمَل بِهِ".

[م] في مسألة عمل الراوي بخلاف روايته أقوال، والظاهر من مذهب الشافعي أنّ تأويل الراوي بخلاف ظاهر الحديث رجع إلى الحديث، وإن كان هو أحد محتملات الظاهر رجع إلى تأويله وبه قال جمهور المالكية، وإليه ذهب أبو الحسن الكرخي وأكثر الفقهاء خلافا للأحناف وبعض المالكية(٣٣)، وهو الراجح لأنّ الحجة فيما رواه لا فيما رآه، ولأنّ عمل الراوي بخلاف ما روى يتطرق إليه جملة من الاحتمالات منها: قد ينسى الراوي الحديث، وقد يحمل الحديث على غير وجه الصحة، وقد يظن الحديث منسوخا وهو ليس كذلك، ويحتمل أن يصير إلى دليل أقوى في ظنه وليس هو أقوى في حقيقة الأمر، وعليه فلا يترك الحديث الثابت بشيء ممّا يدخل فيه الشك والاحتمال. والخلاف في هذه المسألة له أثره في بعض المسائل الفقهية منها:

- إنّ ابن عمر رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع وبعد أن يرفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود"(٣٤)، وهذا الحديث رواه ابن عمر رضي الله عنه ولم يعمل به، بل خالفه وكان رضي الله عنه لا يرفع يديه إلاّ عند افتتاح الصلاة، فمن قدم روايته عمل بمقتضى الحديث، ومن عمل بما رآه ترك العمل به. والصحيح المذهب الأول لعدة اعتبارات منها:

1- الحجة فيما رواه لا فيما رآه.

2- إنّ الحديث عمل بمقتضاه أصحاب رسول الله عليه وآله وسلم.

3- إنّ عدم الرفع من ابن عمر رضي الله عنه مروي عن مجاهد وهو معارض بما رواه طاووس أنّه كان يفعله وهو موافق للرواية.

- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل"(٣٥) وقد خالفت عائشة رضي الله عنها مقتضى الحديث ولم تعمل به، حيث زوجت بنت أخيها: حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه شقيق عائشة رضي الله عنها مع ابن أختها أسماء رضي الله عنها: وهو المنذر بن الزبير، وكان أخوها عبد الرحمن غائبا في الشام. فمن عمل بمقتضى الحديث اشترط الولي في الزواج، ومن عمل بمخالفة الراوي لروايته لم يشترط الولي.

والصحيح أنّ الحجة فيما روته لا فيما رأته، لأنّ الصحابة رضي الله عنهم عملوا بمقتضى الحديث، ويحتمل أنّها زوجتها بإذن أخيها أو أوصاها بذلك ولم تعلم أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا تزوج المرأة المرأة"(٣٦).

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-02-2009, 05:08 PM   #10
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"

فصل

[في رواية الراوي الخبر وأنكره المروى عنه]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص249: "فَأَمَّا إِنْ شَكَّ المُرْوَى عَنْهُ فِيهِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِ الشَافِعيِّ إِلَى وُجُوبُ العَمَلِ بِهِ".

[م] والمراد بهذا الضرب: إنكار الشيخ العدل الحديث الذي رواه الفرع عنه إنكارا غير صريح كأن يتوقف ويقول: "لست أذكر ذلك الحديث" أو نحو ذلك، فما عليه جمهور أهل العلم وقول مالك والشافعي وأحمد في أصح الروايتين عنه أنّ ذلك لا يقدح في الخبر بل يقبل ويعمل به، وبه قال أهل الحديث، ونسب القول إلى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة(٣٧)، وقد استدل له المصنف بإلحاق نسيان على الموت إلحاقا قياسيا فإنّه إذا كان موته لا يسقط العمل به فكذلك نسيانه، ومن الأدلة التي استند إليها الجمهور ما ثبت في سنن أبي داود عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم "قضى باليمين مع الشاهد"، فذكر ذلك لسهيل فقال :"أخبرني ربيعة – وهو ثقة عندي- أني حدثته إياه ولا أحفظه"(٣٨)، ولم ينكره أحد من التابعين فكان ذلك إجماعا على قبول الحديث والعمل به. ومن المعقول أنّ الفرع موصوف بالعدالة والثقة، وقطع بهذه الرواية على الشيخ، والشيخ نسي – والنسيان غالب على الإنسان- ولم يكذبه، ولم ينكر حديثه، فالأصل أنّ الحافظ الصادق يقبل حديثه ويعمل به.



* قال الباجي -رحمه الله- في الصفحة نفسها: " وَذَهَبَ الكَرْخِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ".

[م] وهو مذهب أكثر الأحناف، وغاية ما استدلوا به قياس الرواية على الشهادة في أنّه لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين فإذا نسي شاهدا الأصل الشهادة ولم يحفظوها فلا يجوز للحاكم القضاء بشهادة شاهدي الفرع فكذلك الرواية، ولا يخفى أنّ هذا القياس فاسد للفرق بين الشهادة والرواية، فباب الشهادة أضيق من باب الرواية وأغلظ حكما، حيث إنّه اعتبر في الشهادة من الاحتياط والتأكد ما لم يعتبر مثله في الرواية.



* وذكر الباجي -رحمه الله- في ص:250 القسم الثاني من الضرب الثاني: فيما إذا قطع أنّه لم يحدث به بقوله:" وَأَمَّا إِذَا قَالَ: " لَمْ أَرْوِهِ قَطُّ " فَهَذَا مِمَّا لاَ يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بِهِ جُمْلَةً".

[م] والمراد بهذا الضرب: إنكار الشيخ العدل الخبر الذي رواه عنه الفرع إنكارا صريحا وهو على قسمين:

- إمّا أن يصرح بأنّ الخبر من مروياته إلاّ أنّه نفى نفيا صريحا بعدم تحديث الراوي به فهذا لا يمنع من الاحتجاج لصحة الخبر من جهة المروى عنه لا من جهة الراوي، لأنّ روايته من جهة الراوي تبطل.

- وإمّا أن ينكر الشيخ رواية الفرع عنه إنكار تكذيب وجحود صراحة كأن يقول: " لم أروه له قط" أو يقول: "كذب عليّ"، فقد حكى الآمدي وابن الحاجب وغيرهما الإجماع على عدم الاحتجاج به، والصحيح أنّ هذه المسألة موضع اجتهاد واختلاف رأي، فمذهب الأكثرين عدم العمل به خلافاً لتاج الدين السبكي وأبي مظفر السمعاني وأبي الحسن القطان وابن الوزير وغيرهم(٣٩)، ومذهب الجمهور أقوى لأنّ كلا منهما مكذب للآخر فيما يدعيه، وهذا موجب للقدح في الحديث، لكنّه لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين لقيام الشك في كذبه، ولمّا كانت العدالة متيقنة وهي الأصل فلا يجوز أن يترك اليقين إلا بيقين مثله لا بالشك.

والخلاف له آثاره من الناحية العملية من جهة أنّ من احتج بحديثه عمل بمقتضى الحديث، ومن لم يحتج به امتنع عن العمل بمقتضى الخبر.



فصل

[في قبول الزيادة في رواية العدل]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص52:" وَرِوَايَةُ العَدْلِ الثَبْتِ المَشْهُورِ بِالحِفْظِ والإِتْقَانِ الزِيَادَةَ فِي الخَبَرِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مَعْمُولٌ بِهَا خِلاَفاً لِبَعْضِ أَهْلِ الحَدِيثِ".

[م] في تحرير محل النزاع فإنه يفرق بين ما إذا كانت الزيادة مخالفة للمزيد عليه بحيث لا يسع الجمع ولا الترجيح بين المتعارضين فيصارإلى المرجّح الخارجي ،وبين ما إذا كانت الزيادة موافقة للمزيد عليه، وفي هذه الحالة إذا علم تعدد المجلس قبلت الزيادة اتفاقاً لجواز أن يذكر النبي صلى الله عليه وآله و سلم الزيادة في مجلس ويتركها في آخر ،أما إذا لم يعلم تعدده فإنه تقبل الزيادة من العدل الثقة الذي يترجح صدقه تقديماً للمثبت على النافي ،
أما إذا علم اتحاد المجلس فيختلف الأمر بين من نقل الزيادة الذي يكون واحداً وبين من نقل الخبر بدون تلك الزيادة الذي يكون الناقل فيه جماعة، و الخبر أضبط في الجماعة من الواحد لذلك لا تقبل الزيادة لانفراد رواية الثقة بزيادة يخالف فيها ما رواه الثقات فهو مردود لشذوذه.

أمّا إذا كان ناقل الزيادة واحدا وناقل الخبر بدون زيادة كذلك، فإنّه في حال مساواتهما عددا ينظر في ناقل الزيادة إن كان مشتهرا بالعدالة والضبط والحفظ قبلت زيادته لتلك الصفات العالقة به، وإن كان ناقل الخبر بدون زيادة هو المشتهر بالحفظ والضبط والثقة والعدالة فلا تقبل تلك الزيادة.

أمّا إذا استوى ناقل الزيادة أو ناقل الخبر المجرد عنها في الضبط والعدالة والحفظ فهذا موضع الخلاف، والصحيح ما رجحه المصنف من أن الزيادة معمول بها(٤٠) سواء كانت الزيادة لفظية كرواية: "ربنا ولك الحمد"(٤١) بزيادة الواو، أومعنوية كدخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكعبة وأنّه صلى بين العمودين اليمانيين(٤٢) لأنّ الثقة لو انفرد بنقل الحديث قبل وعمل به فكذلك لو انفرد بزيادة ولا فرق بينهما والخلاف معنوي فمن اعتبرالزيادة عمل بمقتضاها المثبت، ومن منعها عمل بمقتضى الخبر المجرد عنها وأهمل مقتضى الزيادة.



فصل

[في حكم العمل بالإجازة]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص252: " يَجِبُ العَمَلُ بِمَا نَُقَِلَ عَلَى وَجْهِ الإِجَازَةِ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ العُلَمَاءِ".

[م] الإجازة أن يأذن الشيخ لغيره بأن يروي عنه مروياته أو مؤلفاته، وكأنها تتضمن إخباره بما أذن له بروايته عنه وهي على أنواع منها:

1- إجازة من معيِّن لمعَّين في معيَّن، بأن يقول الشيخ للراوي عنه: "أجزتك أن تروي عني هذا الكتاب، أو هذه الكتب" وهي المناولة فهي جائزة عند الجماهير حتى الظاهرية، لكن خالفوا في العمل بها، لأنّها في معنى المرسل عندهم، إذ لم يتصل السماع(٤٣)، والمناولة في حقيقة الأمر تعد قسما من أقسام الإجازة، لأنّ الشيخ لو اكتفى على مجرد المناولة بالفعل دون اللفظ لم تجز الرواية مطلقا كأن يعطيه الكتاب ولم يقل له: "إروه عني"، أمّا إذا اقتصر على اللفظ دون مناولة لجازت الرواية عند الجمهور.

2- إجازة لمعيِّن في غير معيَّن، مثل أن يقول الشيخ: "أجزت لك أن تروي عني ما أرويه" أو "ما صح عندك من مسموعاتي ومصنفاتي" فهذا جائز عند الجمهور رواية وعملا.

3- إجازة معيِّن لغير معيَّن، [أو إجازة معيِّن لمعيَّن بوصف عام]: مثل أن يقول الشيخ: "أجزت للمسلمين" أو "لمن قال:لا إله إلا الله" أو "لمن أدرك حياتي الكتاب الفلاني" وسُمِّي هذا النوع: "الإجازة العامة"، وقد اعتبرهاطائفة من الحفاظ والعلماء فممن جوزها الخطيب البغدادي ونقلها عن شيخه أبي الطيب الطبري وجوزها محدثوا المغاربة رحمهم الله، ومنعها آخرون وهو الصحيح(٤٤).

4- إجازة لمعيَّن بمجهول من الكتب مثل أن يقول الشيخ: "أجزتك كتاب السنن" وهو يروي كتبا في السنن، أو "أجزت لمحمد بن علي" وهم جماعة مشتركون في الاسم، فحكم هذا النوع البطلان لعدم اتضاح المراد منها(٤٥).

5- الإجازة للمعدوم مثل أن يقول: "أجزت لمن يولد لفلان" فالصحيح أنّها إجازة فاسدة، لأنّ الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز، فكما لا يصح الإخبار بالمعدوم لا تصح الإجازة له، أمّا إجازة من يوجد مطلقا فلا يجوز إجماعا(٤٦).

6- إجازة المُجاز مثل أن يقول الشيخ: "أجزتك ما أجيزلي روايته" قال النووي: "والصحيح الذي عليه العمل جوازه، وبه قطع الحفاظ"(٤٧).

وفي هذا الموضع ذكر المصنف خلافا في حكم الرواية بالإجازة غير أنّه ادعى الإجماع على جواز الرواية بها في: "إحكام الفصول" بقوله: "ولا خلاف في ذلك بين سلف الأمّة وخلفها"(٤٨) ونقضه ابن الصلاح بما رواه الشافعي: أنّه منع الرواية بها، وقال:" وبذلك قطع الماوردي، وعزاه إلى مذهب الشافعي، وكذلك قطع بالمنع القاضي ابن محمد المَرْوَرَّوذي صاحب التعليقة، وقالا جميعا: لو جازت الرواية بالإجازة لبطلت الرحلة"(٤٩).

وقول المصنف بأن وجوب العمل بالإجازة قال به عامة العلماء ليس كذلك لأن كثيرا من العلماء المتقدمين أبطلوا العمل بها. قال بعضهم :" من قال لغيره: -أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع- فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب عليّ، لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع"(٥٠).



* قال الباجي -رحمه الله- في ص252:" َوقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ :"لاَ يَجُوزُ العَمَلُ بِالإِجَازَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُنَاوَلَةً وَأَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ المُجِيــــزُ..."

[م] مذهب ابن حزم الظاهري إبطال الإجازة مطلقا وقد اعتبرها بدعة، قال -رحمه الله-:
" وأما الإجازة التي يستعملها الناس فباطل، ولا يجوز لأحد أن يجيز الكذب..."(٥١)
أما النوع الأول من أنواع الإجازة وهي المناولة فقد تقدم جوازها عند الظاهرية، لكن خالفوا في العمل بها، أي يجيزون من تحمل بالإجازة أن يروى ما تحمله ويحدث به، ولكن لا يجوز له أن يعمل به لأنّه يجرى مجرى المرسل(٥٢)
قال ابن الصلاح:"وهذا باطل لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في إيصال المنقول بها والثقة به"(٥٣)، ولأن الشيخ المجيز إذا قال للراوي:"هذا كتاب مسموعي فاروه عني" فهو بمثابة الراوي إذا قرأ على الشيخ- وهو ساكت- بجامع أن الشيخ لم يتكلم بما في داخل الكتاب ومسموعاته.

هذا، وغاية ما يستدل به المانعون للرواية بالإجازة والمناولة قياسهما على الشهادة،حيث إنها لا تصح بالإجازة والمناولة فتلحق بها الأخبار، وجوابه أنه قياس مع ظهور الفارق بين الشهادة والرواية، فالرواية تجوز مع وجود شيخه الذي أخبر به الخبر ولا تجوز في الشهادة، حيث إن شاهد الفرع لا يقبل مع وجود شاهد الأصل بخلاف الرواية فهي أعم من الشهادة، والشهادة أخص وأدق وآكد من الرواية لذلك يتعذر القياس(٥٤).

والذي رجحه العلماء أنها جائزة، يروى بها ويعمل، وأن السماع أقوى منها، قال ابن الصلاح

-رحمه الله-: " إن الذي استقر عليه العمل، و قال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث و غيرهم القول بتجويز الإجازة و إباحة الرواية بها"(٥٥).

واستحسن العلماء الإجازة من العالم لمن كان أهلا للرواية ومشتغلا بالعلم لا للجهال ونحوهم



يتبع...


--------------------------------------------------------------------------------

١- السمينة: فرقة تنسب إلى(سومنا) بلد في الهند، وكانوا يعبدون صنما اسمه(سومنات) كسره السلطان محمود بن سُبُكتكين، ولهم معتقدات غريبة وفاسدة كالقول بتناسخ الأرواح، وقدم العالم وإنكار النظر وغيرها(انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي:170- فواتح الرحموت للأنصاري:2/113).

٢- البراهمة فرقة ضالة ظهرت في الهند تنسب إلى رجل يقال له:(برهام) كان يقول بنفي النبوات ووقوعها مستحيل في حكم العقل، ولها ضلالات أخرى، وانقسمت إلى فرق(انظر: الملل والنحل للشهرستاني:3/342).

٣- هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله الحميري الكتاني الفاسي الحافظ ابن القطان قاضي الجماعة، كان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأشدهم عناية بالرواية وأسماء الرجال صنف"الوهم والإيهام على الأحكام الكبرى لعبد الحق الإشبيلي" توفي رحمه الله سنة (628هـ)[انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي:22/306- شذرات الذهب لابن العماد:5/128 – شجرة النور الزكية لمخلوف:179].

٤- هو أبو بكر محمد بن محمد بن جعفر البغدادي الشافعي المعروف بالدقاق، والملقب بالخباط، فقيه أصولي، كانت له خبرة بكثير من العلوم، ولي قضاء الكرخ ببغداد، من مؤلفاته: شرح مختصر المزني، وكتاب في الأصول على مذهب الشافعي توفي سنة 392هـ(انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي:118-تاريخ بغداد للخطيب البغدادي:3/229-الكامل لابن الأثير:9/171-طبقات الشافعية للإسنوي:1/253-طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة:1/167- النجوم الزاهرة لابن تغرى بردي:4/206- معجم المؤلفين لكحالة:11/203- تاريخ التراث العربي لسزكين: 2/189).

٥-هو أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، سيف الدين الآمدي، الفقيه الأصولي، قال سبط ابن الجوزي:"لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين وعلم الكلام" وقال الذهبي:"وبكل قد كان السيف غاية ومعرفته بالمعقول نهاية" من كتبه:"الإحكام في أصول الأحكام" و"منتهى السول في الأصول" وغيرهما. توفي سنة631هـ(انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء للذهبي:22/364- وفيات الأعيان لابن خلكان:3/ 293 - دول الإسلام للذهبي:2/103 – البداية والنهاية لابن كثير:13/140- طبقات الشافعية للسبكي:8/306 –شذرات الذهب لابن العماد:5/142)

٦-انظر هذه المسألة في المصادر المثبتة على هامش كتاب الإشارة:234

٧- قواعد أصول الحديث د. أحمد عمر هاشم:143.

٨- آية 36 من سورة الإسراء.

٩- آية 33 من سورة الأعراف.

١٠- أنظر: إحكام الفصول للباجي:331. التبصرة للشيرازي:303. العدة لأبي يعلى:3/859. تيسير التحرير لبادشاه:3/82. و المصادر المثبة على هامش الإشارة:235.

١١- أنظر كتب النبي صلى الله عليه وسلم و رسله إلى الملوك و أمراءه في زاد المعاد لابن القيم:1/119-126

١٢- أخرجه البخاري (3158) في باب: الجزية و الموادعة مع أهل الذمة و الحرب، من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه و هو مخرج في " الإشارة":237.

١٣- أخرجه مسلم (1547) (107) في البيوع : باب كراء الأرض من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

١٤- أخرجه أبو داود(4573) في الديات: باب دية الجنين، و الحديث ضعف إسناده الألباني في ضعيف سنن أبي داود:3/379 وثبت عن سنن أبي داود: (4570) عن المسور بن مخرمة: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة : شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى فيها بغرة عبد أو أمة، فقال : ائتني بمن يشهد معك فأتاه بمحمد بن مسلمة".

١٥- أخرجه البخاري : (4488) في التفسير، باب: ( و ما جعلنا القبلة التي كنت عليها) الآية. ومسلم :5/10 في المساجد و مواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

١٦- آية 6 من سورة الحجرات.

١٧- إرشاد الفحول للشوكاني:64.

١٨- انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير: 49. و توضيح الأفكار للصنعاني:1/317

١٩- تدريب الراوي للسيوطي:1/171.

٢٠- آية 6 من سورة الحجرات

٢١- آية 122 من سورة التوبة

٢٢- آية 159 من سورة البقرة.

٢٣- انظر المصادر الأصولية والحديثية المثبتة على هامش "الإشارة":241.

٢٤- أخرجه أبو داود:4/68، و الحاكم في "المستدرك":1/95. من حديث ابن عباس رضي الله عنه و صححه الألباني في صحيح الجامع:3/1

٢٥- أخرجه الترمذي: 10/123 من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. و صححه الألباني في صحيح الجامع: 6/41.

٢٦- جامع التحصيل في أحكام المراسيل للحافظ العلائي:33 و ما بعدها

٢٧- منهاج السنة النبوية لابن تيمية :4/117.

٢٨- الإحكام للآمدي:1/229-300. أنظر: جامع التحصيل للعلائي:67

٢٩- تدريب الراوي للسيوطي:1/163.

٣٠- فتح المغيث للسخاوي: 1/143

٣١- إرشاد الفحول للشوكاني:65. و القصة جاءت في "مقدمة الصحيح" بسند الإمام مسلم عن طاووس:1/80

٣٢- الإحكام للآمدي:1/301.

٣٣- أنظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش كتاب الإشارة:246

٣٤- أخرجه البخاري:2/219- (736) في صفة الصلاة: باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء. و مسلم:390 في الصلاة: باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام، وأبو داود:( 721)(722)(741)(742)(743) في الصلاة: باب افتتاح الصلاة، والترمذي: (255) في الصلاة: باب ما جاء في رفع اليدين عند الركوع، والنسائي:2/121 و 122 في الافتتاح، باب العمل في افتتاح الصلاة، وباب رفع اليدين قبل التكبير، وباب رفع اليدين حذو المنكبين، وباب رفع اليدين للركوع حذاء المنكبين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

٣٥- أخرجه الشافعي في "مسنده" 275، وأحمد: 6/47 والحميدي في "مسنده"1/112 و الدارمي في "سننه": 2/137، و أبو داود: 2/566، والترمذي 3/407، وابن ماجه: 1/605، والحديث حسنه الترمذي وصححه أبو عوانة وابن حبان والحاكم (نظر: نصب الراية للزيلعي:3/184- التلخيص الحبير لابن حجر:3/156، إرواء الغليل للألباني: 6/243)

٣٦- أخرجه ابن ماجه: 1/606-(1882) والدار قطني: 3/159- (3495) والبيهقي:7/110 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه و تمامه:"...و لا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" و الحديث صححه الألباني في الإرواء:6/248(1841) وفي صحيح ابن ماجه:2/130(1539) دون جملة الزانية

٣٧- أنظر المصادر الأصولية والحديثية المثبة على هامش:249

٣٨- سنن أبي داود: 4/34 (3610)

٣٩- أنظر المصادر الأصولية و الحديثية المثبة على هامش"الاشارة":250

٤٠- أنظر المصادر الأصولية و الحديثية المثبة على هامش الإشارة:252

٤١- أخرجه مسلم(771) (202) في صلاة المسافرين: باب الدعاء في صلاة الليل و قيامه: و أخرجه الترمذي : (266) في الصلاة : باب ما يقول الرجل إذا رفع رأسه من الركوع ، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

٤٢- أخرجه الترمذي : (874) و ابن ماجه (3063) من حديث بلال رضي الله عنه، و الحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي: 1/450.

٤٣- اختصار العلوم لابن كثير:119

٤٤- الباعث الحثيث لأحمد شاكر: 122

٤٥- تدريب الراوي للسيوطي:2/33.

٤٦- المصدر السابق: 2/36

٤٧- تقريب النووي: 2/39

٤٨- إحكام الفصول للباجي:382

٤٩- مقدمة ابن الصلاح:72.

٥٠- المصدر السابق الصفحة نفسها- انطر الباعث الحثيث لأحمد شاكر: 121

٥١- الاحكام لابن حزم : 2/148-147: الباعث الحثيث لأحمد شاكر:121

٥٢- انظر الكفاية للخطيب البغدادي : 348. مقدمة ابن الصلاح :73. شرح تنقيح الفصول للقرافي:377. اختصار علوم الحديث لابن كثير:119 الإبهاج للسبكي و ابنه: 2/335 تدريب الراوي للسيوطي : 2/29 شرح الكوكب المنير للفتوحي:2/501

٥٣-مقدمة ابن الصلاح: 73.

٥٤- أنظر المصادر الأصولية و الحديثية المثبتة على هامش الإشارة:254

٥٥- المصدر السابق: الصفحة نفسها. ذكر العلامة أحمد محمد شاكر كلاما متجها في هذه المسألة من " الباعث الحثيث"(122) هذا نصه:" أقول : وفي نفسي من قبول الرواية بالإجازة شيء ، و قد كانت سببا لتقاصر الهمم عن سماع الكتب سماعا صحيحا بالإسناد المتصل بالقراءة إلى مؤلفيها، حتى صارت في الأعصر الأخيرة رسم يرسم، لا علما يتلقى و يؤخذ، و لو قلنا بصحة الإجازة إذا كانت بشيء معين من الكتب لشخص معين أو أشخاص معينين لكان هذا أقرب إلى القبول، و يمكن التوسع في الإجازة لشخص أو أشخاص معينين مع إبهام الشيء المجاز كأنه يقول له :"أجزت لك رواية مسموعاتي" أو " أجزت رواية ما صح و ما يصح عندك أني أرويه"، أما الإجازات العامة ، كأن يقول :"أجزت لأهل عصري" أو "أجزت لمن شاء" أو " لمن شاء فلان" أو للمعدوم و نحو ذلك ، فإني لا أشك في عدم جوازها".



من موقع الشيخ الرسمي
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-02-2009, 04:29 PM   #11
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"




بـاب

[أحكام الناسخ والمنسوخ]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص255: "النَّسْخُ: هُوَ إِزَالَةُ الحُكْمِ الثَّابِتِ بِالشَّرْعِ المُتَقَدِمِ بِشَرْعٍ مُتَأَخِرٍ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ لَوْلاَهُ لَكَانَ ثَابِتاً، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسِخَ وَالمَنْسُوخَ لاَ بُدَ أَنْ يَكُونَا حُكْمَيْنِ شَرْعِيَيْنِ"

[م] اختار المصنف قول القائلين بأنّ النسخ رفع وإزالة الحكم، أي قطع لدوام الحكم فجأة لا لبيان انتهاء مدته، وهو الصحيح، لأنّ انتهاء مدة الحكم لا يسمى نسخا، والخلاف لفظي لحصول الاتفاق على انعدام الحكم الأول بسبب انعدام متعلقه وهو الدليل لا لذات الحكم، واشترط المصنف في الحكم أن يكون ثابتا، لأنّ ما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه، وقيده بشرع متأخر للاحتراز من زوال الحكم بدون شرع كالموت أو الجنون، لأنّ الرفع عنهما لم يكن بشرع، واشترط المتأخر في الشرع ليكون هو الناسخ للحكم المنسوخ لإخراج المخصصات المتصلة كالشرط والغاية والاستثناء فهي رافعة للحكم الشرعي بخطاب شرعي لكن لا تسمى نسخا، لأنّ الخطاب غير متأخر عنها بل متصل بها.

هذا، والحكم الأول هو المنسوخ يشترط من حيث مدته أن تكون مطلقة غير معلومة فيرد فيه الناسخ من غير انتظار من المكلّفين، ويشترط فيه من حيث ثبوته أن يكون ثابتا بخطاب متقدم، أمّا الحكم الثابت بدليل العقل أو بالبراءة فلا يسمى نسخا، لأنّه لم يثبت بخطاب متقدم وإنّما ثبت بأصل براءة الذمة.

والحكم الثاني هو الناسخ ويشترط أن يكون خطابا شرعيا منفصلا عن المنسوخ ومتأخرا عنه فارتفاع الحكم بالموت أو الجنون أو بأي عارض من عوارض الأهلية فليس بنسخ، واقتران الحكم ببعضه البعض كالشرط والغاية والاستثناء -كما تقدم- فلا يسمى نسخا وإنّما هو تخصيص(١).



* وقول المصنف بعد ذلك: "..أَوِ السَّاقِطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَامْتِثَالِ مُوجِبِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُسَمَّى نَسْخاً"

[م] أي أنّ الساقط بعد ثبوته وانتهاء مدته لا يسمى نسخا، لأنّ النسخ هو إزالة الحكم على وجه لولا هذا الرفع لبقي الحكم ثابتا ومستمرا يعمل به، أمّا بعد انتهاء مدته فلا يعمل به كالإجارة من حيث انقضاء أجلها يكون ارتفاع حكمها بسبب انقضاء أجلها وانتهاء المدة المعلومة لكلا المتعاقدين بخلاف ما إذا حلت قوة قاهرة أو وجد سبب طارئ على العقد فإنّه يؤدي إلى فسخها قبل انتهاء مدتها كالهدم مثلا.



فـصــل

[في حكم نسخ ما يتوقف عليه صحة العبادة]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص256: "..إِذَا نَقَصَ بَعْضُ الجُمْلَةِ أَوْ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا فَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: "هُوَ نَسْخٌ" ".

[م] في تحرير محل النزاع فإنّه لا خلاف بين أهل العلم في أنّ النقصان من العبادة نسخ لما أسقط منها لاعتباره واجبا ثمّ أزيل وجوبه، كما لا نزاع بينهم في أنّ ما لا يتوقف عليه صحة العبادة لا يكون نسخا لها(٢)، ولكن الخلاف في نسخ ما يتوقف عليه صحة العبادة سواء كان جزءاً لها كالركن أو خارجا عنها كالشرط، وفي هذه المسألة أقوال وما عليه الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وكثير من الفقهاء أنّ نسخه لا يكون نسخا للعبادة وإنّما هو تخصيص للعموم وبه قال الفخر الرازي والآمدي وهو مذهب الكرخي وأبي الحسن البصري، وذهب بعض الحنفية إلى أنّ نسخه يكون نسخا للعبادة، وفصل آخرون بين الشرط المنفصل عن الماهية فلا يكون نسخه نسخا للعبادة وبين الجزء كالركوع فإنّ نسخه نسخ للعبادة وهو قول القاضي عبد الجبار وبه قال الغزالي وصححه القرطبي(٣)، والمصنف اختار تفصيل الباقلاني، والظاهر أنّ مذهب الجمهور هو الصحيح في عدم نسخ العبادة فيما تتوقف عليه صحتها، لأنّ الرفع والإزالة لم تتناول إلاّ الجزء أو الشرط ويبقى الباقي على حاله من عدم التغيير، وبقياس النسخ على التخصيص حيث إنّ التخصيص لا يخرج جميع أفراد العموم، ولوقوع نسخ الشرط والجزء من الشارع ولم تنسخ تلك العبادة بالكلية مثل استقبال بيت المقدس الذي هو شرط عند الجمهور في صحة الصلاة وقد نسخ هذا الشرط ولم تنسخ تلك الصلاة، وكذلك نسخ عشر رضعات بخمس، وقد نسخ هذا الجزء ولم ينسخ الرضاع بالكلية.



* وفي ص257 قال الباجي رحمه الله: "وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ فِي النَّصِ، قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: "هُوَ نَسْخُ" وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: "لَيْسَتْ بِنَسْخٍ" ".

[م] في تحرير محل النزاع فإنّه لا خلاف في أنّ الزيادة على النّص إن كانت من غير جنس المزيد عليه، وكانت مستقلة كفرض الزكاة على الصلاة فليست نسخا(٤)، لكن الخلاف في الزيادة على النّص يظهر من جهتين:

-الأولى: إن كانت الزيادة من جنس المزيد عليه ومستقلة عنه كزيادة صلاة من الصلوات الخمس، فهذا ليس بنسخ على قول الجمهور خلافا لأهل العراق، ومذهب الجمهور أقوى لأنّ تلك الزيادة لم ترفع حكما شرعيا فانتـفت حقيقة النسخ، وبقي المزيد عليه بعد الزيادة محكما.

-الثانية: إن كانت الزيادة من جنس المزيد عليه وغير مستقلة عنه كزيادة جزء مثل: زيادة التغريب على الجلد، أو زيادة شرط كاشتراط النية في الطهارة، واشتراط الطهارة للطواف، فهذا لا يكون نسخا مطلقا على رأي الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وبعض المعتزلة خلافا للأحناف، ومنهم من فصل في هذه المسألة، ورأى أنّ الزيادة إذا غيّرت حكم المزيد عليه فجعلته غير مجزئ بعد أن كان مجزئا وجب أن يكون نسخا، وإن كانت الزيادة لا تغيّر حكم المزيد ولا تخرجه من الإجزاء إلى ضده لم يكن نسخا، وهو مذهب أبي بكر الباقلاني وابن القصار وارتضاه الباجي. وقريب من هذا الرأي قول القائلين أنّ الزيادة إن أثبتت حكما نفاه النص أو نفت حكما أثبته النص فهي نسخ له، وإن كانت الزيادة لم تتعرض للنص بنفي أو إثبات بل زادت عليه شيئا سكت عنه النص فلا يجوز أن يكون نسخا، وهو الصحيح، لأنّ الزيادة رفعت البراءة الأصلية التي هي البراءة العقلية ورفعها ليس نسخا إجماعا، لأنّ النسخ هو "رفع الحكم الشرعي بالدليل المتأخر عنه" والبراءة حكم عقلي وليست حكما شرعيا(٥).

والخلاف بين العلماء في هذه المسألة معنوي له آثاره الفقهية المترتبة عليه، فمن تمسك بأنّ الزيادة على النّص نسخ، فإنّه لا يثبت عنده تلك الزيادة بخبر الواحد أو بالقياس، لأنّ المتواتر لا ينسخ بخبر الواحد ولا بالقياس لذلك لم يعملوا بحديث: "تغريب عام"(٦) لأنّه خبر واحد تضمن زيادة جملة على المتواتر في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾(٧)، وكذلك خبر: "لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب"(٨)، فإنّه زيادة تضمنها الخبر على المتواتر من قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾(٩) المفيد لمطلق القراءة وجعل الفاتحة ركنا نسخ للمتواتر بخبر الواحد، وذلك غير جائز عند الأحناف، وكذلك خبر: "لا تحرّم المصة والمصتان"(١٠) فإنّ الزيادة في الخبر على مطلق الرضاع في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾(١١) ونحوها من المسائل.



فـصــل

[في مورد النسخ]



* قال المصنف -رحمه الله- في ص259 بعدما أورد الخلاف في دخول النسخ في الأخبار: "وَالصَحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الخَبَرِ لاَ يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، لأَنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ نَسْخاً وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذِباً لَكِنْ إِنْ ثَبَتَ بِالخَبَرِ حُكْمٌ مِنَ اْلأَحْكَامِ جَازَ أَنْ يَدْخُلَهُ النَّسْخُ".

[م] لا خلاف بين العلماء في جواز نسخ الخبر الذي أريد به الإنشاء، أي الخبر الذي يكون بمعنى الأمر والنهي مثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾(١٢)، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾(١٣) وقوله تعالى :﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ﴾(١٤)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدّر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة"(١٥)، فإنّ مثل هذه الأخبار وغيرها أريد بها الإنشاء فهي قابلة للنسخ ونسخ ألفاظها.

أمّا مدلول الخبر إن كان ممّا لا يمكن تغييره بأن لا يقع إلاّ على وجه واحد باعتبار ما كان وما يكون كأخبار الآخرة والجنّة والنّار، وصفات الله تعالى، وما كان عليه أمر الأنبياء والأمم وما يكون كقيام الساعة وآياتها، فلا يجوز نسخه بحال قولا واحدا لا يختلفون فيه، لأنّ القول بنسخه يفضي إلى الكذب وذلك مستحيل في الوحي.

أمّا إذا كان مدلول الخبر ممّا يصح تغييره بأن يكون وقوعه على غير الوجه المخبر عنه ماضيا كان أو مستقبلا أو خبرا عن حكم شرعي أو وعدا أو وعيدا فهو محل خلاف بين العلماء، وما عليه جمهور الفقهاء والأصوليين عدم دخول النسخ في الأخبار مطلقا، وذهب أبو عبيد الله وأبو الحسين البصريان والفخر الرازي إلى جوازه مطلقا وهو اختيار تقي الدين ابن تيمية وبعض الحنابلة، ومالت طائفة من العلماء إلى تفصيل المسألة مع اختلافهم في نوع التفصيل واختار بعضهم تفصيلا وجهه: أنّ النسخ في الأخبار ممنوع مطلقا ولكن إن ثبت بالخبر حكم من الأحكام جاز نسخه وعليه بعض المالكية وهو ما صححه الباجي(١٦) على ما هو مبين أعلاه.

هذا، والنسخ إنّما يدخل الأحكام الشرعية العملية التكليفية، فلا يتناول النسخ الأحكام المتعلقة بالاعتقادات وأصول الدين لعدم قبولها التبديل والتغيير، كالإيمان الخاص (إيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره) ولا يدخل الأحكام التي ثبتت على التأبيد، كالجهاد مثلا فالنسخ ينافيه. ولا يدخل النسخ الأحكام العامّة التي ثبتت مصالحها ثبوتا ظاهرا فلا يسع رفعها، كالقواعد الكلية المتمثلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبطلان العمل المخالف للشرع، ونفي الضرر والضرار، كما لا يمكن رفع الأحكام المتعلقة بالأخلاق والفضائل، كبر الوالدين، والعدل، والوفاء بالعهد، لكون جنسها لا يقبل التغيير، وبالمقابل لها فلا يدخل النسخ الأحكام المتعلقة بالأخلاق الذميمة والرذائل كالظلم والكذب والخيانة والكفر وعقوق الوالدين، لعدم قبول جنسها للتغيير-أيضا- فالأولى مصلحتها ظاهرة، والأخرى مفسدتها بينة، وكذلك لا يدخل النسخ الأحكام المؤقتة كالصيام إلى الغروب، لأنّ التأقيت محدود أثره إلى انتهاء غاية، وكذلك الأحكام الواردة محكمة غير منسوخة بعد الزمن النبوي فلا يدخلها النسخ، لأنّ النسخ لا يثبت إلا بوحي(١٧).



فـصــل

[في نسخ العبادة بمثلها وما هو أخف منها وأثقل ]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص260: "يَجُوزُ نَسْخُ الْعِبَادَةِ بِمِثْلِهَا وَمَا هُوَ أَخَفُ مِنْهَا وَأَثْقَلُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ، وَمَنَعَ قَوْمٌ نَسْخَ الْعِبَادَةِ بِمَا هُوَ أَثْقَلُ مِنْهَا".

[م] اتفق العلماء على جواز نسخ العبادة بمثلها أو أخف منها، ونقل المصنف الإجماع في: "إحكام الفصول"(١٨) ومثال نسخ الحكم ببدل هو مثل المنسوخ في التخفيف والتثقيل والتشديد كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة، ومثال نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ: نسخ عدة المتوفى عنها زوجها من الحول إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، وكلا النسخين متفق عليهما وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾(١٩).

أمّا نسخ العبادة بما هو أثقل منها فهو محل خلاف بين أهل العلم، والجمهور على جوازه عقلا وشرعا، وقول المصنف: "ومنع قوم نسخ العبادة بما هو أثقل منها" فهذا المنع منسوب لأبي بكر محمد بن داود الظاهري وجماعة من الظاهرية والمعتزلة، وأضيف هذا القول -أيضا- للإمام الشافعي، قال السبكي عنه في الإبهاج: "وليس بصحيح عنه"(٢٠)، ونسبه الشيرازي والآمدي وغيرهما إلى بعض الشافعية(٢١).



* قال المصنف -رحمه الله- في ص 261 في معرض الاستدلال على مذهب الجمهور بدليل من المعقول: "وَإِذَا جَازَ أَنْ يَبْتَدِئَ التَّعَبُدَ بِمَا هُوَ أَثْقَلُ عَلَيْهِمْ مِنْ حُكْمِ الأَصْلِ، جَازَ -أَيْضًا- أَنْ يَنْسَخَ عَنْهُمْ الْعِبَادَةَ بِمَا هُوَ أَثْقَلُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا".

[م] هذا دليل الجمهور من المعقول، واستدلوا به أيضا بأنّ مصلحة التدرج والترقي من الأحكام الخفيفة إلى الثقيلة لا تمتـنع عقلا، إذ في البداية تتمرن النفوس عليها كحديثي عهد بالكفر حتى تتهيأ لقبول غيرها ممّا هو مثلها أو أثقل منها.

أمّا الدليل الثاني فيظهر في وقوع مثل هذا النسخ، والوقوع دليل الجواز مثاله: أنّ الصيام كان على التخيير بين الفداء بالمال والصيام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾(٢٢) ثمّ نسخ التخيير بتعيين الصيام في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾(٢٣) ويمكن التمثيل بمثال آخر وجهه: أنّ في بداية أمر الدعوة إلى الله أمروا بالإعراض عن المشركين، وذلك بترك القتال، ثمّ نسخ الحكم بإيجاب الجهاد في سبيل الله، ومعلوم أنّ الجهاد أثقل من الإعراض(٢٤).



فـصــل

[في ورود التلاوة مضمنة لحكم واجب]



* قال المصنف -رحمه الله- في ص262 عند بيان ما يترتب من حكم على ورود التلاوة مضمنة لحكم واجب: "...فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ جَازَ نَسْخُ الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ التِّلاَوَةِ، وَجَازَ نَسْخُ التِّلاَوَةِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ".

[م] وبهذا التقرير قال جمهور أهل العلم، وفضلا عمّا ذكره المصنف فإنّه يجوز -أيضا- نسخ الحكم والتلاوة معا مثل ما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثمّ نسخن بخمس معلومات، فتوفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهنّ فيما يقرأ من القرآن"(٢٥) فكانت "العشر" منسوخة الحكم والتلاوة معا بخمس رضعات فلم يبق للفظ "العشر" حكم القرآن لا في الاستدلال ولا في التلاوة ولا في العمل، ويستدل بـ "خمس رضعات" فيما نسخت تلاوته وبقي حكمه(٢٦).



* قال المصنف -رحمه الله- في ص263: "فَأَمَّا نَسْخُ الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ الْتِّلاَوَةِ، فَهُوَ مِثْلُ: نَسْخِ الْتَّخْـيِِّيرِ بَيْنَ الْصَّوْمِ أَوْ الْفِدْيَةِ لِمَنْ طَاقَ الْصَّوْمَ، وَنَسْخِ الْوَصِيّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ، وَنَسْخِ تَقْدِيمِ الْصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الْرَّسُولِ عَلَيْهِ الْسَّلاَمِ وَإِنْ بَقِيَتِ الْتِّلاَوَةُ لِذَلِكَ كُلِّهِ".

[م] الأمثلة التي ساقها المصنف في نسخ الحكم وبقاء التلاوة هي من قبيل نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ إلى بدل، فآية التخيير بين الصوم والفدية للمطيق القادر في صدر الإسلام هي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾(٢٧) فنسخ هذا الواجب المخير إلى واجب مضيق بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾(٢٨) فبقيت التلاوة ونسخ الحكم بالكتاب وإلى بدل ونسخ الأخف بالأثقل لأنّ التخيير أخف من التضييق.

والجدير بالتنبيه إلى أنّ العلماء اختلفوا في تعرض آية التخيير للنسخ أو بقائها محكمة(٢٩)، والصحيح أنّها منسوخة في حق المقيم الصحيح وغير منسوخة فيمن لا يطيق صيامه أو المريض الذي لا يرجى برؤه لحديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: "لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها"(٣٠) وعن عطاء أنّه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: "ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا"(٣١).

أمّا قوله: "نسخ الوصية للوالدين والأقربين" فالمراد بذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾(٣٢) فهي منسوخة بآية الميراث مع بقاء تلاوتها. غير أنّ هذه الآية محل خلاف بين العلماء في كونها منسوخة أو محكمة(٣٣)، والقائلون بأنّها منسوخة اختلفوا في الناسخ لها، وما عليه الجمهور أنّها منسوخة بآية المواريث مع ضميمة أخرى وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا وصية لوارث"(٣٤)، والظاهر أنّ المراد به نسخ وجوب الوصية مع بقاء الاستحباب لما علم في الفروع الفقهية من اتفاق الجمهور على استحباب الوصية للأقرباء غير الوارثين(٣٥).

لكن القول بإحكام آية الوصية أقرب إلى الصواب لانتـفاء التعارض مع آية الميراث وضميمته، لأنّ الأصل عدم النسخ ولا يصار إلى النسخ إلاّ عند تعذر الجمع وقد أمكن الجمع بحملها على الخصوص ويكون المراد بها من الأقربين من عدا الورثة منهم، ومن الوالدين من لا يرث كالأبوين الكافرين ومن هو في الرق(٣٦). قال ابن المنذر: "أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ الوصية للوالدين الذين لا يرثان المرء والأقرباء الذين لا يرثونه جائزة"(٣٧).

أمّا قوله: "ونسخ تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول عليه السلام " فإنّها كانت واجبة بقوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾(٣٨) ثمّ نسخ ذلك الوجوب إلى الإباحة بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾(٣٩)،(٤٠).

هذا، ويمكن إضافة مثال آخر لنسخ الحكم مع بقاء التلاوة: نسخ آية الاعتداد بالحول في قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾(٤١) بالاعتداد بأربعة أشهر وعشرٍ الثابت في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾(٤٢)، وهو من نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ الأثقل بالأخف ونسخ إلى بدل.



* ويقول المصنف في ص264: "وَأَمَّا بَقَاءُ الْحُكْمِ وَنَسْخُ الْتِّلاَوَةِ فَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ مِنْ نَسْخِ تِلاَوَةِ آيَةِ الْرَّجْمِ وَنَسْخِ خَمْسِ رَضَعَاتٍ".

[م] آية الرجم ثبتت من حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: "لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: ما أجد الرّجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة من فرائض الله، ألا وإنّ الرّجم حق إذا أحصن الرجل وقامت البينة، أو كان حمل أو اعتراف وقد قرأتها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" رجم رسول الله ورجمنا بعده"(٤٣) فيستدل بهذه الآية على نسخ التلاوة والرسم مع بقاء الحكم وهو رجم الزاني المحصن وكذلك آية خمس رضعات ثبتت من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن «عشر رضعات معلومات يحرمن» فنسخن بـ «خمس رضعات» فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهنّ فيما يقرأ من القرآن"(٤٤) فيستدل "بخمس رضعات" فيما نسخت تلاوته وبقي حكمه(٤٥).


__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-02-2009, 04:45 PM   #12
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"

فـصــل

[في صحة نسخ العبادة قبل وقت الفعل]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص265: بعدما قرر مذهب الجمهور في صحة نسخ العبادة قبل وقت الفعل: "وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْصَّيْرَفِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: "لاَ يَصِحُّ نَسْخُ الْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ، وَالْدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أُمِرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الْسَّلاَمُ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ، ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ فِعْلِهِ..." "

[م] لا خلاف عند القائلين بالنسخ في جواز النسخ قبل الفعل بعد دخول وقته، لأنّ شرط الأمر حاصل وهو التمكن من الفعل، لكن الخلاف قبل دخول وقت الفعل، والتمكن من فعل ذلك الأمر، فمذهب الأكثرين إلى جواز نسخ العبادة قبل دخول وقت الفعل، وبهذا قال البزدوي والسرخسي من الحنفية، وخالف في ذلك أكثر الحنفية والمعتزلة والصيرفي من الشافعية وابن برهان وأبو الحسن التميمي من الحنابلة، ومثاله أن يأمر الشارع بالحج أو الصيام فيقول: حجوا هذه السنة، أو صوموا، ثمّ يقول قبل ابتداء الحج أو الصوم: لا تحجوا، أو لا تصوموا، وسبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الأمر هل يستلزم الإرادة أوَلا ؟ وهل حكمة التكليف هي امتثال إيقاع ما كلف به أم أنّ حكمة التكليف ابتلاء وامتحان المكلف ثانيا؟ فمن رأى أنّ الأمر يستلزم الإرادة، فإذا أمر بشيء علمنا أنّه مرادٌ، ورأى أنّ حكمة التكليف هي الامتثال والإيقاع فقط قال لا يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من الفعل لتخلف حكمة التكليف وهي الامتثال، ونتج حكم مغاير على من بنى أصله على خلاف الأول.

والصحيح مذهب القائلين أنّ الإرادة نوعان(٤٦):

-إرادة كونية قدرية: وهي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات وهي لا تستلزم محبة الله ورضاه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾(٤٧).

-وإرادة شرعية دينية فهذه متضمنة لمحبة الله ورضاه، ولكنّها قد تقع وقد لا تقع مثل قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾(٤٨).

وعليه فإنّ أوامر الله سبحانه تستلزم الإرادة الشرعية لكنّها لا تستلزم الكونية، فقد يأمر الله تعالى بأمر يريده شرعا وهو يعلم سبحانه أنّه لا يريد وقوعه كونا وقدرا، فكانت الحكمة من ذلك ابتلاء الخلق وتمييز المطيع من غير المطيع، لذلك جاز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله. وتكون حكمة المنسوخ بعد التمكن من الفعل هي: الامتثال وقد وقع، وتكون حكمة المنسوخ قبل التمكن من فعله: الابتلاء والامتحان، وقد وقع قبل النسخ(٤٩).




* قال الباجي-رحمه الله- في ص266 مستدلا لمذهب القائلين بصحة نسخ العبادة قبل وقت الفعل: " وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أُمِرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ ذَبْحِ ابْنِه(٥٠) ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ فِعْلِهِ"

[م] استدل المصنف بهذه الآية على وقوع نسخ العبادة قبل وقت الفعل، والوقوع دليل الصحة والجواز، وقد ورد الأمر بالذبح حقيقة في قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾(٥١) ثمّ قال الله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾(٥٢) والأمر صدر من الله سبحانه إلى إبراهيم عليه السلام، إذ القتل محرم إلا ما أذن فيه سبحانه وتعالى، فلو لم يكن الذبح مأمورا به حقيقة لما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِينُ﴾(٥٣)، فهو بلاء وصف بأنّه عظيم لما علم أنّ نتيجة مقدماته غير مأمونة من الخطر، فنسخ الله سبحانه هذا الحكم قبل التمكن من الذبح بقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾(٥٤)، فإنّ الفداء هو البدل، والذبح هو المبدل عنه، فكان الذبح مأمورا به حقيقة، ثمّ إنّ هذه الواقعة - من حيث الاستدلال السابق- يؤيدها عموم قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾(٥٥) لأنّ ظاهر الآية جواز النسخ في عموم الأحوال سواء بعد التمكن من الفعل أو قبله.

هذا، ومن الأدلة الحديثية على الوقوع: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزوة خيبر، فأمسى الناس قد أوقدوا النيران، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "علام توقدون؟!! قالوا: على لحوم الحمر الإنسية، فقال: "أهريقوا ما فيها واكسروها" فقال رجل من القوم: أو نُهْرِيقُ ما فيها ونغسلها؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أو ذاك"(٥٦) ووجه دلالة الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسخ حكم كسر قدور لحم الحمر الإنسية إلى غسلها قبل التمكن من الفعل، والوقوع دليل الجواز، ومن ذلك أيضا ما رواه أبو داود عن حمزة الأسلمي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمّره على سرية، قال: فخرجت فيها، وقال: "إن وجدتم فلانا فأحرقوه بالنار"، فولّيت، فناداني، فرجعت إليه، فقال: "إن وجدتم فلانا فاقتلوه، ولا تحرّقوه، فإنّه لا يعذب بالنار إلاّ رب النّار"(٥٧)، فدلّ الحديث على صحة نسخ حكم الإحراق بالنّار إلى حكم القتل قبل التمكن من الفعل. فهذه شواهد معتبرة على صحة مذهب جمهور أهل العلم.



فـصــل

[في نسخ القرآن بالخبر المتواتر]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص267: "لاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ فِي جَوَازِ نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، وَالخَبَرِ المُتَوَاتِرِ بِمِثْلِهِ، وَخَبَرِ الوَاحِدِ بِمِثْلِهِ".

[م] هذه المذكورات في نص المؤلف حصل فيها اتفاق أهل العلم(٥٨)، لجوانب منها:

أولا: بخصوص نسخ القرآن بالقرآن فمستند الإجماع قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾(٥٩)، ولأنّه وقع فعلا والوقوع دليل الجواز، كنسخ الفداء بالمال عن الصيام، ونسخ عدة المتوفى عنها زوجها من سنة كاملة إلى أربعة أشهر وعشرٍ، ولأنّ رتبة كلّ منهما متحدة لأنّ كل واحد منهما قطعي الثبوت.

ثانيا: بخصوص نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة، فقد حصل فيها الإجماع لعدم الامتناع عقلا لنسخ المتواتر بمثله إلحاقا قياسيا بالقرآن، ولاتحادهما في الرتبة، لأنّ كلّ واحد منهما قطعي الثبوت، غير أنّه لم يعلم وقوعه، قال الفتوحي: "وأمّا مثال نسخ متواتر السنة بمتواترها، فلا يكاد يوجد، لأنّ كلّها آحاد، إمّا في أولها، وإمّا في آخرها، وإمّا في أول إسنادها إلى آخره، مع أنّ حكم نسخ بعضها ببعض جائز عقلا وشرعا"(٦٠).

ثالثا: وحصول الاتفاق على نسخ خبر الواحد بمثله لوقوعه -أولا- والوقوع دليل الجواز مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنّها تذكركم بالآخرة"(٦١). ولاتحادهما في المرتبة ثانياً لأنّ كلّ واحد منهما ظني الثبوت.



* قال المصنف -رحمه الله- في الصفحة السابقة نفسها: "وَذَهَبَ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ القُرْآنِ بِالخَبَرِ المُتَوَاتِرِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ"

[م] القول بجواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر هو مذهب الجمهور من أصحاب المذاهب الأربعة وهو مذهب المتكلمين والمعتزلة وبه قال الظاهرية على التحقيق، أمّا مذهب أحمد في المشهور عنه أنّه يجوز عقلا لا شرعا وبه قال أبو يعلى، والمنقول عن الشافعي المنع مطلقا ونصره بعض أتباعه وابن مهدي الطبري(٦٢).

غير أنّ المنصوص عن مذهب الشافعي في "الرسالة" عدم جواز نسخ القرآن بالسنة مطلقا من غير تفريق بين المتواتر والآحاد، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، غير أنّ النص الوارد في "الرسالة" غير صريح في المنع من جهة العقل، لذلك اختلفت الشافعية في نسبة المنع العقلي إلى مذهب الشافعي، وقد حقق السبكي وابنه مذهبه في هذه المسألة، يظهر حاصلها: أنّ الشافعي يرى أنّه إذا نسخ القرآن بالسنة فيلزم أن يصاحب السنة قرآن يعضدها، وإذا نسخت السنة بالقرآن فيلزم أن يصاحب القرآن سنة تعضده ليبين توافق الكتاب والسنة(٦٣).

هذا، وما رجحه المصنف من جواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر أقوى سواء من جهة العقل أو الشرع وقد استدل له عقلا أنّ كليهما مقطوع بصحته، أي لا فرق بين القرآن والسنة المتواترة من جهة المصدر، لأنّهما وحيان صادران من الله تعالى، ولا من جهة السند لأنّ كليهما متواتر قطعي الثبوت، وما دام أنّ لكل واحد منهما نفس خاصية الآخر جاز نسخ القرآن بالخبر المتواتر كما يجوز نسخ القرآن بالقرآن إلحاقا قياسيا.



* قال المصنف بعدها: "وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ [البقرة:180] مَنْسُوخٌ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" ".

[م] استدل المصنف شرعا على وقوع نسخ القرآن بالسنة المتواترة: وهي أنّ آية الوصية منسوخة بحديث منع الوصية للوارث، والوقوع دليل الجواز، وقد اعترض على ذلك بأنّ آية الوصية إنّما كان نسخها بآية الميراث في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾(٦٤)، فيكون نسخ القرآن بالقرآن لا بالسنة المتواترة، وإنّما أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما بينته آية الميراث من سهام الوالدين والأقربين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حق حقه فلا وصية لوارث"(٦٥)، وأجيب على هذا الاعتراض بأنّ آية الوصية منسوخة بآية الميراث مع ضميمة أخرى وهي الحديث المتواتر: "لا وصية لوارث" إذ لا يخفى أنّ الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب والأقربين غير الوارثين.

كما اعترض أنّ آية الوصية لم يقع نسخها بالحديث المتواتر لأنّ حديث: "لا وصية لوارث" خبر الواحد وهو لا يقوى على نسخ ما ثبت بالقرآن، وأجيب بأنّ التواتر من حيث قوته نوعان: متواتر من حيث السند، ومتواتر من حيث ظهور العمل به من غير نكير.

فأمّا الأول فالحديث رواه جمع من الصحابة وله طرق متعددة، وإن كان في موضع سنده قوي، وفي آخر ورد من طرق لا يخلو إسناد منها من مقال، لكنّه بمجموعها يتعضد الحديث ليثبت تواتره عند الانضمام كما هو مقرر في أصول الحديث وبيّنه أهل الحديث(٦٦).

وإن سلم جدلا أنّ الحديث لم يرتق إلى مرتبة التواتر، فإنّ ظهور العمل به من غير نكير من رجال العلم وأئمة الفتوى بلا منازع يغني الناس عن روايته، وهذا النوع الثاني، فكيف إذا اجتمع النوعان معا؟.



فصـل

[في نسخ السنة بالقرآن]



* قال المصنف في معرض الاستدلال على صحة مذهب الجمهور في جواز نسخ السنة بالقرآن في ص270: "وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنَ القُرْآنِ بِصَلاَةِ الخَوْفِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ بِالسُنَةِ تَأْخِيرُهَا يَوْمَ الخَنْدَقِ إِلَى أَنْ يَأْمَنَ، وَنَسْخُهُ التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَدَّ مَنْ جَاءَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ".

[م] ما عليه جمهور الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية جواز نسخ السنة بالقرآن وهو أحد قولي الشافعي في أضعف الروايتين عنه، ومنع من ذلك في أصحهما وهي الرواية المشهورة عنه على ما قرره في "الرسالة"(٦٧)، ونسب الجويني له التردد(٦٨)، وقد تقدم تحقيق السبكي وابنه في هذه المسألة ومذهب الجمهور في جواز نسخ السنة بالقرآن مطلقا سواء كانت سنة متواترة أو آحادا هو الأصح لعدم امتناعه عقلا ولوقوعه شرعا(٦٩)، إذ لا يمتنع عقلا أن تنسخ السنة باعتبارها وحيا بالقرآن الذي هو وحي، قال تعالى في شأنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾(٧٠)، فيجوز عقلا نسخ حكم أحد الوحيين بالآخر.

أمّا وقوعه شرعا فقد استدل له المصنف بوقائع كثيرة، والوقوع دليل الجواز فمن ذلك:


قوله -رحمه الله-: "ما ورد من القرآن لصلاة الخوف..." فاستدل المصنف على أنّ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسنة حيث إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخر الصلاة يوم الخندق: الظهر والعصر والمغرب، حتى بعد المغرب يهوي من الليل فصلاها كما يصليها لوقتها(٧١)، ثمّ نسخ تأخيرها بالقرآن في قوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾(٧٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾(٧٣).

ومثّل المصنف -أيضا- بالتوجه إلى بيت المقدس الثابت في السنة، حيث إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمّا قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثمّ نسخ بالقرآن في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(٧٤).

أمّا المثال الثالث الذي ساقه المصنف -رحمه الله- فهو ما عليه أكثر العلماء على أنّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾(٧٥) ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشا، من أنّه يرد إليهم من جاءه منهم مسلما(٧٦)، ويذهب آخرون إلى أنّ الآية مخصصة للعام تأخرت عنه إلى وقت الحاجة، وهو وقت مجيء المهاجرات المؤمنات إلى المسلمين بالمدينة، لأنّ لفظ صلح الحديبية عام في الرجال والنساء، فالآية أخرجت النساء من المعاهدة، وأبقت الرجال من باب تخصيص العموم وتخصيص السنة بالقرآن(٧٧).

ومن وقائع ذلك أيضا تحريم مباشرة النساء في رمضان ليلا، وهو ثابت بالسنة(٧٨) فنسخ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾(٧٩)، ومن ذلك صوم عاشوراء(٨٠) الثابت بالسنة(٨١) نسخ وجوبه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾(٨٢)، ومن ذلك الصلاة على المنافقين كان حكم جوازها ثابتا بالسنة فقد صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول المنافق(٨٣) ثمّ نسخ ذلك بقوله تعالى:﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾(٨٤).


... يتبع ...
--------------------------------------------------------------------------------

١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 255.
٢- انظر: المحصول للرازي: 1/3/556، الإحكام للآمدي: 2/290، إرشاد الفحول للشوكاني: 296.
٣- انظر تفصيل هذه المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 256.
٤- انظر: المنخول للغزالي: 229، المحصول للرازي: 1/3/541، روضة الناظر لابن قدامة: 1/209، الإحكام للآمدي: 2/285، إرشاد الفحول للشوكاني: 194، نزهة الخاطر لابن بدران: 1/209.
٥- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 259.
٦- أخرجه البخاري:12/140 في الحدود باب: البكران يجلدان وينفيان من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر فيمن زنى، ولم يُحصن بجلد مائة وتغريب عام"
٧- آية 2 من سورة النور.
٨- أخرجه البخاري:2/237. ومسلم: 4/100. وأبو داود: 1/514. والترمذي: 2/25. والنسائي: 2/137. وابن ماجه: 1/273. من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
٩- آية 20 من سورة المزمل.
١٠- أخرجه مسلم برقم (1450) في الرضاع: باب في المصة والمصتان من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.
١١- آية 23 من سورة النساء.
١٢- آية 233 من سورة البقرة .
١٣- آية 228 من سورة البقرة.
١٤- آية 79 من سورة الواقعة.
١٥- أخرجه البخاري:5/143، وأبو داود:3/795، والترمذي:6/10، وابن ماجه:2/816، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
١٦- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة ص:260.
١٧- الفتح المأمول للمؤلف: 142.
١٨- إحكام الفصول للباجي: 400، وممن نقل الإجماع أيضا الآمدي في "الإحكام": 2/261، وابن الحاجب في "منتهى السول": 158، وابن عبد الشكور في مسلم الثبوت: 2/71، والشوكاني في إرشاد الفحول:188.
١٩- آية 106 من سورة البقرة.
٢٠- الإبهاج للسبكي وابنه: 2/239.
٢١- انظر: المعتمد لأبي الحسين:1/416، الإحكام لابن حزم: 4/93، العدة لأبي يعلى: 3/785، التبصرة للشيرازي: 258، شرح اللمع للشيرازي: 1/494، التمهيد للكلواذاني: 2/352، الإحكام للآمدي:2/261.
٢٢- آية 184 من سورة البقرة.
٢٣- آية 185 من سورة البقرة: 185.
٢٤- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش "الإشارة": 262.
٢٥- أخرجه مالك في "الموطإ": 2/118، والشافعي في "مسنده": 1/307، ومسلم: 10/29، وأبو داود: 2/551، والترمذي: 3/456، والنسائي:6/100، وابن ماجه: 1/625، والبيهقي: 7/454، والدارمي: 2/157، والبغوي في "شرح السنة": 9/80. وابن الجارود في "المنتقى": 262، من حديث عائشة رضي الله عنها.
٢٦- انظر: العدة لأبي يعلى: 3/782، شرح اللمع للشيرازي: 1/496-497، التمهيد للكلواذاني: 2/367، شرح الكوكب المنير للفتوحي: 3/557، إرشاد الفحول للشوكاني :179.
٢٧- آية 184 من سورة البقرة .
٢٨- آية 185 من سورة البقرة.
٢٩- انظر: جامع البيان لابن جرير: 2/131، وما بعدها. تفسير ابن كثير: 1/213-215. تفسير القرطبي: 2/287-279. فتح الباري: 8/180. فتح القدير للشوكاني: 1/180-181. إرواء الغليل للألباني: 4/17-25.
٣٠- أخرجه البخاري: 4507، ومسلم: 1145 من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.
٣١- أخرجه البخاري في التفسير 8/179 (4505) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٣٢- آية 180 من سورة البقرة .
٣٣- انظر: جامع البيان لابن جرير: 2/116-121. تفسير ابن كثير: 1/211-212. تفسير القرطبي: 2/262-263. فتح القدير للشوكاني: 1/178-179.
٣٤- أخرجه أحمد: 5/267، وأبو داود: 3/824، وابن ماجه: 2/905، والترمذي: 4/433، والبيهقي في "السنن الكبرى": 6/264، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. والحديث رواه جمع من الصحابة، وله طرق متعددة، وإن كان سنده قويا في موضع، وفي آخر ورد من طرق لا يخلو إسناده من مقال، لكنّه بمجموعها يعتضد الحديث ليثبت تواتره بالانضمام كما تقرر في أصول الحديث (انظر: نصب الراية للزيلعي: 4/403، والدراية لابن حجر: 2/290، التلخيص الحبير لابن حجر: 3/92، فيض القدير للمناوي: 2/245، إرواء الغليل للألباني: 6/87).
٣٥- انظر: الاستذكار لابن عبد البر: 7/265، المبسوط للسرخسي: 27/142، رؤوس المسائل الخلافية للعكبري: 3/1107.
٣٦- انظر: فتح القدير للشوكاني: 1/178.
٣٧- الإجماع لابن المنذر: 74.
٣٨- آية 12 من سورة المجادلة.
٣٩- آية 13 من سورة المجادلة.
٤٠- انظر: جامع البيان لابن جرير: 14/28/19-22، أحكام القرآن لابن العربي: 4/1761، تفسير القرطبي: 17/302، فتح القدير للشوكاني: 9/191.
٤١- آية 240 من سورة البقرة.
٤٢- آية 234 من سورة البقرة.
٤٣- أخرجه مالك في "الموطإ": 3/41، والبخاري: 12/144، ومسلم: 11/191، وأبو داود: 4/572، والترمذي: 4/38، وابن ماجه: 2/853، والدارمي:2/179، والبيهقي: 8/210، والبغوي في "شرح السنة": 10/280.
٤٤- تقدم تخريجه انظر ص: 7.
٤٥- انظر: العدة لأبي يعلى: 3/782، شرح اللمع للشيرازي: 1/496، التمهيد للكلواذاني: 2/367، شرح الكوكب المنير للفتوحي: 3/557، إرشاد الفحول للشوكاني: 189.
٤٦- انظر تقرير مذهب أهل السنة للإرادة في: مجموع الفتاوى لابن تيمية:8/131. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز:116.
٤٧- آية 14 من سورة الحج.
٤٨- آية 27 من سورة النساء.
٤٩- انظر تفصيل المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش "الإشارة":266.
٥٠- اختلف السلف في المفدى من الذبح من ابني إبراهيم عليه السلام أهو إسماعيل أم إسحاق، والذي ذهب إليه أهل التحقيق كابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم أنّ الذبيح هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وقد بيّن ابن القيم بطلان القول بأنه إسحاق عليه الصلاة والسلام من عشرين وجها (انظر: تفسير الطبري: 12/23/81-86، زاد المسير لابن الجوزي: 7/72-73، تفسير الفخر الرازي: 13/153-155، زاد المعاد لابن القيم: 1/71، تفسير ابن كثير: 4/17-19، تفسير القرطبي: 15/99-101).
٥١- آية 102 من سورة الصافات.
٥٢- آية 102 من سورة الصافات.
٥٣- آية 106 من سورة الصافات.
٥٤- آية 107 من سورة الصافات.
٥٥- آية 106 من سورة البقرة.
٥٦- أخرجه البخاري في المغازي(4196) والذبائح(5497)، ومسلم في الجهاد والسير(4769)، وابن ماجه في الذبائح(3195)، والبيهقي في الغصب(11886)، من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.
٥٧- أخرجه أبو داود في باب كراهية حرق العدو بالنار(2673)، وأحمد في:"مسنده": 3/494، من حديث حمزة الأسلمي رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود:2/145، وفي السلسلة الصحيحة:4/90.
٥٨- نقل الإجماع في هذه المسألة ابن حزم في الإحكام:4/107، والسرخسي في أصوله:2/67، والآمدي في الإحكام:2/267، وابن نجيم في فتح الغفار:2/133، والأنصاري في فواتح الرحموت:2/76، والشوكاني في إرشاد الفحول:190، والكراماستي في الوجيز:6.
٥٩- آية 106 من سورة البقرة.
٦٠- شرح الكوكب المنير للفتوحي: 3/560.
٦١- أخرجه أحمد:5/350، 355، 356، ومسلم: 7/46، 13/134-135. والنسائي: 4/79. والبيهقي في "السنن الكبرى" 4/76. من حديث بريدة عن أبيه رضي الله عنه.
٦٢- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش كتاب "الإشارة": 267-268.
٦٣- الرسالة للشافعي:108. العدة لأبي يعلى:3/388. التبصرة للشيرازي:264. شرح اللمع للشيرازي1/501. البرهان للجويني:2/1307. المستصفى للغزالي:1/124. المنخول للغزالي:2/292. الإحكام للآمدي:2/272. الإبهاج للسبكي وابنه:2/247. جمع الجوامع لابن السبكي:2/78.
٦٤- آية 11 من سورة النساء.
٦٥- تقدم تخريجه انظر ص: 8.
٦٦- انظر: نصب الراية للزيلعي:4/403-405، التلخيص الحبير لابن حجر:3/92، فيض القدير للمناوي:2/245، إرواء الغليل للألباني: 6/87-96.
٦٧- الرسالة للشافعي: 110.
٦٨- البرهان للجويني:2/1307.
٦٩- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش"الإشارة":270.
٧٠- آية 3-4 من سورة النجم.
٧١- أخرجه النسائي:2/17، والدارمي في "سننه":1/296، وأحمد في "مسنده":3/25، وابن خزيمة في"صحيحه":2/99، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في الإرواء: 1/257، وفي صحيح النسائي: 1/217 رقم (660).
٧٢- آية 239 من سورة البقرة.
٧٣- آية 102 من سورة النساء.
٧٤- آية 144 من سورة البقرة.
٧٥- آية 10 من سورة الممتحنة.
٧٦- تفسير القرطبي:18/63،
٧٧- نسب الشيخ عطية محمد سالم -رحمه الله- في التتمة الأولى لأضواء البيان إلى كثير من المفسرين بأنّ الآية مخصصة لما جاء في معاهدة صلح الحديبية. انظر أضواء البيان للشنقيطي: 8/160.
٧٨- تفسير القرطبي:2/314.
٧٩- آية 187 من سورة البقرة.
٨٠- عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم، واتفق العلماء على استحباب صيامه، ويسن الجمع بين التاسع والعاشر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" [أخرجه مسلم: 8/13] غير أنّ العلماء يختلفون في وجوبه قبل أن يكتب رمضان وقد حقق الحافظ ابن حجر هذه المسألة ونظم متفرقها بقوله:"ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنّه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه ثمّ تأكد الأمر بذلك، ثمّ زيادة التأكيد بالنداء العام، ثمّ زيادة بأمر كل من أكل بالإمساك، ثمّ زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم:"لمّا فرض رمضان ترك عاشوراء" مع العلم بأنّه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدلّ أنّ المتروك وجوبه" [فتح الباري لابن حجر:4/247].
٨١- انظر هذه المسألة في المنتقى للباجي:2/58، المقدمات الممهدات لابن رشد:1/242، المغني لابن قدامة:3/173، الاعتبار للحازمي:340، المجموع للنووي:6/382، فتح الباري لابن حجر:4/245.
٨٢- آية 183 من سورة البقرة.
٨٣- تفسير القرطبي: 8/218.
٨٤- آية 84 من سورة التوبة.

من موفع الشيخ الرسمي
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-02-2009, 10:52 PM   #13
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"



فصـل

[في نسخ القرآن والخبر المتواتر بخبر الآحاد]



* قال المصنف-رحمه الله- في ص270: "يَجُوزُ نَسْخُ القُرْآنِ وَالخَبَرِ المُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الآحَادِ، وَقَدْ مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ".

[م] الخلاف بين أهل العلم في نسخ القرآن أو المتواتر من السنة بخبر الآحاد قائم من جهة الجواز العقلي والوقوع الشرعي.

أمّا الجواز العقلي فقد قال به جمهور العلماء خلافا لقوم منعوا جوازه عقلا على ما حكاه الباقلاني والغزالي وابن برهان، لكن العديد من الأصوليين لم يعتد بهذا الخلاف، لذلك نقلوا الإجماع على جوازه عقلا منهم الآمدي وابن برهان والإسنوي(١)، ذلك لأنّ الكتاب والسنة كليهما وحي من الله تعالى، والله سبحانه هو الناسخ حقيقة، لكنّه سبحانه أظهر النسخ على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

أمّا الوقوع الشرعي فإنّ مذهب الجمهور على عدم وقوعه مطلقا خلافا لمذهب أهل الظاهر القائلين بوقوعه منهم: ابن حزم، وفصل آخرون بين زمنه صلى الله عليه وآله وسلم وما بعده، فأجازوا وقوعه في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم دون ما بعده، وبه قال الباقلاني والغزالي والقرطبي وهو اختيار أبي الوليد الباجي وصححه في إحكام الفصول(٢).



* قال المصنف -رحمه الله- في معرض الاستدلال على جواز نسخ المتواتر بالآحاد في ص271: "وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنْ تَحَوُّلِ أَهْلِ قُبَاءَ إِلَى الكَعْبَةِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ".

[م] استدل المصنف بأنّ التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة المتواترة لأهل قباء وغيرهم، فنسخ ذلك بخبر الواحد حيث انحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة قبولا لخبره، فدلّ ذلك على أنّ المتواتر ينسخ بخبر الواحد.

وقد أجاب الجمهور المانعون من وقوعه بأنّ محل النزاع في وقوع نسخ المتواتر بخبر الواحد إنّما هو خبر الواحد المجرد عن القرائن المفيدة للعلم، أمّا في هذه الواقعة فاحتمال انضمام إلى خبر الواحد ما يفيد العلم كقربهم من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو سماعهم لضجة الناس وما إلى ذلك من القرائن.

أمّا ما يستدلون به على الوقوع بقوله تعالى:﴿ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾(٣) بأنّه منسوخ بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تنكح المرأة على عمّتها أو على خالتها"(٤) فإنّما هو راجع للتخصيص وليس بنسخ، ومثله -أيضا- ما يمثل له بنسخ إباحة الحمر الأهلية المنصوص عليها بالحصر في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾(٥) وهذه الآية مكية، وتحريم الحمر الأهلية كان حكمه واقعا بخيبر(٦)، وهذا المثال في الشرع لا يصلح للنسخ وإنّما راجع للتخصيص اللهمّ إلاّ على رأي من يسمي التخصيص نسخا، ولا يخفى الفرق بينهما كما بيّنه أهل العلم(٧)، فالعبرة بالمسمى لا بالاسم.

فالحاصل أنّه يجوز نسخ المتواتر بالآحاد على الراجح لأنّ الجميع وحي من الله تعالى، والله هو الناسخ حقيقة، وقد ثبت وجوب التعبد بالوحي عن طريق القطع، لكن غاية ما في الأمر أنّه -بعد تتبع الأدلة واستقرائها- لا يوجد مثال في الشرع يدل على الوقوع.



* قال الباجي -رحمه الله- في ص272: " فَأَمَّا القِيَاسُ فَلاَ يَصِحُ النَّسْخُ بِهِ جُمْلَةً ".

[م] انتقل المصنف إلى القياس من غير أن يعرج على الإجماع، ومذهب الجمهور فيه أنّ الإجماع لا يكون ناسخا ولا منسوخا، لأنّ الإجماع إنّما ينعقد ويكون حجة بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والنسخ لا يكون إلاّ في حياته لأنّه تشريع وعلى ذلك يستحيل اجتماعهما، أمّا ما يذهب إليه بعض المعتزلة وعيسى بن أبان الحنفي من أنّ الإجماع يكون ناسخا بدليل أنّ سهم المؤلفة قلوبهم(٨) من الزكاة قد سقط بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فجوابه: إذا سلم -جدلا- سقوط سهمهم فليس من باب النسخ، وإنّما من باب انتهاء الحكم لانتهاء علته المتمثلة في حصول العزة للإسلام في عهد الصحابة رضي الله عنهم فسقط اعتبار سهم المؤلفة قلوبهم، وإذا وجد ما يوهم النسخ بالإجماع من كلام بعض العلماء فإنّه يحمل على دليل الإجماع.

وأمّا النسخ بالقياس فما عليه جمهور الفقهاء والأصوليين امتناع النسخ به مطلقا سواء كان جليا أو خفيا، لأنّ القياس الاصطلاحي لا يكون حجة إلاّ بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والنسخ لا يكون واقعا إلاّ في حياته صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّه تشريع، ولذلك امتنع أن يكون القياس ناسخا أو منسوخا، ولا يعترض بالأمثلة القياسية في الكتاب والسنة لأنّها أدلة دالة على القياس، وكذلك وقوع القياس من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصدور القياس من غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع إقراره له كلّ ذلك يدخل في سنته القولية أو التقريرية فلا تسمى قياسا في الاصطلاح، وإنّما يتحقق القياس الاصطلاحي بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا القول خالفه المجيزون له مطلقا، وكذا المفصلون الذين يرون أنّ القياس ينسخ بقياس أجلى وأقوى منه، وهو مذهب البيضاوي والإسنوي وغيرهما(٩).



فـصــل

[في حكم شرع من قبلنا]



*قال الباجي -رحمه الله- في ص272: "ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا لاَزِمَةٌ لَنَا إِلاَّ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى نَسْخِهِ".

[م] في تحرير محل النزاع ينبغي التفريق بين حالتين مجمع عليهما وثالثة مختلف فيها:

الحالة الأولى: أن يثبت أولاً أنّه شرع لمن قبلنا، وذلك بطريق صحيح، وأن يثبت -ثانيا- أنّه شرع لنا، فشرع من قبلنا بهذا الاعتبار شرع لنا إجماعا مثل قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾(١٠).

الحالة الثانية: إن لم يثبت بطريق صحيح كالمأخوذ من الإسرائيليات، أو ثبت بطريق صحيح أنّه شرع من قبلنا، لكن ورد في شرعنا التصريح بنسخه، فشرع من قبلنا بهذا الاعتبار ليس شرعا لنا إجماعا، كالأصرار والأغلال التي كانت عليهم فهي موضوعة في شرعنا، قال تعالى:﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾(١١).

الحالة الثالثة: وهي محل النزاع في شرع من قبلنا، وذلك إذا ثبت بطريق صحيح متمثل في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولو كانت من أخبار الآحاد، ولم يرد في شرعنا ما يؤيده ويقرره ولا يبطله وينسخه، وما عليه الأكثرون أنّ شرع من قبلنا بهذا الاعتبار حجة يقتضي العمل به لوجوب العمل بجميع نصوص الكتاب والسنة الصحيحة(١٢).

والخلاف ليس له كبير أثر، وهو قريب من أن يكون لفظيًّا، فمن احتجَّ به إلاَّ وعضَّده بدليل ثابت في شرعنا ومن لم يحتج به، غالبًا ما يستأنس بنصوص تذكر في شرع من قبلنا، ومن الفروع الفقهية التي ذكر فيها الأخذ بشرع من قبلنا هي:

1- في الأفضل في الأضحية، فمذهب مالك أنَّ الأفضل في الضحايا الكباش ثم البقر ثم الإبل، وعمدته شرع من قبلنا من جهتين: الأولى فيما فعله إبراهيم عليه السلام من فداء ولده بكبش، والثانية: إنَّ الذِّبح العظيم الذي فدى به إبراهيم عليه السلام سنة باقية إلى اليوم وأنها الأضحية وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾(١٣)، وعضد بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ضحَّى بالكبش(١٤) وكذلك فعل ابن عمر رضي عنه وغيره.

أما مذهب الشافعي وأحمد، فإنَّ الأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، لعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا"(١٥)، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم عندما سئل: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَل؟ قال: أَغْلاَهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسهَا عِنْدَ أَهْلِهَا"(١٦)، وقياسًا على الهدي بجامع القربة بالحيوان، فكانت البدنة فيه أفضل وأنَّ ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد فعل ما يجزي في الدم فأعلاه خير منه(١٧) دلالة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم والقول أقوى من الفعل.

2- في حكم الجعالة، فمن اعتبرها شرع من قبلنا استدل بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾(١٨) وهو مذهب مالك اعتمادًا على أصله في الأخذ بشرع من قبلنا مالم يرد نسخه، والشافعية وإن كانوا لا يعتبرون بشرع من قبلنا في الحجية إلا أنهم يستأنسون به على خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه رقى رجلاً بفاتحة الكتاب على قطيع من الغنم وشارطه على البرء(١٩) والأحناف وإن كانوا يعتبرون حجية الأخذ بشرع من قبلنا إلاَّ أنَّ الجعالة تتضمن معنى الغرر المنهي عنه، ذلك لأنَّ الجعالة إجارة، والإجارة تفسدها جهالة المنفعة المعقود عليها، الأمر الذي يفضي إلى المنازعة فيمنع(٢٠).

3- في جعل المنفعة مهرًا، فمن رأى جواز جعل المنفعة صداقًَا استدل بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾(٢١) فكان هذا شرع من قبلنا شرع لازم لنا حتى يرد الدليل على ارتفاعه، ومن منع الاحتجاج بشرع من قبلنا قال لا يجوز النكاح بالإجارة(٢٢).

4- في ضمان ما تتلفه الدواب، فمن اعتمد الأخذ بشرع من قبلنا على ما أفسدته الدواب ليلاً فهو مضمون على أصحابها، ولا ضمان عليهم فيما أفسدته في النهار عَمِلَ بقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ ﴾(٢٣)، والنَّفْشًُ عند أهل اللغة لا يكون إلاَّ بالليل، وهذا عمدة مالك رحمه الله في العمل بشرع من قبلنا، والشافعي رحمه الله وإن لم يأخذ بها الأصل إلاَّ أنه أخذ به على وجه الاستئناس وعُضِّد "بقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأنَّ ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها"(٢٤)، وأبو حنيفة رحمه الله استدل على عدم الضمان مطلقًا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبَار"(٢٥) ولم يعمل بشرع من قبلنا -وهو من أصوله- لورود في شرعنا ما ينسخه(٢٦).



* قال الباجي -رحمه الله- في ص273: "وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا"(٢٧) فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ:﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾(٢٨) وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأَخَذَ بِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ"

[م] في مسألة تعبد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشرع من قبله من الأنبياء فقد وقع الخلاف فيها بين أهل العلم في حالتين:

الأولى: في تعبد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة بشرع من قبله، وبالجملة اختلفوا فيها على مذاهب:

إنّه متعبد بشريعة من قبله مع اختلافهم في تعبده هل كان على سبيل الإطلاق أم على سبيل التعيين وقال بعض الحنفية والمالكية: إنّه غير متعبد بشريعة من قبله، وتوقف في ذلك القاضي عبد الجبار والجويني والغزالي والآمدي وغيرهم.

الثانية: في تعبد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد البعثة بشرع من قبله، والظاهر من المانعين من تعبده قبل البعثة نفيهم التعبد بعد البعثة، وأمّا المثبتون والمتوقفون فقد اختلفوا على قولين:

- لم يكن متعبدا باتباعها بل كان منهيا عنها، وبه قال أبو إسحاق الشيرازي في آخر قوليه واختاره الغزالي، وما عليه أكثر الحنفية وجمهور الشافعية والمالكية وطائفة من المتكلمين أنّه كان متعبدا بشرع من قبله إلاّ ما نسخ منه واختاره الرازي(٢٩).

ولا يخفى أنّ كلّ رسول إنّما تعبده الله بشريعة خاصة به، أمّا الدين الجامع وهو الإسلام فهو عام لسائر الأنبياء والمرسلين، وهذا هو المقصود من توحيد الملة والدين، وتعدد الشرائع والمناهج(٣٠) لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾(٣١).


... يتبع ...



--------------------------------------------------------------------------------

١- انظر: المستصفى للغزالي:1/126، الوصول لابن برهان:2/47، الإحكام للآمدي:2/267، الإبهاج للسبكي وابنه:2/251، نهاية السول للإسنوي:2/183، إرشاد الفحول للشوكاني:190.
٢- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة:271.
٣- آية 24 من سورة النساء.
٤- أخرجه النسائي:6/97 في النكاح، باب: الجمع بين المرأة وعمّتها، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن النسائي:2/435، وفي صحيح الجامع الصغير:6/187.
٥- آية 145 من سورة الأنعام.
٦- متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، ورخص في لحوم الخيل" أخرجه البخاري:9/648، في الصيد والذبائح:باب لحوم الخيل، ومسلم:(1941) في الصيد والذبائح، باب في أكل لحوم الخيل.
٧- انظر الفروق بين النسخ والتخصيص في روضة الناظر لابن قدامة: 72. المحصول للرازي: 1/3/9. البحر المحيط للزركشي: 3/243. مذكرة الشنقيطي: 68.
٨- المؤلفة قلوبهم كفار ومسلمون وهم جميعا السادة المطاعون في أقوامهم وعشائرهم وهم على ستة أقسام:
فالكفار قسمان: فمنهم من يعطى ترغيبا له في الإسلام كما أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان مشركا كما صح ذلك عند مسلم(2313)، ومنهم من يعطى خشية شره، ويرجى بعطيته كف شره ، وكف شر غيره معه. أمّا المسلمون من المؤلفة قلوبهم فهم أربعة أقسام: فمنهم من يعطى إلى سادات المسلمين الذين لهم نظراء من الكفار من جهة الرياسة والبروز في قومهم، فيعطون من الزكاة رجاء إسلام نظرائهم، ومنهم من يعطى تثبيتا لقلبه ويرجى بعطيته قوة إيمانه ومناصحته في الجهاد وإخلاصه فيه على نحو ما أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين لجماعة من سادات الطلقاء وأشرافهم على ما ثبت في صحيح البخاري(27) ومسلم(150) -ومنهم من يكون على حدود بلاد المسلمين فيعطون من الزكاة ليدفعوا شر الكفار عمن يليهم من المسلمين- ومنهم قوم يعطون من الزكاة ليقوموا بجبايتها ممن يماطل في أدائها، نظرا لقوتهم وقدرتهم على تحصيلها من المماطلين الممتنعين عن أدائها [المغني لابن قدامة: 6/427-429]
وعليه، فإنّ عدم إخراج هذا السهم من الزكاة في عصر من عصور الإسلام لا يعني سقوط هذا السهم من أصناف المستحقين للزكاة، وإنّما يعني عدم وجود أهل هذا السهم (أي المؤلفة قلوبهم) وإذا ظهرت الحاجة في إعطاء من يتحقق منهم معاني وأوصاف المؤلفة قلوبهم، فإنّ للإمام أن يعطيهم من سهم المؤلفة قلوبهم من حصيلة الزكاة التي يجمعها بحسب تقديره واجتهاده وفي ضوء مصلحة المسلمين، قال ابن تيمية -رحمه الله- في [مجموع الفتاوى:25/40] حكاية عن أبي جعفر الطبري رحمه الله: "...والصواب أنّ الله جعل الصدقة على معنيين: أحدهما: سد خلة المسلمين. والثاني: معونة الإسلام وتقويته، فما كان معونة للإسلام، يعطى منه الغني والفقير، كالمجاهد ونحوه، ومن هذا الباب يعطى المؤلفة، وما كان في سد خلة المسلمين ".

٩- انظر تفصيل هذه المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 272.
١٠- آية 183 من سورة البقرة.
١١- آية 157 من سورة الأعراف.
١٢- انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية:19/6-7، شرح الكوكب المنير للفتوحي: 4/412، مذكرة الشنقيطي: 161.
١٣- الصافات : 108.
١٤- أخرجه البخاري في الأضاحي: (5564)، ومسلم في الأضاحي( 5199)، وأبو داود في الضحايا( 2796)، والترمذي في الأضاحي(1573)، والنسائي في الضحايا(4403)، وابن ماجه في الأضاحي( 3239)، وأحمد( 12284) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
١٥- متفق عليه: أخرجه البخاري: 2/366، ومسلم: 6/135، وأبو داود: 1/249، والترمذي: 2/372، والنسائي: 3/99. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
١٦- متفق عليه: أخرجه البخاري: 5/148. ومسلم : 2/73. من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
١٧- بداية المجتهد لابن رشد: 1/416. المغني لابن قدامة: 9/439. مغني المحتاج للشربيني: 4/285.
١٨- يوسف: 72.
١٩- أخرجه البخاري: 10/209، ومسلم: 14/187 من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
٢٠- بداية المجتهد لابن رشد: 2/232، المغني لابن قدامة: 5/400، بدائع الصنائع للكساني: 6/2579، مغني المحتاج للشربيني: 2/429.
٢١- القصص: 27.
٢٢- بداية المجتهد: 2/20، المغني لابن قدامة: 7/212.
٢٣- الأنبياء : 78.
٢٤- أخرجه أحمد: 5/435، 436، وأبو داود: 3/828، وابن ماجه: 2/781، من حديث محيصة عن أبيه، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 2/390، رقم ( 3569)
٢٥- أخرجه البخاري: 3/364، ومسلم: 11/255. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٢٦- انظر المغني لابن قدامة: 9/188. بداية المجتهد لابن رشد: 2/318. فتح القدير لابن الهمام: 8/351. مغني المحتاج للشربيني: 4/206.
٢٧- أخرجه البخاري:2/70، ومسلم:5/193، وأبو داود:1/307، والترمذي:1/335، والنسائي:1/293، وابن ماجه: 1/227، والدارمي: 1/280، والبيهقي: 2/218، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وهذا الحديث ذكره المصنف بصيغة التمريض الموضوعة لما عدا الصحيح والحسن، وهذه الطريق مغايرة لمنهج العلماء المحققين من أهل الحديث الذين يميزون بين صيغتين عند إيراد الحديث: صيغة الجزم موضوعة للصحيح والحسن، وصيغة التمريض موضوعة لما عداهما، وهذا أدب أخل به جماهير أصحاب العلوم ما عدا حذاق المحدثين كما أشار إليه النووي وغيره (انظر: المجموع للنووي: 1/63، فتح المغيث للسخاوي: 1/54، قواعد التحديث للقاسمي: 210)
٢٨- آية 14 من سورة طه.
٢٩- انظر تفصيل المسألة على المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة:274.
٣٠- انظر وجه اتفاق الشرائع السابقة ووجه اختلافها في: مجموع الفتاوى لابن تيمية:[19/106-107-113-185].
٣١- المائدة: 48.


__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-02-2009, 12:52 AM   #14
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"




باب الإجماع وأحكامه

[في حجية الإجماع]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص: 275 عند ذكر حجية الإجماع والقطع بصحته:

"وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾(١) فَتَوَعَّدَ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا بِاتِّبَاعِ سَبِيلِهِمْ"

[م] لا خلاف بين أهل العلم في تصوُّر الإجماع وإمكانه عقلاً في ضروريات الأحكام، أمَّا غيرها من الأحكام غير المعلومة بالضرورة بأن حصل الإجماع فيها عن مستند ظني فهذه وقع فيها الاختلاف في إمكانه أو استحالته، وما عليه جماهير العلماء أنه ممكن عادة لأنَّ الأصل الإمكان، فيستصحب هذا الأصل حتى يرد ما يمنعه، ولأنه وقع فعلاً كإجماعهم على بعض مسائل الميراث كحجب ابن الابن بالابن، وتقديم الدين على الوصية، وفي باب الأطعمة والنجاسات الإجماع على حرمة شحم الخنزير كلحمه وغيرها من المسائل التي وقع فيها الإجماع عن طريق النقل فيما إذا كان الإجماع سابقًا أو عن طريق المشافهة والمشاهدة إذا تحقَّقَ في عصر المجتهدين. و هو المذهب الراجح لأنَّه إذا تحقق الاتفاق من الأمة في المسائل المعلومة من الدين بالضرورة بما فيهم العوام وهم أكثر عددًا وأقلّ نظرًا، فلأن يتحقق العلم بالإجماع من المجتهدين مع أنهم دونهم في العدد وأكثرهم في النظر، ومن جهة أخرى يلاحظ تحقق الإجماع مع أرباب العلوم الدنيوية، فلأن كان كذلك فالأولى به أهل الاجتهاد والنظر في العلوم الشرعية لوجود الدوافع الدينية لذلك الإجماع، ومن هنا يتضح التفريق بين حصول الإجماع وإمكان وقوعه، وبين حجيته في كلِّ عصر، وليس بين الأمرين تلازم(٢)، فعلى مذهب جماهير العلماء أنَّ الإجماع حجة شرعية يجب اتباعها والمصير إليها وهي حجة ماضية في جميع العصور سواء في عصر الصحابة أوعصر من بعدهم(٣)، وقد استدل المصنف من جهة الشرع بالآية على أنه لا يصح الاستدلال بها في خصوص مشاقة الرسول فقط أو لاتباع غير سبيل المؤمنين فقط، ولا يصح الاستدلال بها على أن يلحق الذم للأمرين عند اجتماعهما، ذلك لأنَّ مشاقة الرسول منفردة موجبة للوعيد قطعًا بنصوص عديدة منها قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(٤)، فتبين أنَّ الذَّم يلحق لكل من الأمرين ولو على وجه الانفراد، وأنه يلحقهما لكونه مستلزمًا للآخر ومقتضيًا له، ومن الأدلة الأخرى على حجية الإجماع قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾(٥)، فقد وصف الله الأمة بالوسط وهو العدل الخيار فعدلهم الله بقبول شهادتهم، ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطإ لم يكونوا شهداء الله في الأرض، وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(٦).

ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾(٧) فوصفهم الله تعالى بالخيرية الموجبة حقيقة ما اجتمعوا عليه، لأنه لو لم يكن حقًّا لكان ضلالاً، فثبت أنَّ إجماع الأمة حق، وأنها لا تجتمع على ضلالة كما ثبت ذلك في الحديث(٨) الذي يستفاد منه وجوب اتباع الجماعة وتحريم مفارقتها من جهة، وعصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة من جهة أخرى، والجهتان متلازمتان، فقول الأمة لا يكون إلاَّ حقا إن كانت مجتمعة وذلك مكمن العصمة، لأن الشرع علَّق العصمة على الاجتماع والاتفاق من غير أن يبلغ المجمعون عدد التواتر.

هذا، وقد ذكر الجمهور أدلة أخرى من الشرع والعقل تفيد في مجملها عدم حصر حجية الإجماع في عصر دون عصر، لأنها أدلة عامة مطلقة وتقييدها بعصر أو تخصيصها به يحتاج إلى دليل شرعي معتبر- كما سيأتي- وأمَّا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فمتفق على وقوعه وهو الذي سلم به الجميع، وإجماعهم قطعي خاصة إذا نقل بالتواتر، فهو كالذي علم من الدين بالضرورة، أما ما غلب على الظن فيه اتفاق الكل فهو إجماع ظني، والحكم بقطعية الإجماع من ظنيته أمر إضافي نسبي متفاوت من حيث الأشخاص لكن المجزوم به أن الإجماع -وإن اختلف في بعض أنواعه وبعض شروطه- إلا أنه في الجملة أصل مقطوع به وحجة قاطعة وما تقدم من إجماعات قطعية فلا نزاع فيها، وأمَّا سائر الإجماعات الأخرى فقابلة للنزاع.



فصل

[في اعتبار دخول العامة في الإجماع]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص: 276: "يَجِبُ اعْتِبَارُ أَقْوَالِ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ فِيمَا كُلِّفَتِ الخَاصَّةُ وَالعَامَّةُ مَعْرِفَةَ الحُكْمِ فِيهِ".

[م] ومراده بهذا الضرب الإجماع العملي: أي ما نقلته الأمة كلها كالصلاة، والصوم، والحج، وتحريم القتل، والزنا، والخمر، وغيرها، وهو إجماع عامة المسلمين على ما علم من الدين بالضرورة، وهو قطعي لا يجوز التنازع فيه(٩).



* قال الباجي -رحمه الله- في الصفحة ذاتها مبينا ما ينفرد الحُكَّام والفقهاء بمعرفته من أحكام أنه" لاَ اْعْتِبَارَ فِيهَا بِخِلاَفِ العَامَّةِ وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: "يُعْتَبَرُ بِأَقْوَالِ العَامَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ"

[م] ومراده بهذا الضرب الإجماع النظري المبني على النظر والاجتهاد عن أدلة قطعية أو ظنية، والعامة أو العوام هم من عدا العلماء المجتهدين، ولا اعتبار لموافقتهم أو مخالفتهم في انعقاد الإجماع عند جمهور أهل العلم، خلافًا لبعض المتكلمين كالقاضي الباقلاني الذي يرى اعتبار قول العامة ولا حجة في إجماع بدونهم(١٠)، وهو اختيار الآمدي ورجحه لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطإ، ولا يمتنع أن تكون العصمة من الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعام(١١) لشمول لفظ "المؤمنين" ولفظ "الأمة" للمجتهد والعامي، ولا تخصيص إلا بدليل.

ومذهب الجمهور أقوى، لأنَّ إثبات الأحكام من غير دليل محال، والعامي ليس أهلاً للاستدلال والنظر فشأنه كالصبي والمجنون فلا يكون قوله معتبرًا، ولأنه يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بالإجماع فلا يتصور من ليس أهلاً للاستدلال ثبوت عصمة الاستدلال في حقه، لذلك وجب تخصيص النصوص العامة الدالة على عصمة الأمة بأهل الحل والعقد منهم دون غيرهم، ومع ذلك يمكن الجمع بين القولين أنَّ من أراد إدخال العامي في انعقاد الإجماع إنما يدخل حكمًا باعتبار أن العامي تبع للمجتهد ومقلد له ولا يخرج عنه(١٢).



* قال الباجي -رحمه الله- في ص: 227 في معرض الاحتجاج للجمهور:

"وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ العَامَّةَ يَلْزَمُهُمْ اتِّبَاعُ العُلَمَاءِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَلاَيَجُوزُ لَهُمْ مُخَالَفَتُهُمْ.."

[م] والمصنف استدل بالمعقول على مذهب الجمهور، وبيَّن أن العامي تابع للمجتهد في اجتهاده يلزمه تقليده، وليس له أن يرجح أو يصوب أو يخطئ إذ لا قدرة له على ذلك وبالتالي لا يجوز له مخالفته.

هذا، أما دليله من الشرع فبقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(١٣)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أَلاَ سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ"(١٤) ففي حكم الدليلين وجوب رجوع العامي لأهل العلم، وعليه فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب اتباع غيره فيه أو تقليده له، أما من القياس فا ستدلوا بقياس العامي على الصبي والمجنون في عدم اعتبار خلافهما ووفاقهما في الإجماع، ولا يفترق أمر العامي عنهما بجامع نقصان أهلية الجميع، وعليه فلا يستوي مع كامل الأهلية وهو المجتهد(١٥)، ويخصِّص عموم لفظ "المؤمنين" و"الأمة" بالعامِّي كما خصِّص المجنون والصَّبي.

والخلاف في هذه المسألة قد يكون معنويًا من حيث تأثيره في الناحية الأصولية على بعض المسائل منها:- في تعريف الإجماع اصطلاحًا، فمن لم يعتبر العامي في الإجماع عرفه بأنه: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عصر من العصور بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم على حكم واقعة من الوقائع، أما من اعتبر مخالفة العامي فعرف الإجماع بأنه: اتفاق المكلفين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع(١٦).

- في مسألة عدم وجود في العصر سوى مجتهد واحد فهل يكون إجماعًا؟ فمن رأى اعتبار العوام قال يكون إجماعًا لأنهم معدودون معه في الإجماع، وهذا لا يصدق إلاَّ على الاثنين فصاعدًا، ومن لم يعتبر العوام قال لا يكون إجماعًا لخلو العصر من مجتهد غيره، لكنه يعتبر قوله حجة يجب على العوام اتباعه فيها لعدم خلو العصر من حكم الحوادث والنوازل(١٧).

- قال الآمدي: "فمن قال بإدخال العوام في الإجماع قال بإدخال الفقيه الحافظ لأحكام الفروع فيه -وإن لم يكن أصوليًا-، وإدخال الأصولي الذي ليس بفقيه بطريق الأولى لما بينهما وبين العامة من التفاوت في الأهلية وصحة النظر، هذا في الأحكام، وهذا في الأصول، ومن قال بأنه لا مدخل للعوام في الإجماع اختلفوا في الفقيه والأصولي، نفيًا وإثباتًا، فمن أثبت نظر إلى ما اشتملا عليه من الأهلية التي لا وجود لها في العامي، ودخولهما في عموم لفظ " الأمة" في الأحاديث السابق ذكرها، ومن نفى، نظر إلى عدم الأهلية المعتبرة في أئمة أهل الحل والعقد من المجتهدين"(١٨).

وهذه المسألة الأخيرة تتعلق بأهلية الاجتهاد فهل فقدانها إخلال بأهلية الإجماع؟ فمن يعتبر قول العوام فلا يؤثر في أهلية الإجماع من فقد أهلية الاجتهاد كالحافظ للفروع أو المحدث أو النحوي وغيرهم، ومن لا يعتبر قولهم فإنه يؤثر في صحة الإجماع وأهليته إخلالاً وإبطالاً.

والمختار أن كل من كان متمكنا من النظر في الواقعة إما بمتقدم حفظه لأدلتها، وإما باطلاعه على مأخذها، وتصحيح الصحيح منها، وإبطال الباطل، فيعتد بقوله ولا ينعقد الإجماع دونه، وخاصة العالم بأصول الفقه لتوفر فيه آلة الاستنباط لمعرفة الحكم الشرعي لأيِّ حادثة جديدة، وهو متمكن من درك الأحكام إذا أراد وإن لم يحفظ الفروع(١٩).



فصل

[في اشتراط اتفاق جميع المجتهدين لصحة الإجماع]



* قال الباجي في ص: 277: "لاَيَنْعِقِدُ الإِجْمَاعُ إِلاَّ بِاتِّفَاقِ جَمِيعُ العُلَمَاءِ، فَإِنْ شَذَّ مِنْهُمْ وَاحِدٌ لَمْ يَنْعِقِدْ الإِجْمَاعُ، وَذَهَبَ ابنُ خُوَيْزٍ مِنْدَادٍ إِلَى أَنَّ الوَاحِدَ وَالاثْنَيْنِ لاَيُعْتَدُّ بِهِمْ"

[م] وما عليه مذهب جمهور الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة عدم انعقاد الإجماع مع مخالفة مجتهد يعتد بقوله، وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد وإليه مال الشيرازي والغزالي والفخر الرازي والآمدي، خلافًا لمن يرى أنَّ الواحد والاثنين لا اعتداد به في المخالفة، وإلى هذا الرأي ذهب ابن جرير الطبري وأبو بكر الرازي الحنفي وابن خويز منداد المالكي وابن حمدان الحنبلي وأبو الحسين الخياط المعتزلي وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد، وفي هذه المسألة اجتهادات أخرى(٢٠).

والصحيح من الأقوال مذهب الجمهور لأنَّ لفظ "المؤمنين" ولفظ "الأمة" في الآية والحديث عامان في الجميع، ولأنَّ العصمة عن الخطإ إنما تكون بجميع الأمة لا بأكثرها، ويدل على عدم صحة الإجماع في اتفاق الأكثر ما وقع في زمن الصحابة رضي الله عنهم مثل مخالفة ابن عباس رضي الله عنهما لمعظم الصحابة في مسألة الجد والإخوة، ومسألة العول، ومخالفة ابن مسعود رضي الله عنه لأكثر الصحابة في بعض مسائل المواريث، ومخالفة ابن عمر رضي الله عنهما في بعض مسائل الوضوء، والصلاة في الأماكن التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موافقة، ومخالفة زيد بن أرقم لأكثر الصحابة في مسألة بيع العينة(٢١) وغيرها، فلو كان اتفاق الأكثر يعد إجماعا للزم الأقل أو الواحد أن يعمل بذلك الإجماع ويترك اجتهاده له، ولأنكروا مخالفته له.

هذا، ومن آثار هذه المسألة عدم جواز مخالفة الرأي الذي اتفق عليه الأكثر، وإلزام المكلف المقلد به، لعدم الاعتداد بمخالفة الواحد والاثنين في صحة الإجماع وهو مذهب ابن خويز منداد وغيره، أما على مذهب الجمهور فلا يسمى هذا الاتفاق إجماعًا(٢٢) وبالتالي تجوز مخالفته.



فصلٌُ

[في اعتبار انقراض العصر في صحة الإجماع]



* بعد تقرير مذهب الأكثرين في عدم اعتبار انقراض العصر في صحة الإجماع، قال الباجي -رحمه الله- في ص: 279: "وَقَالَ أَبُو تَمَامٍ البَصْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشّافِعِيِّ لا َيَنْعَقِدُ الإِجْمَاعُ إِلاَّ بِانْقِرَاضِ العَصْرِ"

[م] المراد بانقراض العصر موت جميع المجمعين بعد اتفاقهم على الحكم على الحادثة التي نشأت في عصرهم، ومذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين عدم اعتبار انقراض العصر مطلقا لصحة الإجماع، بل يصير حجة عقب انعقاده، وبه قال الأئمة الثلاثة وهو رواية عن أحمد، وإليه ذهب بعض المعتزلة واختاره الشيرازي والغزالي والفخر الرازي وغيرهم خلافًا لمن اشترطه وهي الرواية المشهورة عن أحمد، وعليه أكثر أصحابه واختاره أبو بكر بن فورك، وسليم الرازي، وأبو تمام والجبائي، وفي المسألة أقوال أخرى(٢٣).

وقد استدل المصنف لمذهب الجمهور بدليل المعقول، ويؤيده أن مناط العصمة هو حصول الاتفاق ولو بعد لحظة فاشتراط انقراض العصر يفتقر إلى دليل يستند إليه، وما كان كذلك لا يعتد به، ومن جهة أخرى فإن الحكم الثابت بالإجماع لا يختلف عن الحكم الثابت بالنص، ولا يشترط في الحكم الثابت بالنص اختصاصه بوقت دون غيره. ومن أدلة المنقول المقوية لهذا المذهب احتجاج التابعين بإجماع الصحابة رضي الله عنهم وهم بين أظهرهم، مثل احتجاج أنس بن مالك رضي الله عنه بالإجماع وكان حيًا، واحتجاج الحسن البصري به مع وجود الصحابة رضي الله عنهم، فدلَّ ذلك على أنَّ انقراض العصر ليس شرطًا للإجماع.

وغاية ما يستدل به المخالفون المشترطون لانقراض العصر هو الإجماع على وجوب رجوع المجتهد عند ظهور الدليل الموجب للرجوع إذا بان له خطؤه فلو كان اتفاق المجتهدين حجة قبل انقراض العصر لامتنع رجوع المجتهد عن اجتهاده، فاللازم باطل والملزوم مثله. كما أتبعوا استدلالهم بقياس الإجماع على السنة في أن شرط استقرارها إنما يكون بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم فكذلك يكون بعد انقراض العصر في الإجماع بوفاة المجمعين.

وقد أجيب عن ذلك بأن محل الإجماع في وجوب رجوع المجتهد عند ظهور موجبه إنما هو في الاجتهاد الانفرادي، أما في الاجتهاد الجماعي- وبعد استقرار الإجماع- فلا يجوز الرجوع عنه لقطعيته. أما قياس الإجماع على السنة فظاهر البطلان لعدم التسليم بصحة المقيس عليه المتمثل في أنَّ وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرط في حجية السنة واستقرارها، ذلك لأن السنة حجة شرعية بمجرد ظهورها مالم يرد دليل النسخ ويجب اعتقاد ذلك، وهي من طاعته، وطاعته في الحال وهي حاصلة بالإجماع.

هذا، ومن آثار هذه المسألة ما لو بلغ الناشئ درجة الاجتهاد بعد تحقق الإجماع وحصوله على تلك المسألة فهل يعتبر خلافه مع كون بعض المجمعين على قيد الحياة؟ فعلى مذهب الجمهور عدم الاعتداد بخلافه لأن انقراض العصر ليس شرطا لصحة الإجماع بخلاف المشترطين له.

ومن فروع هذه المسألة أيضا رجوع بعض المجمعين عن المسألة محل الإجماع فهل تبقى حجيته بعد استقرار الإجماع ورجوع بعض المجمعين عنه؟ فمن لم يشترط انقراض العصر لصحة الإجماع فيبقى حجة ولو بعد رجوع بعض المجمعين أو كلهم ومن اشترط فالإجماع يفقد حجيته بعد الخلاف.



فصل

[في صحة إجماع عصر الصحابة دون سائر الأعصار]



* قال الباجي -رحمه الله- في ص: 280: "إِجْمَاعُ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ، هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الفُقَهَاءِ غَيْرَ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الأَصْبَهَانِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: « إِجْمَاعُ عَصْرِ الصَّحَابَةِ دُونَ إِجْمَاعِ المُؤْمِنِينَ فِي سَائِرِ الأَعْصَارِ»".

[م] القول بإجماع التابعين ومن بعدهم ليس بحجة هو مذهب داود وابنه أبي بكر، ومن تبعه من أهل الظاهر كابن حزم(٢٤)، ولا يخفى أن إجماع الصحابة متفق على وقوعه وهو الذي سلم به جميع أهل السنة، وإجماعهم قطعي إذا ما نقل بالتواتر خاصة، أما إجماع غيرهم فقد ثبت بدليل الكتاب والسنة والمعقول، والعادة(٢٥) على كون الإجماع حجة قاضية ببطلان دعوى قصر الإجماع على الصحابة دونما سواهم.

هذا، وغاية ما يستدل به الظاهرية أن الإجماع إنما يكون عن توقيف والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أثنى الله تعالى عليهم، والثناء يدل على اعتبار أقوالهم لصدقها يقينًا، وأن الله تعالى حفظ القرآن بحفظ الصحابة له وإجماعهم عليه، وقد أجابوا عن الجمهور بأن الآيات والأحاديث في مثل قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٢٦) و﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾(٢٧) إنما هو خطاب يتناول الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالعصمة المخبر عنها إنما هي خاصة بالصحابة في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم دون غيرهم.

وأجيب على هذا الاستدلال بأن التوقيف وإن كان الصحابة هم الذين شاهدوه، فإنه ينتقل إلى من بعدهم فيكونون في حكم من شاهدوه، أما الثناء فليس قاصرًا على الصحابة رضي الله عنهم بل شامل لجميع المتبعين بإحسان بعد الصحابة إلى آخر المسلمين كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾(٢٨) فيقتضي ذلك حجية إجماعهم لاشتراكهم جميعًا في الثناء والمدح، بل أثنى الله تعالى على أمة الإسلام واختارهم لدينه ونصرته لعدلهم وإنصافهم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾(٢٩) وقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾(٣٠) والأمَّة شاملة للصحابة وتابعيهم الذين حفظوا القرآن وكتبوه وعملوا به.

ثمَّ إنه -من ناحية أخرى- يلزم القائلين به أن لا ينعقد إجماع الصحابة رضي الله عنهم بعد موت من كان موجودًا عند نزول الآيات الدالة على الإجماع، و أن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزول هذه الآيات لكونه خارجًا عن المخاطبين مع دخول من مات من الصحابة أو استشهد في مسمى "المؤمنين" و"الأمة"، ومع ذلك يتحقق الإجماع بمن بقي من الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويكون حجة باتفاق، وإذا كان لا يمنع من مات واستشهد من هؤلاء من تحققه، فلا مانع من إجماع من جاء بعدهم، لأن وصف الأمة ووصفهم بالإيمان أفرادهم حاصلة لكل الموجودين في كل وقت، فالتابعون إن أجمعوا فهو إجماع من جميع الأمة، ومن خالفهم فهو سالك غير سبيل المؤمنين(٣١).



... يتبع ...


--------------------------------------------------------------------------------

١- آية 115 من سورة النساء.
٢- الفتح المأمول للمؤلف: 81.
٣- قول الإمام أحمد المشهور: "من ادعى الإجماع فهو كاذب" محمول في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف، ويدل عليه تتمة كلامه السابق: "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعلَّ الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، لكن يقول: "لا نعلم الناس اختلفوا" إذا لم يبلغه "ونقل عنه أنه قال: "ولكن يقول:" لا أعلم فيه اختلافا" فهو أحسن من قوله: " إجماع الناس" ، وهو منقول - أيضا- عن الإمام الشافعي، فيفهم من المقالة السابقة وجوب الحيطة في نقل الإجماع، والتثبت وعدم التسرع في ادعائه، والتورع في نقله لجواز وجود خلاف لم يبلغه، لذلك ينبغي نقله بصيغة عدم العلم لا بصيغة العلم بالعدم إلاَّ إذا علم واشتهر ضرورة الاتفاق عليه.
وقد أفصح ابن القيم- رحمه الله- في مختصر الصواعق [605] عن معنى كلام الإمام أحمد بما نصه: "ليس مراده بهذا استبعاد الإجماع، لكن أحمد وأئمة الحديث بُلُوا بمن كان يَرُدُّ عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها، فبيَّن الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب، وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها".
٤- آية 13 من سورة الأنفال.
٥- آية 143 من سورة البقرة.
٦- الفقيه والمتفقهة للخطيب البغدادي: 1/160.
٧- آية 110 من سورة آل عمران.
٨- حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" أخرجه ابن ماجه: 2/ 1303، والحاكم في المستدرك: 1/116، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقهة: 1/161، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، كما أخرجه الترمذي: 4/ 466 وابن عاصم في "السنة": 39، وابن حزم في الإحكام: 4/129 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وله طرق أخرى، قال الزركشي: "اعلم أن طرق الحديث كثيرة لا تخلو من علة، وإنما أوردت منها ذلك ليتقوى بعضها ببعض" وقال السخاوي: "وبالجملة فهو حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثيرة، وله شواهد متعددة في المرفوع وغيره" والحديث حسنه الألباني.
(انظر: تحفة الطالب لابن كثير: 145. المعتبر للزركشي: 57. التلخيص الحبير لابن حجر: 3/141. المقاصد الحسنة للسخاوي: 716. التمييز للشيباني: 209. كشف الخفاء للعجلوني: 2/350. تخريج أحاديث اللمع للغماري: 246. سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: 3/319).
٩- انظر إحكام الفصول للباجي: 459، إرشاد الفحول للشوكاني: 87، نشر البنود للعلوي: 2/ 82، الفتح المأمول للمؤلف: 79.
١٠- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش" الإشارة": 277.
١١- الإحكام للآمدي: 1/167.
١٢- الفقيه والمتفقهة للخطيب البغدادي: 1/168.
١٣- آية 43 من سورة النحل، وآية 7 من سورة الأنبياء.
١٤- وفيه قصة وهي أن الصحابة رضي الله عنهم أفتوا بالاغتسال للرجل الذي أصابته جنابة فاغتسل فمات، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "قتلوه قتلهم الله... "والحديث أخرجه أبو داود: 1/93 برقم: 336، وابن ماجه: 1/189 برقم: 572 من حديث جابر بن عبد الله وابن عباس رضي الله عنهم. والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (336) (337). وفي صحيح سنن ابن ماجه برقم (470)
١٥- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 277.
١٦- الإحكام للآمدي: 1/148.
١٧- المهذب للنملة: 2/879.
١٨- الإحكام للآمدي: 1/169.
١٩- المستصفى للغزالي: 1/182.
٢٠- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 278.
٢١- صورة بيع العينة أن يبيع رجل سلعة بثمن إلى أجل معلوم، ثم يبيع المشتري نفس السلعة إلى بائعها الأول في الحال بأقل من الثمن الذي باعها به، وفي نهاية الأجل المحدد لدفع الثمن في العقد الأول يدفع المشتري كامل الثمن فيكون الفرق بين الثمنين لصاحب المتاع. والعلماء مختلفون في صحة هذه المعاملة [انظر تفصيلها في تأليفنا: مختارات من نصوص حديثية في فقه المعاملات المالية: 241]
٢٢- المهذب للنملة : 1/899.
٢٣- انظر المصادر الأصولية المثبة على هامش الإشارة: 279.
٢٤- الإحكام لابن حزم: 4/147. والنبذ لابن حزم: 18.
٢٥- وقد تقدمت العادة استدل بها على إمكان الإجماع وأنه حجة
٢٦- آية 115 من سورة النساء .
٢٧- آية 110 من سورة آل عمران.
٢٨- آية 100 من سورة التوبة.
٢٩- آية 143 من سورة البقرة.
٣٠- آية 110 من سورة آل عمران.
٣١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 281.

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-02-2009, 11:42 PM   #15
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"




فصل

[في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة]



* قـال الباجي - رحمه الله - في ص: 281: «...وَإِنَّمَا عَوَّلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وَمُحَقِّقُوا أَصْحَابِهِ عَلَى الاِحْتِجَاجِ بِذَلِكَ فِيمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ كَمَسْأَلَةِ الأَذَانِ، وَالصَّاعِ، وَتَرْكِ الجَهْرِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الفَرِيضَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَنَ المَسَائِلِ».

[م] والمراد بحجية عمل أهل المدينة في هذه المسألة ما كان طريقه النقل المستفيض وهو ضرب من إجماع أهل المدينة، وهو حجّة باتفاق(١)، أما العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان رضي الله عنه فهذا حجّة عند الجمهور لأنه لا يعلم لأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٢) ويذهب بعض المالكية إلى أنّ إجماع أهل المدينة حجّة مطلقًا سواء كان طريقه النقل أو طريقه الاجتهاد، خلافًا لأكثر المالكية وسائر العلماء، وهو الصحيح من مذهب مالك - رحمه الله - أن ما كان طريقه الاجتهاد فإن أهل المدينة كغيرهم من الأئمّة فلا حجّة فيه على من خالفهم(٣)، وهو مذهب جمهور العلماء، لأنّ أهل المدينة بعض الأمّة، والعصمة عن الخطأ تثبت لجميع الأمّة لا لبعضها(٤)، وإجماع أهل المدينة من وجوه الترجيح باتفاق المالكية وهو مذهب الشافعي ورواية عند أحمد.

هذا، والخلاف فيما طريقه الاجتهاد معنوي يتفرّع منه جملة من الآثار منها: مسألة الحامل تترك الصلاة إذا رأت الدم لأنها تحيض عند مالك بحجّة إجماع أهل المدينة(٥) خلافًا للأحناف والحنابلة، فالحاصل عندهم لا تحيض وإنما الدم الذي تراه هو دم علة أو استحاضة فلا يجوز لها أن تترك الصلاة(٦). ومن ذلك - أيضًا - الزكاة في الفواكه والخضروات فمذهب مالك أنه لا زكاة في شيء من الفواكه والبقول ويحتجّ على ذلك بما عليه أهل المدينة(٧) وهو مذهب الشافعي وأحمد، أما أبو حنيفة فذهب إلى وجوب الزكاة في كلِّ ما أخرجت الأرض من زرع أو تمر إلاَّ الحطب والقصب والحشيش(٨) ومن ذلك فائتة السفر فإنه يقضيها المصلي عند مالك كما فاتته واحتج بعمل أهل المدينة(٩)، وبه قال الأحناف خلافًا للشافعية والحنابلة الذين ذهبوا إلى أن الفائتة يقضيها صلاة حضر(١٠). وكذلك البكر يزوجها أبوها من غير استئمار عملاً بإجماع أهل المدينة(١١) وعليه مالك وكذا الشافعي وأحمد مع اختلاف مأخذهما، أما الأحناف فيقرّرون وجوب الاستئمار وهو شرط في صحة النكاح(١٢)، وكذلك المرأة التي فارقها زوجها الثاني وعادت إلى الأول عادت بما تبقى من الطلاق، واحتجّ مالك - رحمه الله - بعمل أهل المدينة(١٣)، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد في أصحّ الروايتين عنه خلافًا لأبي حنيفة الذي يرى أنّ زواجها بالثاني يهدم ما دون الثلاث كما يهدم الثلاث(١٤). ومن ذلك قبول شهادة المجلود حدًّا إذا تاب وأصلح قبلت شهادته عند مالك استدلالاً بإجماع أهل المدينة(١٥)، وإلى هذا ذهب الشافعي وغيره، خلافًا لأبي حنيفة فإنَّها تُردُّ شهادته(١٦). ومن ذلك عدم توريث ذوي الأرحام، وقد اعتمد مالك في الموطإ على إجماع أهل المدينة(١٧) وهو مخالف لما عليه الجمهور من توريثهم(١٨).



فصْلٌ
[في الإجماع السكوتي]



* قال الباجي - رحمه الله - في ص: 282: «إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ أَوْ الإِمَامُ قَوْلاً أَوْ حَكَمَ بِحُكْمٍ وَظَهَرَ ذَلِكَ وَانْتَشَرَ انْتِشَارًا لاَ يَخْفَى مِثْلُهُ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ مُنْكِرٌ فَإِنَّهُ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ قَاطِعَةٌ».

[م] هذه المسألة معروفة عند الأصوليين بالإجماع السكوتي، وقد اختلف العلماء في كونه إجماعًا وحجّة، فالذي عليه جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة أنّ الإجماع السكوتي حجّة وإجماع، وعند الشافعية حجّة وفي تسميته إجماعًا قولان، وفي أحد النقلين عن الشافعي أنه حجّة وليس بإجماع، وبه قال أبو هاشم والصيرفي واختاره الآمدي وابن الحاجب، خلافًا لمن يرى أنه ليس بإجماع ولا حجّة وهو مذهب داود الظاهري وابنه أبي بكر والباقلاني وغيرهم، وهو الرواية الأخرى عن الشافعي، واختارها الغزالي والفخر الرازي، وفي المسألة أقوال أخرى(١٩).

والصحيح ما ذهب إليه المصنف من أنَّ الإجماع السكوتي إجماع وحجة تقريرًا لمذهب الجمهور، فإن نقل بعد التواتر كان إجماعًا قطعيًّا كالإجماع على تحريم ربا الجاهلية، ووجوب الحجّ مرَّة واحدة في العمر، وعلى وجوب الزكاة في الذهب وعلى كفر تارك الصلاة الجاحد لوجوبها وقتله كفرًا ما لم يتب(٢٠)، أمّا الظني من الإجماع السكوتي هو ما نقل بعدد الآحاد، وهو حجّة ظنية ويدلّ على صحّة الإجماع السكوتي:

أنَّ المعهود في كلّ عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويسلم الباقون لهم، فظهر بذلك أنّ سكوت الباقين إقرار لهم على الحكم الذي انتهوا إليه، ولا يخفى - من جهة أخرى - أنَّ السكوت معتبر في المسائل الاعتقادية أي يدل على رضى الساكت، لأنه لا يحلّ السكوت فيها على الباطل فتلحق بها المسائل الاجتهادية بجامع أن الحقّ واحد، فلا يجوز السكوت في موضع بيان المخالفة؛ لأنّ الساكت عن الحقّ شيطان أخرس، إذ السكوت عن الباطل باطل، لأنه ترك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد شهد الله على هذه الأمّة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا يتّصف به أهل العلم والعدالة، وعليه فيكون سكوتهم عن موافقة من أعلن رأيه في المسألة معتبرًا، ولأنه وقع ذلك من التابعين عند عدم وجود نصِّ، فقد عملوا بقول لصحابي انتشر وسكت عن الإنكار بقية الصحابة، فدلَّ ذلك على اتفاق التابعين على وجوب العمل به، وعدم العدول عنه إلى غيره(٢١).

أمَّا قول الصحابي إذا لم ينتشر ولم يعرف له مخالف فقد اختلف العلماء في حجّيته على غيره على آراء مختلفة، فمذهب جمهور الأشاعرة والمعتزلة والشافعي في قول ورواية عن أحمد إنكار حجّية قول الصحابي وهو رأي منسوب إلى جمهور الأصوليِّين، واختاره الكرخي وابن حزم والغزالي والآمدي وابن الحاجب والشوكاني وغيرهم، وذهب أئمّة الحنفية والمشهور عن مالك وأكثر المالكية، والحنابلة، وبعض الشافعية إلى أنه حجّة شرعية مقدّمة على القياس خلافًا لمن يقول بحجّيته إذا انضمّ إليه قياس، وهو ظاهر مذهب الشافعي في الجديد، أو من يرى حجّيته فيما خالف القياس وهو مذهب الحنفية وغيرهم(٢٢)،
والقول بحجّية قول الصحابي إذا لم يخالف فيه قول صحابي آخر ولم ينتشر حجّة، لأنَّ قوله مرجّح على رأي التابعي وهو أقرب إلى إصابة الحقِّ وأبعد عن الخطإ، وقد خصّهم الله تعالى بتوقّد الأذهان وفصاحة اللسان، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، شهدوا التَّنـزيل وعرفوا التأويل ووقفوا على أحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومراده في كلامه على ما لم يقف عليه غيرهم، فكانوا أبرّ الأمّة قلوبًا وأعمقهم علمًا و أقلّهم تكلُّفًا وقد أثنى الله عليهم بقوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾(٢٣) فمن كان هذا شأنه فإن قوله أولى بالاتباع وأحظى في إصابة الحقّ.

وممّا يتفرّع على الاختلاف في الإجماع السكوتي الظني مسألة زكاة عروض التجارة فمن قال بحجّيته قال بوجوب زكاة عروض التجارة، وهو مذهب الجمهور الذين استدلّوا بالآية والحديث والآثار، ولما صحَّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «ليس في العروض زكاة إلاَّ ما كان للتجارة»(٢٤)، ولم يعلم أنَّ أحدًا منهم خالف في ذلك فهو إجماع سكوتي(٢٥)، ومن منع حجّية الإجماع السكوتي استحكم البراءة الأصلية التي تؤيّدها قاعدة: «الأصل في الأموال التحريم» ومنع وجوب الزكاة في عروض التجارة وبهذا قال ابن حزم(٢٦) والشوكاني(٢٧).



فصْلٌ
[في إحداث قول ثالث فيما إذا اختلف الصحابة على قولين]



* قال الباجي - رحمه الله - في ص: 285: «إِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ فِي حُكْمٍ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ، هَذَا قَوْلُ كَافَّةِ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعيِّ، وَقَالَ دَاوُدُ: يَجُوزُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ».

[م] مذهب الأكثرين أنَّ إحداث قول ثالث في مسألة اختلف فيها على قولين ممنوع، وبه قال محمّد بن الحسن الشيباني خلافًا لبعض الحنفية والمتكلِّمين وأهل الظاهر، وفي المسألة رأي ثالث يفصِّل ووجهه: إن كان إحداث قول ثالث يترتّب عليه الخروج عمَّا أجمعوا عليه فلا يجوز إحداثه وإلاَّ جاز، واختاره الفخر الرازي والآمدي وابن حاجب والبيضاوي والقرافي وابن السبكي وغيرهم(٢٨).

والظاهر عدم اختصاص المسألة بالصحابة بل هي شاملة لأهل عصر من العصور إذا اختلفوا على قولين فهل يعدُّ هذا الاختلاف إجماعًا عليهما؟
وينبني على اعتباره مسألتان:

الأولى: إنه لا يجوز لمن بعدهم الإجماع على إحداث قول ثالث مثل: اختلاف الصحابة في الإخوة مع الجدِّ، فيرى البعض أنَّ الجدَّ أبٌ يحجب الأخ، ويرى غيرهم أنَّ الجدَّ والأخ يرثان فكلا المذهبين يُجمعان على أنَّ للجدِّ نصيبًا، فالقول بأنَّ الأخ يحجب الجدّ خرق للإجماع، ومذهب الجمهور هو الصحيح لأنّ إحداث قول ثالث إذا كان رافعًا لما اتفق الأولون فمخالفته لا تجوز، لأنَّ في ذلك نسبة الأمّة إلى ضياع الحقِّ والغفلة عنه، وذلك باطل قطعًا، وينبني عليه أيضًا القول بخلوِّ العصر عن قائمٍ لله بحجّته، وأنه لم يبق من أهل ذلك العصر على الحقِّ أحد، وهذا باطل أيضًا.

أمَّا إحداث تفصيل لا يرفع ما اتفق عليه القولان فلا يعد هذا التفصيل قولاً جديدًا، فلا مانع منه، والمسألة تكون اجتهادية ولم يرد فيها ما يخالف الإجماع، ومثاله: قول البعض في متروك التسمية يؤكل مطلقًا، ويمنعه البعض الآخر مطلقًا، فالقول بأنه يؤكل في ترك التسمية نسيانًا لا عمدًا تفصيل لأنه وافق كلاًّ من القولين في شيء، فهو في حالة النسيان وافق المجيزين وفي حالة العمد وافق المانعين(٢٩).

المسألة الثانية: وهي أنّ الصحابة إذا اختلفوا على قولين لم يجز لمن بعدهم الإجماع على أحد القولين، لأنَّ نزاع الصحابة واختلافهم لا يمكن أن يكون على خلاف الإجماع فلا يصحّ إجماع يخالفه بعض الصحابة، وعليه فالمسائل على نوعين:

النوع الأول: ما للصحابة فيها قول أو أقوال فيجب اتباع ما عليه الصحابة من إجماع أو اختلاف، فما كان فيه من إجماع فظاهر، وما كان عليه من اختلاف فالموقف الصحيح هو التَّخيّر من أقوالهم بالدليل، وجعلها من المسائل الاجتهادية التي ترد إلى الدليل، لأن في انعقاد الإجماع بعد اختلافهم نسبة الأمّة إلى تضييع الحقّ والغفلة عن الدليل الذي أوجب الإجماع، ولذلك لا يجوز الخروج عمَّا سنَّهُ الصحابة من مسائل الإجماع والخلاف(٣٠). قال ابن تيمية: «وذلك أنَّ إجماعهم لا يكون إلاَّ معصومًا، وإذا تنازعوا فالحقّ لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحقّ في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنّة على خلافه»(٣١).

النوع الثاني: ليس للصحابة فيها كلام منقول عنهم في حكم المسائل الحادثة بعدهم فهذا النوع يسوغ لمن بعدهم الإجماع فيه كما يجوز الاختلاف على ما يمليه الدليل الشرعي ويقرّره.



فصْلٌ
[في انعقاد الإجماع على الحكم من جهة القياس]



* قال الباجي - رحمه الله - في ص: 286: «يَصِحُّ أَنْ يَنْعَقِدُ الإِجْمَاعُ عَلَى الحُكْمِ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ فِي قَوْلِ كَافةِ الفُقَهَاءِ، وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَريُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَصِحُّ وُجُودُهُ، وَلَوْ وُجِدَ لَكَانَ دَلِيلاً، وَقَالَ دَاوُدُ: لاَ يَصِحُّ ذَلِكَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ القِيَاسَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ».

[م] الظاهرية منعوا صحّة الإجماع على الحكم من جهة القياس بناء على أصلهم في نفي القياس وإنكاره على نحو ما قرّره المصنّف، أما ابن جرير الطبري فيرى أنّ القياس حجّة ولكن الإجماع إذا صدر منه لم يكن مقطوعًا بصحّته، ولم يمنعه مطلقًا، وقالت الشيعة والقاشاني من المعتزلة بالمنع، أما ما عليه الجمهور فإثبات ذلك صحّة ووقوعًا، غير أنهم يختلفون في كون الإجماع حجّة تحرم مخالفته أم لا تحرم؟ وفي المسألة قولان آخران(٣٢).

ومذهب الجمهور أقوى لوقوع الإجماع على الحكم من جهة القياس، والوقوع دليل الجواز، كإجماعهم على خلافة أبي بكر رضي الله عنه عملاً بقياس الإمامة الكبرى وهي الخلافة على الإمامة الصغرى وهي الصلاة، وكإجماعهم على كتابة المصحف قياسًا على حفظه في الصدور، وإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسًا على تحريم لحمه، وإجماعهم على قتال مانعي الزكاة قياسًا على تارك الصلاة.

هذا، وسبب الخلاف في هذه المسألة راجع إلى صلاحية الدليل الظني مستندًا للإجماع؟ فالجمهور على جوازه لكون النصوص المثبتة للإجماع وردت عامة وشاملة للإجماع المستند للدليل القطعي والظني، ولما كان القياس يفيد الظنّ فإنه يصلح مستندًا للإجماع.

أمَّا القول بأنه لو استند الإجماع إلى القياس مع العلم أنّ القياس يجوز مخالفته اتفاقًا للزم جواز مخالفة الإجماع تبعًا لمستنده، والمعلوم عدم جواز مخالفة الإجماع قولاً واحدًا لأهل العلم، وعليه فلا يجوز انعقاد الإجماع على الحكم من جهة القياس من أجل المخالفة.

وجوابه إنَّ القياس إنما تجوز مخالفته قبل الإجماع عليه، أما بعد الإجماع فلا يسوغ مخالفته بالإجماع عليه.



بَابُ
الكَلاَمِ فِي مَعْقُولِ الأَصْلِ
[فصل: في لحن الخطاب]



* قال الباجي - رحمه الله - في ص: 288 - بعد أن قسم معقول الأصل إلى: لحن الخطاب وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب - ما نصه: «فَأَمَّا لَحْنُ الخِطَابِ فَهُوَ الضَّمِيرُ الَّذِي لاَ يَتِمُّ الكَلاَمُ إِلاَّ به»... يتبع.



--------------------------------------------------------------------------------

١- مجموع الفتاوى لابن تيمية: 20/204-306.
٢- المصدر السابق نفسه: 20/308.
٣- انظر: إحكام الفصول للباجي: 480. ترتيب المدارك للقاضي عياض: 1/68. منتهى السول لابن الحاجب: 57. شرح تنقيح الفصول للقرافي: 334. نشر البنود للعلوي: 2/89. الجواهر الثمينة للمشاط: 207. الفكر السامي للحجوي: 1/2/388. المذكرة للشنقيطي: 154.
٤- انظر المصادر المثبتة على هامش الإشارة: 282.
٥- "موطأ" مالك: 1/78.
٦- انظر: المغني لابن قدامة: 1/361 وقال: "والحامل لا تحيض إلاَّ أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة فيكون دم نفاس".
٧- موطأ مالك: 1/263.
٨- الهداية للمرغناني: 2/3.
٩- الموطأ لمالك:1/32.
١٠- الهداية للمرغيناني: 1/405. المغني لابن قدامة: 2/282.
١١- الموطأ لمالك: 2/63.
١٢- الهداية للمرغيناني: 2/395.
١٣- الموطأ لمالك: 2/71.
١٤- الهداية للمرغيناني: 3/178.
١٥- موطأ مالك: 2/199.
١٦- والمسألة متفرعة أيضًا من قاعدة: «الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو». انظر: الهداية للمرغيناني: 2/16.
١٧- موطأ مالك بشرح تنوير الحوالك: 2/58.
١٨- انظر المسألة مفصلة في مؤلفنا: «ذوو الأرحام في أحكام المواريث».
١٩- انظر المصادر الأصولية المثبة على هامش الإشارة: 284.
٢٠- سلالة الفوائد الأصولية للسديس: 63.
٢١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 384.
٢٢- انظر تفصيل المسألة في: المعتمد لأبي الحسين: 2/ 539. المسائل الأصولية لأبي يعلى: 49. التبصرة للشيرازي: 395. الإحكام لابن حزم: 4/219. البرهان للجويني: 2/1358. أصول السرخسي: 2/ 105. المستصفى للغزالي: 1/260. المحصول للرازي: 2/3/178. الإحكام للآمدي: 3/195. المسودة لآل تيمية: 336. القواعد والفوائد للبعلي: 295. فواتح الرحموت للأنصاري: 140. إرشاد الفحول للشوكاني: 243. مذكرة الشنقيطي: 164.
٢٣- آية 100 من سورة آل عمران.
٢٤- حديث موقوف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال الألباني في تمام المنة (364): «أخرجه الإمام الشافعي في الأم بسند صحيح».
٢٥- أضواء البيان للشنقيطي: 2/458.
٢٦- المحلى لابن حزم: 6/233.
٢٧- السيل الجرار للشوكاني: 2/26.
٢٨- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 285.
٢٩- مذكرة الشنقيطي: 156-157.
٣٠- الفقيه والمتفقهة للخطيب البغدادي: 1/173.
٣١- مجموع الفتاوى لابن تيمية: 13/24.
٣٢- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 286
.
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-02-2009, 11:58 PM   #16
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"




بَابُ الكَلاَمِ فِي مَعْقُولِ الأَصْلِ

[فصل: في لحن الخطاب
]



• قال الباجي -رحمه الله- في ص: 288 -بعد أن قسم معقول الأصل إلى: لحن الخطاب وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب- ما نصه: "فَأَمَّا لَحْنُ الخِطَابِ فَهُوَ الضَّمِيرُ الَّذِي لاَ يَتِمُّ الكَلاَمُ إِلاَّ به".

[م] الظاهر من كلام المصنّف إطلاقه لاصطلاح لحن الخطاب على دلالة الاقتضاء، وهي من المنطوق غير الصريح، وقد اصطلح جماعة من أهل الأصول على هذا الإطلاق، منهم أبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الغزالي وشهاب الدين القرافي وغيرهم.

ومن هنا تجدر الإشارة إلى أنّ لفظ لحن الخطاب يختلف إطلاقه باختلاف مقصود كلّ أصولي، فكما أطلقه بعضهم على دلالة الاقتضاء، أطلقه آخرون على مفهوم المخالفة كما فعل الإسنوي، أو على المساوي من مفهوم الموافقة كما جاء عن الشوكاني إطلاقه، وسوَّى الآمدي وابن الحاجب بين لحن الخطاب وفحواه، وعلى ذلك ينبغي الوقوف عند المراد من هذا الإطلاق الاصطلاحي(۱).

ودلالة الاقتضاء هي أحد أقسام المنطوق غير الصريح الذي يطلق عليه أيضًا دلالة الالتزام وهو -أي المنطوق غير الصريح، أو دلالة الالتزام-: المعنى الذي دلّ عليه اللفظ في غير ما وُضع له كدلالة الأربعة على الزوجية،
وهو على ثلاثة أقسام:
دلالة الاقتضاء، ودلالة الإيماء، ودلالة الإشارة،
ودليل الحصر في هذه القسمة الثلاثية هو: أنّ المدلول عليه بالالتزام إمّا أن يكون مقصودًا للمتكلّم باللفظ أو لا يكون مقصودًا له، فإن كان مقصودًا للمتكلّم فإمّا أن يتوقّف على المدلول صدق الكلام أو صحّته عقلاً أو شرعًا، فدلالة اللفظ عليه تسمَّى دلالة الاقتضاء، وإمّا أن لا يتوقّف عليه ذلك، فدلالة اللفظ عليه تسمَّى دلالة إيماء، أمّا إن لم يكن مقصودًا للمتكلِّم فدلالة اللفظ عليه تسمّى دلالة الإشارة.

هذا، ودلالة الاقتضاء هي: أن يتضمَّن الكلام إضمارًا ضروريًّا لا بد من تقديره، لأنّ الكلام لا يستقيم دونه، أو هي: دلالة اللفظ على معنى لازم مقصود للمتكلّم يتوقّف عليه صدق الكلام أو صحّته الشرعية أو صحّته العقلية، لذلك كان على ثلاثة أنواع:

- إمّا لأنّ الكلام لا يستقيم لتوقّف الصدق عليه كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اْسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"(۲)، فإن ذات الخطإ والنسيان والإكراه لم ترتفع بل يقع في الأمّة ذلك وليست بمعصومة عنها، والرسول لا يخبر إلاّ صدقًا، لذلك وجب تقدير محذوف ليكون الكلام صدقًا ومستقيمًا، وتقديره مستفاد من عبارة النصّ وهي "الإثم والمؤاخذة" ليكون تقدير الكلام: "وضع عن أمّتي إثم الخطإ، وإثم النسيان، وإثم الإكراه"، فلولا تقديره مقدّمًا لكان الكلام كذبًا، ومخالفًا للواقع والحقيقة.

- وإمّا لتوقّف الصحّة عليه شرعًا، وقد مثَّل له المصنِّف بقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾(۳)، فالظاهر أنّ فرض المريض والمسافر الأيام الأخر سواء صامَا أو لم يصومَا(٤)، لكن لما عُلم شرعًا أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم صام بعد نزول هذه الآية وأقرّ الصحابة على صيامهم، فدلّ ذلك على وجوب تقدير [فأفطر] ضرورة لتصحيح الكلام من جهة الشرع، فيمتنع وجود الملفوظ شرعًا بدون ذلك المقتضى(٥).

- وإمّا لتوقّف الصحّة عليه عقلاً، مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾(٦)، فإنّ العقل يمنع من توجيه السؤال إلى ذات القرية، لذلك وجب إضمار مخاطَب ليصحَّ الكلام من جهة العقل وهو [أهل] فيكون التقدير: واسأل أهل القرية(٧)، ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾(۸) فإنّ العقل يمنع من إضافة الحكم إلى ذات الميتة، فكان إضمار فعل يتعلّق به التحريم واجبًا عقلاً وهو [الأكل] فيكون التقدير: حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَكْلُ المَيْتَة، وإنما وجب تقديره ضرورة لتصحيح الكلام من جهة العقل، فيمتنع وجود الملفوظ عقلاً بدون ذلك المقتضى.

هذا، وأمّا القسم الثاني من المنطوق غير الصريح فهو دلالة الإيماء، أو الإيماء والتنبيه(٩)، وهي: أن يقترن بالحكم وصف لو لم يكن هذا الوصف تعليلاً لهذا الحكم لكان حشوًا في الكلام لا فائدة منه، وهذا الذي ينبغي أن تُنَـزَّه ألفاظ الشارع عنه، فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾(۱۰) فإنه إيماء وتنبيه إلى صيرورتهم في النعيم لِعِلّة بِرِّهم، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾(۱۱) فإنه إيماء وتنبيه بأنهم ما صاروا إلى الجحيم إلاّ لفجورهم.

وأمّا القسم الثالث فهو دلالة الإشارة، وهي: أن يدلّ اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم المقصود، أي قصده يأتي تبعًا للفظ كاستفادة أقلّ مدّة الحمل [ستة أشهر] من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾(۱۲) مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾(۱۳) فالآية الأولى وردت في بيان حقِّ الوالدة وما تعانيه من الآلام في الحمل وفي فصاله، وأمّا الثانية فالمقصود منها بيان أكثر مدّة الفصال، أمّا اللازم غير المقصود منها هو: أنّ أقلّ مدّة الحمل ستة أشهر، وهي دلالة الإشارة. واستفيد ذلك من حاصل طرح مدّة الفصال في الآية الثانية من مدتي الحمل والفصال في الآية الأولى.

هذا، ويقابل المنطوق غير الصريح المنطوق الصريح وهو المعنى الذي وضع له اللفظ وهو يشمل دلالة المطابقة كدلالة الرجل على الإنسان الذكر، ودلالة التضمّن كدلالة الأربعة على الواحد وهو ربُعها(١٤).



• قال الباجي -رحمه الله- (في ص289): "وَقَدْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ ادِّعَاءُ ضَمِيرٍ يَتِمُّ الكَلاَمُ دُونَهُ، نَحْوُ اسْتِدْلاَلِنَا عَلَى أَنَّ العَظْمَ تَحُلُّهُ الحَيَاةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78]، فَيَقُولُ الحَنَفِيُّ: المُرَادُ مَنْ يُحْييِ أَصْحَابَ العِظَامِ، فَمِثْلُ هَذَا لاَ يَجُوزُ فِيهِ تَقْديرُ مُضْمَرٍ إِلاَّ بِدَلِيلٍ اسْتِقْلاَلِ الكَلاَمِ دُونَهُ".

[م] وهذا هو الضرب الثاني من لحن الخطاب، غير أنّ الكلام يتمّ دون تقدير الضمير، فالواجب حمل الكلام على ظاهره لاستغنائه بنفسه، لأنّ الأصل في اللفظ أن يكون مستقلاًّ بذاته لا يتوقّف على تقدير مضمر(١٥)، والإضمار على خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين أن يكون مستقلاًّ بنفسه أو مضمرًا على نحو ما مثل به المصنِّف فإنه يحمل على استقلاله، وهو عدم التقدير لقِلَّة اضطرابه(١٦).

ومن أمثلته -أيضًا- من يرى بحرمة أكل السباع بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل كلّ ذي نابٍ من السباع(١٧) فيقول المخالف إنما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أكلته السباع، لا أنَّ السباع لا تؤكل، وبذلك تحصل مطابقة الحديث لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾(١٨).

وعليه يكون التقدير: "أكل مأكول كلّ ذي ناب من السباع حرام" فمثل هذا لا يجوز تقدير مضمر، لأنَّ لفظ الحديث يكتفي بذاته، وغير مضطرب، والأصل في الكلام الاستقلال(١٩).



فصل
[في فحوى الخطاب]


• قال الباجي-رحمه الله- (في ص: 290): "وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَهُوَ فَحْوَى الخِطَابِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ نَفْسِ الخِطَابِ مِنْ قَصْدِ المُتَكَلِّمِ بِعُرْفِ اللُّغَةِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ(٢٠) وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]، فَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ المَنْعُ مِنَ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ، وَيَجْرِي مَجْرَى النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ فِي وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ وَالمَصِيرِ إِلَيْهِ".

[م] لم يتّفق العلماء على اصطلاح واحد بشأن فحوى الخطاب، فقد أطلقه المصنِّف على مفهوم الموافقة وهو إطلاق الأكثرين، ويسمّى -أيضًا- تنبيه الخطاب، ومفهوم الخطاب على ماسمّاه به أبو يعلى والكلواذاني، ويطلق بعض المالكية تنبيه الخطاب على مفهوم المخالفة، ويطلق فحوى الخطاب - أيضا- على الأولوي، ويسوي بعض العلماء بين لحن الخطاب وفحواه على ما تقدّم(٢١).

ويذهب تاج الدين السبكي ومن تبعه إلى القول بوجود تباين في التسمية بين لحن الخطاب وهو: [ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به]، وفحوى الخطاب الذي هو: [ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به]، وهذا التفريق غير مستقيم من حيث اللفظ والتسمية لذلك لم يلتزمه الجمهور، بل عدّهما مترادفين؛ لأنّ فحوى الكلام يقصد به معناه، وهو المراد باللحن كقولهم: "عرفت ذلك من لحن كلامه" أي فحواه، ومن قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾(٢٢) أي: في مفهومه وما يظهر بالفطنة، وعليه يبقى التفريق بينهما على هذا الوجه مفتقرًا إلى قرينة تقويه، أمّا اصطلاحًا فلا مشاحة فيه بعد فهم المعنى.

وقد مثَّل المصنّف للمفهوم الأولوي [فحوى الخطاب] بمثال يقطع فيه بنفي الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق به لاقتضاء الضرب والشتم معنى أولويا من التأفيف في الإساءة للوالدين، غير أنَّ من المفهوم الأولوي ما يظنّ فيه انتفاء الفارق بينهما من غير قطع فيه بنفي الفارق، كإلحاق شهادة الكافر على شهادة الفاسق في ردّ شهادته بقوله تبارك وتعالى -في شأن الفاسق-: ﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾(٢٣)، لاحتمال الفرق من جهة كون الكافر يحترز عن الكذب لدينه، والفاسق متهم في دينه، وكإلحاق العمياء بالعوراء في منع الأضحية، لاحتمال أنَّ العوراء مظنّة الهزال والعمياء مظنّة السمن(٢٤).

وجدير بالملاحظة أنّ المصنِّف لم يتناول الفرق بينه وبين المفهوم المساوي أو لحن الخطاب وهو: "ما كان المسكوت عليه مساويًا للمنطوق به" لذلك اكتفى بالتمثيل لفحوى الخطاب، وبيان أنه يجري مجرى النصّ، ومن أمثلة أهل العلم على المفهوم المساوي، تحريم إتلاف مال اليتيم من تحريم أكله في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾(٢٥) لاقتضاء الأكل والإحراق والإغراق معنى التعدِّي والتضييع، فالجميع إتلاف، وهذا المثال يقطع فيه بنفي الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق به.

ومثال المفهوم المساوي الذي يظنّ فيه انتفاء الفارق بينهما من غير قطع: إلحاق الأَمَة بالعبد في السراية في العتق في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ بِهِ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ العَدْلِ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»(٢٦).إذ لا فرق بينهما، غير أنّ احتمال خصوصية العبد بعد العتق مزاولته مناصب الرجال ما لا تزاوله الأنثى ولو كانت حرّة(٢٧).

وقول المصنِّف: "فَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ"، هو ما عليه جمهور العلماء من أنَّ مستند الحكم في محلّ السكوت هو فحوى الدلالة اللفظية لغة، وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية، وسمّاه الحنفية دلالة النصّ خلافًا لمذهب الشافعي فإنّ دلالته قياسية، أي أنَّ مفهوم الموافقة يدلّ على إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به لاشتراكهما في علّة الحكم، فانطبق عليه حدّ القياس وبهذا قال أبو إسحاق الشيرازي والجويني والقفال الشاشي وابن برهان وغيرهم(٢٨).

والقول بأنّ دلالة المفهوم دلالة لفظية هو الصحيح، لأنّ التنبيه من الأدنى إلى الأعلى أو بأحد المتساويين على الآخر من الأساليب الفصيحة التي تجري على اللسان العربي للمبالغة في تأكيد الحكم محلّ السكوت، ولأنّ دلالة المفهوم ثابتة قبل استعمال القياس، فلا يتوقّف فهمه على الاجتهاد والاستنباط والتأمّل والاعتبار الدقيق، بل مجرّد سماع اللفظ ينتقل مباشرة من العارف باللغة من المنطوق إلى المسكوت انتقالاً ذهنيًّا سريعًا، كتحريم التأفيف، فيفهم منه العارف باللغة جميع أنواع الأذى من ضرب وشتم وقتل ونحو ذلك من غير توقّف على مقدّمات شرعية أو استنتاجية، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾(٢٩)، فإنه يتبادر إلى الذهن مباشرة أنّ أربعة عدول المسكوت عنهم أولى عند العارف باللغة سواء علم شرعية القياس أو جهلها فكان الحكم الثابت بمفهوم الموافقة مستندًا في فهمه إلى المناط اللغوي، علمًا أنَّ من شروط المقيس عليه أن لا يكون جزءًا من الفرع المقيس مندرجًا تحته وهذا بخلاف مفهوم الموافقة فإنَّ الاثنين يدخلان في الأربعة، والتأفيف يدخل في عموم الأذى وهما جزء من الزيادة، ومن جهة أخرى فإنَّ من شرط الفرع المقيس أن يكون حكمه دون الأصل المقيس عليه، بخلاف مفهوم الموافقة فمن شرط مساواته بالأصل المنطوق أو أن يكون أعلى منه، ولذلك كان المعنى المشترك بين المنطوق والمفهوم شرطًا لغويًّا لدلالة المنطوق على المسكوت وليس قياسيًّا.

وبناءً على ما تقدّم فمن رأى أنَّ دلالة مفهوم الموافقة لفظية، قال بجواز النسخ بالمفهوم، وتقديمه على القياس، لكونه أقوى منه، إذ هو معدود من الألفاظ الشرعية، واللفظ ينسخ وينسخ به، ودلالته مقدّمة على القياس، أمّا من رأى أنَّ دلالة مفهوم الموافقة قياسية، منع النسخ، وجعله أضعف من دلالة الألفاظ معاملة له بما يعامل به القياس.

هذا، والاحتجاج بمفهوم الموافقة ووجوب العمل به محلّ إجماع بين العلماء من حيث الجملة، وخالف في ذلك داود الظاهري وابن حزم(۳۰)، قال ابن رشد: "لا ينبغي للظاهرية أن تنازع فيه -أي مفهوم الموافقة- لأنّه من باب السمع، والذي يَرُدُّ ذلك يرد نوعًا من خطاب العرب"(۳۱)، وحكم ابن تيمية على خلافهم بأنه مكابرة(۳۲). ولا يخفى ما يترتّب على قول الظاهرية من آثار فقهية حيث جعلوا مفهوم الموافقة من قبيل القياس، ونفوا القياس أصلاًَ وأنكروا حجّيته(۳۳).



فصلٌ
[في مفهوم الحصر]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص292): "وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ: فَهُوَ الحَصْرُ، وَلَهُ لَفْظٌ وَاحِدٌ وَهُوَ "إِنَّمَا"وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"(۳٤) فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ المُعْتِقِ لاَ وَلاَءَ لَهُ".

[م] جعل المصنِّفُ لفظ الحصر واحدًا وهو "إنما" وإلى هذا ذهب الباقلاَّني وجماعة من المتكلِّمين، وذهب جماعة من المالكية والشافعية وغيرهما إلى أنَّ للحصر أدوات أخرى غير "إنما" وهي: تقدم النفي قبل أدوات الاستثناء(٣٥).

وتقديم المعمولات مثل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(٣٦)، أي: لا نعبد إلاَّ إياك، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾(٣٧) أي: أنهم لا يعملون إلاَّ بأمره، والمبتدأ مع الخبر، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»(۳۸)، وقوله صلى الله عليه وآله سلم: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمُ»(۳۹) فيدلّ على حصر التحريم في التكبير، والتحليل في التسليم، والشفعة فيما لم يقسم، كذلك أخذ الجمهور بهذا خلافًا لأكثر الأحناف الذين لم يشترطوا ذلك(٤٠)، وعدم قصر المفهوم على أداة "إنما" هو مذهب الشيرازي، واختاره القرافي، وعرفه بقوله: "هو إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه بصيغة "إنما" ونحوها"(٤١).

هذا وأداة "إنما" تدلّ على الحصر عند الجمهور، لأنها مركّبة من جزئين هما: "إنَّ" المشدّدة الموضوعة للإثبات، و"ما" للنفي، وإذا كانت تفيده في حالة انفراد فينبغي استصحابه في حالة التركيب، وقد جاء من استعمال النصوص الشرعية، والأشعار العربية، ما يحسن فيها الحصر، والأصل الحقيقة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾(٤٢)، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾(٤٣)، وقد فسّر ذلك بصريح الحصر في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ﴾(٤٤)، وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»(٤٥)، فقد فسّر بقولهم: "لا عمل إلاَّ بالنية"(٤٦)، لذلك قال ابن تيمية: "الحصر في"إنما" من جنس الحصر بالنفي والاستثناء"(٤٧).



• و قال الباجي -رحمه الله- في (ص293): "نَحْوُ قَوْلِكَ: "إِنَّمَا الكَرِيمُ يُوسُفُ…" وَإِنَّمَا أَرَادَ إِثْبَاتَ ذَلِكَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَزِيَّةً فِي الكَلاَمِ عَلَى غَيْرِهِ، إِلاَّ أَنَّ الظَّاهِرَ مَا بَدَأْنَا بِهِ أَوَّلاً فَلاَ يُعْدَلُ عَنْهُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ".

[م] فعلى مذهب أكثر الحنفية أنّ تقييد الحكم بلفظ "إنما" لا يدلّ على الحصر، وإنما يدلّ على إثبات الحكم المذكور ولا يدلّ على نفي ما عداه، وبهذا قال الآمدي والطوفي(٤٨) وغيرهما، وتعليل ذلك أنّ "إنما" مركبة من "إِنَّ" للتأكيد، وهي مختصّة بالدخول على الأسماء في الأصل و"ما" كافّة أي تكفّ "إنَّ" وأخواتها عن العمل فيما بعدها، وتصيِّرها صالحة للدخول على الأفعال، وإذا كانت "ما" كافة فليست بنافية، فقولنا: "إنما الكريم يوسف" فإنه يدلّ على إثبات الكرم ليوسف، ولا تنفي الكرم عن غيره من الناس(٤٩).

هذا، وقد اختلف العلماء في إفادة مفهوم "إنما" الحكم عند تقييد الحكم بها، فذهب أكثر الحنفية إلى عدم إفادتها الحصر مطلقًا لا نُطقًا ولا فَهمًا، بل تؤكّد الإثبات، وبهذا قال الآمدي والقرافي والطوفي وجمهور النحويين، وذهب جمهور الحنابلة وبعض الحنفية والمالكية والشافعية إلى إفادتها الحصر، وبهذا قال أبو يعلى والمصنِّف والغزالي والفخر الرازي والبيضاوي وغيرهم(٥٠)، وهو الصحيح(٥١)، لأنّ "إنما" تفيد الإثبات والنفي، وتُلحق بالاستثناء من النفي الذي هو إثبات إلحاقًا قياسيًّا، فإذا صحَّ القول: "لا كريم إلاَّ يوسف" يفيد نفي الكرم عن غيره وتأكيد الكرم بإثباته له، فكذلك في تقييد الحكم بلفظ "إنما" والخلاف في هذه المسألة معنويٌّ له آثاره الفقهية، فمن اعتبر الحصر المستفاد من لفظ "إنما" أثبت للمذكور تلك الصفة أو الحكم ونفاه عن غيره، ومن رأى إفادتها لتأكيد إثبات الحكم المذكور فإنه لم ينف ما عداه.



فصْلٌ
[فِي دَلِيلِ الخِطَابِ]


• قال الباجي-رحمه الله- في (ص 294): "وَمِمَّا يَلْحَقُ بِذَلِكَ وَيَقْرُبُ مِنْهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ دَلِيلُ الخِطَابِ".

[م] وسُمِّي دليل الخطاب؛ لأنّ دلالته من جنس دلالات الخطاب، أو لأنّ الخطاب دالٌّ عليه، أو لمخالفته منظوم الخطاب(٥٢)، ويسمَّى -أيضًا- مفهوم المخالفة(٥٣).

والمصنِّف قدَّمَ أحدَ أنواع مفهوم المخالفة وهو مفهوم الحصر ﺑ: "إنما" الذي يندرج تحت دليل الخطاب، وجعله ممّا يقرب منه، والحقيقة أنّ مفهوم الحصر أحد أنواعه، مثل مفهوم الصفة والشرط والغاية والعدد وغيرها من أنواع مفاهيم المخالفة، لذلك كان الأولى تقديم هذا الفصل على الذي يليه من باب تقديم الأصل على فرعه أو نوعه، والمصنِّف اكتفى في هذا الفصل بمفهوم واحد وهو مفهوم الصفة، ولم يعرِّج على بقية المفاهيم، وخاصّةً مفهوم الشرط الذي يُعَدُّ أقوى من مفهوم الصفة ومفهوم العِلة ومفهوم الاستثناء بالنفي والإثبات أقوى منهما وقد احتجَّ بهذه المفاهيم من لم يحتجَّ بمفهوم الصفة، وغالب استعماله في كلام العرب للتعليل، لكون الشرط يلزم من عدمه عدم المشروط مثل قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾(٥٤).



• قال الباجي -رحمه الله- في تعريف دليل الخطاب بقوله: "وَهُوَ: أَنْ يُعَلِّقَ الحُكْمُ عَلَى مَعْنَى فِي بَعْضِ الجِنْسِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ عِنْدَ القَائِلِينَ بِهِ نَفْيُ ذَلِكَ الحُكْمِ عَمَّا لَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ المَعْنَى مِنْ ذَلِكَ الجِنْسِ(٥٥)، نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ»(٥٦) فَيَقْتَضِي ذَلِكَ نَفْيَ الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ".

[م] ولدليل الخطاب حدودٌ أخرى غير تعريف المصنِّف منها أنه: "دلالة اللفظ على ثبوت حكم المسكوت عنه مخالف للحكم الذي دلَّ عليه المنطوق نفيًا وإثباتًا"، أو هو: "الاستدلال بتخصيص الشيء بالذِّكر على نفي الحكم عمَّا عداه"(٥٧).

وعبارة المصنِّف في تعريفه تظهر بأن تعليق الحكم بالصفة في جنس يقتضي نفي الحكم عمَّا عدا الموصوف بتلك الصفة في ذلك الجنس من غير أن تتعدّى إلى جنس آخر، وهو مذهب القائلين بحجّية مفهوم الصفة، ففي الحديث السابق "فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاة" دلالة بالمفهوم على أنَّ معلوفة الغنم لا زكاة فيها بخلاف معلوفة الإبل والبقر ففيها الزكاة، لأنَّ المنطوق لم يتناول إلاّ الجنس المذكور فمخالفه بالمقابل لا يتناول إلاّ الجنس المذكور تحقيقًا لوجه المخالفة ومعناها(٥٨).

وهذا المثال الذي ساقه المصنِّف يُعَدُّ أحدَ أنواع مفاهيم المخالفة، وهو مفهوم الصفة، وهو في نفس الوقت أحد صور مفهوم الصفة، وهو أن يذكر الخطاب العامّ معلّقًا حكمه على وصف خاصّ يذكر بعده، ولمفهوم الصفة صور أخرى منها:

- مفهوم الحال: أي تقييد الخطاب بالحال فيدلّ على نفي الحكم عمَّا عدا تلك الحال، مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾(٥٩) فدلّت الآية بمفهومها المخالف على حلّ المباشرة إذا انتفت الحالة المعنية بالتحريم، وهي الاعتكاف، ومفهوم الحال معدود من مفاهيم الصفة، لأنّ المراد الصفة المعنوية لا النعت(٦٠).

- مفهوم المكان: أي تقييد الخطاب بالمكان فيدلّ على نفي الحكم عمّا عدا ذلك المكان، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾(٦١) حيث يفهم منه أنه لااعتكاف في غير المساجد لمن يقول بذلك.

- مفهوم الزمان: أي تقييد الخطاب بالزمان ونفي الحكم عمّا عدا ذلك الزمان، مثل قوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٍ﴾(٦٢) فيفهم منه عدم صحّة الحجّ إذا وقع في غير زمانه(٦٣).

- مفهوم التقسيم: أي تقييد الخطاب بأحد القسمين المذكورين فيدلّ على نفي الحكم عن القسم الآخر، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم:«الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُها»(٦٤) فإنه يُفهم بأنّ البِكْرَ ليست أحقّ بنفسها من ولِيِّهَا.

- مفهوم العِلَّة: أي تعليق الحكم بالعِلة فيدلُّ على نفي الحكم عمَّا لم تتعلّق به تلك العِلَّة، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»(٦٥) فيفهم منه تحليل غير المسكر(٦٦).



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 294)" عند ذكر اختلاف العلماء في الاحتجاج بمفهوم الصفة: "وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى القَوْلِ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعيِّ، وَمَنَعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ".

[م] جميع مفاهيم المخالفة حجّة عند جمهور الفقهاء ما عدا مفهوم اللقب(٦٧)، فليس بحُجَّة، لهذا قال الغزالي: "وقد أقرَّ بِبُطلانه كلّ محصّل من القائلين بالمفهوم"(٦٨)، وأنكر أبو حنيفة الجميع، وبه قال ابن حزم الظاهري، وأبو بكر القفّال، وأبو العباس بن سريج، والقاضي أبو حامد المروزي والباقلاّني وأبو حامد الغزالي، ووافقهم الأخفش وابن فارس وابن جِنِّي من أئمّة اللغة، وإلى هذا القول مال المصنِّف وصحَّحه، واختاره الآمدي(٦٩).

والصحيح مذهب الجمهور لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له لما أكثر عليه في شأن عبد الله بن أبي بن سلول: «…أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَر، إني خُيِّرْتُ فاخترتُ، قَدْ قِيلَ لِي: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ" لَوْ أَعْلَمْ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ»(٧٠)، ففهم أنّ الزيادة على السبعين يكون له من الحكم خلاف المنطوق، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَقْطَعُ الصَّلاَةَ -إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ- المَرْأةُ وَالحِمَارُ وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ» قال عبد الله بن الصامت لأبي ذر: ما بال الأسود من الأحمر؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سألتني، فقال: «الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»(٧١) ففهم عبد الله بن الصامت وأبو ذرٍّ من تعليق قطع الصلاة على الكلب الأسود انتفاء الحكم عن غيره، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرّه على ذلك الفهم وبيَّن له الفرق بين الموصوف بالسواد وغيره.

كما روي -أيضًا- عن يعلى بن أُمَية أنه قال: قُلْتُ لِعُمَرَ بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾(٧٢) فقد أمن الناس، قال: عجبت ممّا عجبت منه، فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»(٧٣) فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرَّه على هذا الفهم وأجابه على الحكم، وقد فهم يعلى بن أمية وعمر بن الخطاب -وهما من فصحاء العرب- هذا الفهم مع الإقرار النبوي له.

ومن ذلك اتفاق الصحابة رضي الله عنهم في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ»(٧٤)، ناسخ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «المَاءُ مِنَ المَاَءِ»(٧٥) الدالّ بمفهومه على نفي الغسل من غير إنزال، ولو لم يكن المفهوم حجّة ولو لم يكن المفهوم حجّة لما كان نسخًا له.

وقد احتجّ أئمّة اللغة بمفهوم المخالفة، ونكتفي بنصّ الشافعي -وهو من أئمّة اللغة- حيث قال: "وفي إباحة الله تعالى نكاح حرائرهم- أي أهل الكتاب- دلالة عندي- والله تعالى أعلم- على تحريم إمائهم، لأنَّ المعلوم في اللسان إذا قصد قصد صفة من شيء بإباحة أو تحريم، كان ذلك دليلاً على أنّ ما قد خرج من تلك الصفة مخالف للمقصود قصده كما «نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل ذي ناب من السباع»(٧٦) فدلَّ ذلك على إباحة غير ذوات الأنياب من السباع(٧٧).

وعليه، فإنه إذا كان التعليق بالعِلَّة يوجب نفي الحكم لانتفاء العلة، فإنّ التعليق بالصفة كذلك إذ لا بد له من فائدة صونًا للكلام من اللغو، وإذا كان لا يستقيم أن يثبت تخصيص آحاد البلغاء بغير فائدة، فكلام الله ورسوله أجدر.



• قال المصنِّف -رحمه الله- في (ص: 295) في معرض الاستدلال على منع حُجِّية دليل الخطاب الذي صحّحه: "وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَارَوَى البُخَارِيُّ عَنِ الشِّيبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الجَرِّ الأَخْضَرِ، قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الأَبْيَضِ؟ قَالَ: لاَ"، فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الجَّرِّ الأَخْضَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الأَبْيَضَ حُكْمُهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَلَوْ جَازَ التَّعَلُّقُ بِدَلِيلِ الخِطابِ لَوَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِالمُخَالَفَةِ".

[م] فهذا دليلٌ من أدلّة نفاة مفهوم المخالفة، وجوابه -عند الجمهور-: أنّ الأخضر صفة غالبة على الجرّ؛ لأنّ الجرار الخُضر كانت شائعة بينهم، فكان ذِكر الأخضر لبيان الواقع لا للاحتراز(۷۸)، وعليه فاللفظ خرج مخرج الغالب الأعمّ فلا مفهوم له، وهو أحد القيود على حجّية مفهوم المخالفة عند الجمهور(٧٩).

ولقد كان اختلافهم في دليل الخطاب أثر واسع في الاختلاف في الفروع فمن ذلك:

- نكاح الأَمَة مع طَوْلِ الحرّة، فقد ذهب الجمهور إلى العمل بالمفهوم المخالف في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾(٨٠) الدالّ على تحريم نكاح الأَمَة المؤمنة مع طول الحرة، لدلالة المنطوق على جواز نكاح الأمَة المؤمنة بشرط عدم استطاعة طول الحرة عملاً بدليل الخطاب خلافًا للأحناف.

- نكاح الأمة الكتابية عند عدم استطاعته طول الحرة، فقد ذهب الجمهور إلى العمل بالمفهوم المخالف من الآية السابقة حيث دلّت بمفهومها على تحريم نكاح الأَمَة الكتابية لتقييد منطوقها بوصف الإيمان، وخالف الحنفية في ذلك جريًا على عدم الاحتجاج بالمفهوم المخالف(٨١).

-كما يذهب الجمهور إلى عدم جواز نكاح الأَمَة مطلقًا مؤمنة أو كتابية مع عدم خوف العَنَت وهو الوقوع في الزنا لقوله تعالى بعد الآية السابقة: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ﴾(۸۲)، وخالف في ذلك الأحناف جريًا على أصلهم في الأخذ بعموم الآيات وعدم العمل بمفهوم المخالفة في الآية.

- ما يذهب إليه الجمهور إلى أنَّ بيع النخل قبل أن يؤبَّر(٨٣) فثمرته للمشتري أخذًا من مفهوم الصفة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:«مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمْرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»(٨٤).

"فقد جعل التأبير حدًّا لملك البائع للثمرة، فيكون ما قبله للمشتري، وإلاّ لم يكن حدًّا، ولا كان ذكر التأبير مفيدًا(٨٥)"(٨٦) وخالف أبو حنيفة ورأى أنّ الثمرة للبائع سواء بين أن يكون النخل مؤبّرًا أو غير مؤبّر فإنّ قَيْدَ التأبير لا يدلّ على نفي الحكم عند عدمه(٨٧).

- ومن ذلك ما يذهب إليه الجمهور من أنّ للأب إجبار ابنته البكر البالغة على الزواج، استدلالاً بمفهوم الصفة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا»(۸۸)، فإنّ مفهومه أنَّ غير الثيب لا تكون أحقّ بنفسها، فيكون وليها أحقّ منها، لذلك كان له أن يجبرها، وخالف في ذلك أبو حنيفة حيث إنه لم ير للأب ولاية الإجبار على ابنته البكر البالغة(٨٩)، لأنَّ مفهوم المخالفة ليس حجّة عنده.


--------------------------------------------------------------------------------
١- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 289.
۲- أخرجه ابن عدي في "الكامل": 2/573 من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" : 3/95، والحاكم في المستدرك: 2/198، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/356، وابن ماجه: 1/659 من حديث ابن عباس رضي الله عنه، وللحديث طرق أخرى منها: حديث أبي ذر، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وابن عمر رضي الله عنهم، قال السخاوي في "المقاصد الحسنة"(371): "ومجموع هذه الطرق يظهر أنّ للحديث أصلاً" وقد صحّحه ابن حزم في "الأحكام" (5/149)، وقال النووي في "الأربعين": "حديث حسن".
(انظر: نصب الراية للزيعلي: 2/64. الدراية لابن حجر: 1/175. التلخيص الحبير لابن حجر: 1/281. كشف الخفاء للعجلوني: 1/522. جامع العلوم والحكم لابن حجر: 350. المقاصد الحسنة للسخاوي: 369. إرواء الغليل للألباني: 1/123).
٣- البقرة: 185.
٤- وبهذا قال الظاهرية والشيعة بأنّ الصوم في السفر لا يجزئ عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وبه قال الزهري والنخعي.
(انظر: المحلى لابن حزم: 6/243، بداية المجتهد لابن رشد: 1/295، المغني لابن قدامة: 3/149، تفسير القرطبي: 2/279، المجموع للنووي: 6/264، فتح الباري لابن حجر: 4/183، وانظر: تفصيل المذاهب في هذه المسألة في: فقه أحاديث الصيام للمؤلّف: العدد: 4).
٥- انظر المصادر المثبتة على هامش الإشارة: 289.
٦- يوسف: 82.
٧- قال الشافعي في "الرسالة" (62، 63): "باب الصنف الذي يبين سياقه معناه: قال الله تبارك وتعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 163].
فابتدأ جلّ ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآية، دلّ على أنه إنما أهل القرية، لأنّ القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون".
٨- المائدة: 3.
٩- ويسمي بعضهم بدلالة التنبيه، وبعضهم سماه بفحوى الخطاب، وآخرون بلحن الخطاب، هذا ودلالة الإيماء على ستة أنواع وهي إحدى مسالك العلة الاجتهادية.
۱۰- الانفطار: 13، المطففين: 22.
-۱۱ الإنفطار: 14.
۱۲- الأحقاف: 15.
۱۳- لقمان: 14.
١٤- انظر: "شرح الكوكب المنير" للفتوحي: 3/373، "مذكرة الشنقيطي": 234.
١٥- انظر معنى الاستقلال وما يقابله في: الإحكام للآمدي: 1/20، الإبهاج للسبكي وابنه: 1/212، مفتاح الوصول للشريف التلمساني: 282، نهاية السول للإسنوي: 1/248.
١٦- انظر: المحصول للرازي: 2/2/574، الإحكام للآمدي: 3/267، شرح تنقيح الفصول للقرافي: 112، شرح الكوكب المنير للفتوحي: 1/ 295، إرشاد الفحول للشوكاني: 278.
١٧- أخرجه مالك في " الموطإ": 2/43، والبخاري: 9/657، ومسلم: 13/82، وأبو داود: 4/159، وابن ماجه: 2/1077، والنسائي: 7/200، وابن الجارود في " المنتقى": 332 من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.
١٨- المائدة: 3.
١٩- مفتاح الوصول للتلمساني: 482-483 [ بتحقيقنا].
٢٠- "أُفٍّ" بالتنوين، اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر وأتكرَّه من كلّ شيء. أمّا بدون تنوين: أفْ، أفَّ، أفا وغير ذلك فتعني: أتضجر من شيء معين [معجم الإعراب والإملاء: 63].
٢١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 290.
۲۲- محمّد: 30.
٢٣- النور: 4.
٢٤- انظر مذكرة الشنقيطي في الأصول: 237-249، مبادئ الأصول لابن باديس: 97.
٢٥- النساء: 2.
٢٦- متفق عليه: أخرجه البخاري: 5/151، ومسلم: 10/135 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
٢٧- المصدران الأصوليان السابقان.
٢٨- انظر المصادر المثبة على هامش الإشارة: 291.
٢٩- الطلاق: 2.
٣٠- الإحكام لابن حزم: 7/3،56. واختلف القول عن داود الظاهري في الاحتجاج به. (انظر: شرح الكوكب المنير للفتوحي: 3/483، وإحكام الآمدي: 2/210).
٣١- بداية المجتهد لابن رشد: 1/4.
٣٢- المسودة لآل تيمية: 346. مجموع الفتاوى لابن تيمية: 21/207. إرشاد الفحول للشوكاني: 179.
٣٣- انظر مبحث القياس وحجّيته
٣٤- هو طرف من حديث طويل متفق عليه: أخرجه البخاري: 4/369، 376. 5/185، 187، 190، 313، 326، ومسلم: 10/140، 145. من حديث عائشة رضي اله عنها.
٣٥- ويمثل له الأصوليون بقوله تعالى: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ" [ الأنبياء: 87] واعترض عن عدِّ هذه الأداة من المفهوم غلط، بل هي من المنطوق، وهو الصحيح، لأنَّ لفظة "لا" صريحة في النفي، ولفظة" إلاَّ" صريحة في الإثبات، فكلّ من النفي والإثبات منطوق صريح، [انظر: نشر البنود للعلوي: 1/102، مذكرة الشنفيطي: 238].
٣٦- الفاتحة: 5.
٣٧- الأنبياء: 27.
٣٨- أخرجه أحمد في"مسنده": 1/ 123. وابن أبي شيبة في"مصنّفه": 1/129. والدارمي في "سننه": 1/175. وأبو داود: 1/49. وابن ماجه: 1/101. والترمذي: 1/9. والبيهقي في "سننه الكبرى": 2/173، 379. والبغوي في "شرح السنة": 3/17. من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا. والحديث حسّنه البغوي، وقال صاحب الإرواء [2/9]: "الحديث صحيح بلا شكّ فإنَّ له شواهد يرقى بها إلى درجة الصحّة".
[انظر: المجموع للنووي: 3/389، نصب الراية للزيلعي: 1/308، الدراية لابن حجر: 1/126، صحيح الجامع الصغير للألباني: 5/211].
٣٩- أخرجه أحمد: 3/296، 299، والبخاري: 4/407، 408، 436. 5/134، 12/345. وأبو داود: 3/784، وابن ماجه: 2/834، والترمذي: 3/653، والطحاوي في "شرح معاني الآثار": 4/122، والبيهقي في"سننه الكبرى": 6/102، وابن الجارود في "المنتقى": 247، والبغوي في "شرح السُنّة" 8/240. من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
٤٠- انظر: البرهان للجويني: 1/480، المنهاج للباجي: 25، إحكام الفصول للباجي: 513، تيسير التحرير لبادشاه: 1/102، نشر البنود للعلوي: 1/102.
٤١- شرح تنقيح الفصول للقرافي: 57.
٤٢- النساء: 171.
٤٣- الرعد: 7.
٤٤- الأحقاف: 9.
٤٥- أخرجه البخاري: 1/9، ومسلم: 13/53، وأبو داود: 2/651، والترمذي: 1/179، والنسائي: 1/85، وابن ماجه: 2/1413، وأحمد: 1/25، 43. من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
٤٦- انظر: فتح الباري لابن حجر: 1/12، موسوعة القواعد الفقهية للبورنو: 132.
٤٧- مجموع الفتاوى لابن تيمية: 18/266.
٤٨- للطوفي قولان: أحدهما يوافق قول الآمدي كما في مختصره "البلبل"، والثاني -وهو آخر القولين- أنَّ "إنما" تفيد الحصر كما هو مذهب الجمهور. [انظر شرح المختصر للطوفي: 2/746].
٤٩- وقد حقق شيخ الإسلام بأنَّ "ما" وإن لم تدلّ على النفي في"إنما" فإنها متضمّنة له، قال: "كما أنَّ "إنَّ" إذا كفت ﺑ"ما" النافية صارت متضمنة للنفي والإثبات". [مجموع الفتاوى: 14/429].
٥٠- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 293.
٥١- المثبتون للحصر-وهم الجمهور- يختلفون في الجهة التي تدلّ على الحصر، أهي النطق أم الفهم؟.
٥٢- شرح الكوكب المنير للفتوحي: 3/489.
٥٣- إرشاد الفحول للشوكاني: 179.
٥٤- الطلاق: 6.
٥٥- إحكام الفصول للباجي: 515، الحدود للباجي: 50.
٥٦- هو جزء من حديث طويل وفيه: "...وفي صدقة الغنم في سائمتها، إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة"، والحديث أخرجه أحمد: 1/11، والبخاري: 3/317، وأبو داود: 2/214، والنسائي: 5/27، والبيهقي: 4/86، والحاكم: 1/390، والبغوي في "شرح السنّة": 6/3، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعًا.
٥٧- انظر: تعريفات دليل الخطاب على المصادر المثبتة على هامش الإشارة: 294.
٥٨- يذهب فريق من القائلين بحجّية مفهوم الصفة إلى القول بأنّ تعليق الحكم على صفة في جنس يقتضي نفي الحكم عمّا عدا الموصوف بتلك الصفة في ذلك الجنس وغيره، فالزكاة كما لا تجب في معلوفة الغنم لا تجب -أيضًا- في معلوفة الإبل والبقر، تأسيسًا على أنّ الوصف في الحكم عِلّة الحكم، والحكم ينتفي بانتفاء علته، وهو غير مسلّم، لأنّ الصفة قد تكون علة كالإسكار، وقد لا تكون إلاّ مكمّلة للعِلّة كالسَّوم في الغنم.
٥٩- البقرة: 187.
٦٠- فمفهوم الحال والزمان والمكان وغيرها تُعَدُّ من جملة مفاهيم الصفة وإنما أفردها بعض العلماء بالذكر تكميلاً للفائدة، قال الشوكاني في "إرشاد الفحول" [183]: "قال ابن السمعاني: ولم يذكره المتأخرون لرجوعه إلى الصفة، وقد ذكره سليم الرازي في التقريب وابن فورك"، وقال أيضًا في مفهوم الزمان والمكان: "وهو في التحقيق داخل في مفهوم الصفة باعتبار متعلّق الظرف المقدر كما تقرّر في علم العربية".
٦١- البقرة: 187.
٦٢- البقرة: 197.
٦٣- مذكرة الشنقيطي: 238.
٦٤- أخرجه مسلم: 9/205، وأبو داود: 2/577، وابن ماجه: 1/601، والترمذي: 3/416، والنسائي: 6/84، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٦٥- أخرجه مسلم: 13/ 172، وأبو داود: 4/85، وابن ماجه: 2/1124، والترمذي: 4/290، والنسائي: 8/296، وأحمد: 2/16، 29، 31، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
٦٦- الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم العلة، أنّ الصفة قد تكون علة كالإسكار وقد لا تكون علة بل متمّمة كالسَّوم فإنّ الغنم هي العِلة والسَّوم متمّم، لذلك كان الخلاف فيه وفي مفهوم الصفة واحد. [إرشاد الفحول للشوكاني: 181]، لكن من حيث القوّة فمفهوم العِلة أقوى من مفهوم الصفة، ومفهوم الحصر بالنفي والإثبات أقوى من المفاهيم الأخرى ترتيبًا لما ذكره بعضهم أنه من المنطوق.
٦٧ - مفهوم اللقب من أضعف المفاهيم، وهو تقييد الحكم أو الخبر باسم جامد سواء كان اسم جنس أو اسم جمع، أو اسم عين لقبًا كان أو كنيةً أو اسمًا، فلا يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه، فلو قال: "قام زيد" لا يدلّ على أنّ غيره لم يقم، وقد قال بحجّيته الدقاق من الشافعية، ونسب القول إلى ابن خويز منداد وابن القصار من المالكية وغيرها، ومن آثار الخلاف أنّ من أوصى بوصية لزيد ثمّ أوصى بها لبكر، فلا يعدّ رجوعًا عن الوصية إلاّ على رأي من يحتجّ بمفهوم اللقب، ومن قال عند الخصومة: "إنّ زوجتي ليست بزانية"، فلا يعد قذفًا لزوجة خصمه إلاّ على رأي من يقول بحجّية مفهوم اللقب.
[انظر: تفصيل المذاهب في: شرح اللمع للشيرازي: 1/441، البرهان للجويني: 1/470، الوصول لابن برهان: 1/338، المحصول للرازي: 1/2/225، روضة الناظر لابن قدامة: 2/224، الإحكام للآمدي: 2/231، منتهى السول لابن الحاجب: 152، شرح تنقيح الفصول للقرافي: 271، العدّة لأبي يعلى: 2/475، فواتح الرحموت للأنصاري: 1/432، إرشاد الفحول للشوكاني: 182].
٦٨- المستصفى للغزالي: 2/204، قال الشنقيطي في مذكرته [239]: "الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب، أنّ تخصيص الغنم بالسوم مثلاً لو لم يكن للفرق بين السائمة وغيرها في الحكم لكان تطويلاً بلا فائدة، بخلاف: جاء زيد، فإنّ تخصيصه بالذكر ليمكن إسناد المجيء إليه، إذ لا يصحّ الإسناد بدون مسند إليه".
٦٩- انظر: المصادر الأصولية المثبة على هامش الإشارة: 295.
٧٠ - أخرجه الترمذي: 5/279، والنسائي: 4/76، وأحمد: 1/16، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث صحّحه الألباني في: "السلسلة الصحيحة": 3/ 123 (1131).
٧١- أخرجه الترمذي: 2/161، والنسائي: 2/63، وابن ماجه: 1/306، قال الترمذي: حديث أبي ذر رضي الله عنه حسن صحيح، وصحّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6/351 رقم (7987).
٧٢- النساء: 101.
٧٣- أخرجه مسلم: 6/96، وأبو داود: 2/7، وابن ماجه: 1/339، والترمذي: 5/242، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
٧٤- أخرجه ابن ماجه: 1/199، وأحمد في مسنده: 6/123، 227، والطحاوي في " شرح معاني الآثار": 1/33، من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث صحّحه الألباني في: "السلسلة الصحيحة": 5/96 رقم (2063)، وأخرجه البخاري: 1/395، ومسلم: 4/39، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ".
٧٥- أخرجه ابن ماجه: 1/199، والنسائي: 1/115، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ورواه مسلم: 4/38، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: "إنما الماء من الماء".
٧٦- أخرجه البخاري: 9/657، ومسلم: 13/82، وأبو داود: 4/159، والنسائي: 7/200، وابن ماجه: 2/1077، ومالك في "الموطأ": 2/43، من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.
۷۷- "الأم" للشافعي: 5/6.
٧٨- فتح الباري لابن حجر: 10/61.
۷۹- انظر موانع اعتبار مفهوم المخالفة، أو شروط العمل بمفهوم المخالفة في: شرح تنقيح الفصول للقرافي: 271، والبحر المحيط للزركشي: 4/17، ونشر البنود للعلوي: 1/98، ومذكرة الشنقيطي: 241، والفتح المأمول: 101.
۸۰- النساء: 25.
٨١- انظر المغني لابن قدامة: 6/596، فتح القدير للشوكاني: 1/450.
٨٢- النساء: 25. المصدران السابقان.
٨٣- التأبير: هو التلقيح أي شقّ طلع النخلة الأنثى ليذر فيها من طلع النخلة الذكر. [النهاية لابن الأثير: 1/13، مختار الصحاح للرازي 2].
٨٤- حديث متفق عليه: أخرجه البخاري: 4/401، 404. 5/49، 313، ومسلم: 10/191، ومالك في "الموطإ": 2/124، والشافعي في "مسنده": 142، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
٨٥- المغني لابن قدامة: 4/65، الهداية للمرغيناني: 3/25.
٨٦- مفتاح الوصول للتلمساني: 561.
۸۷- انظر: بداية المجتهد لابن رشد: 2/189، شرح مسلم للنووي: 10/191، فتح الباري لابن حجر: 4/402، تفسير النصوص لمحمّد أديب صالح: 1/705.
۸۸- تقدّم تخريجه قريبًا.
۸۹- انظر: المحلى لابن حزم: 9/458، المنتقى للباجي: 3/267، بداية المجتهد لابن رشد: 2/5، المغني لابن قدامة: 6/487، تبيين الحقائق للزيلعي: 2/118، مغني المحتاج للشربيني: 3/149.

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-2009, 12:11 AM   #17
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"





باب أحكام القِيَاس
[في مفهوم القياس
]



• قال المصنِّف -رحمه الله- في (ص 298): «وَحَدُّهُ: حَمْلُ أَحَدِ المَعْلُومَيْنِ عَلَى الآخَرِ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ إِسْقَاطِهِ بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا».

[م] القياس لُغَةً يُطْلَقُ على معنين:

- المعنى الأول: التقدير، كقولك: «قِسْتُ الثَّوْبَ بالذراع» أي: قدَّرت الثوب بالذراع.

- والمعنى الثاني: يطلق على المساواة سواء كانت المساواة حِسِّية كقولك: «قِسْتُ الثوب بالثوب» أي: ساويتُ أحدَهما بالآخر، أو كانت المساواة معنوية، كقولك: «فلانٌ لا يقاس بفلان» أي: لا يساويه في العلم أو الفضل أو الاحترام.

والقياس الشرعي يراعى فيه المعنيان السابقان، أي: أنَّ القياس مشترك بين «التقدير» و«المساواة» اشتراكًا معنويًا، بمعنى: أنَّه يحمل لفظ القياس على التقدير المتضمِّن معنى المساواة، وعلى المساواة المتضمِّنة معنى التقدير من غير حاجة إلى قرينة، وهذا أَوْلَى من المصير إلى الاشتراك اللفظي؛ لأنَّه على خِلاف الأصل، إذ الأصلُ عَدَمُ تعدّد الوضع، فاللفظ له معنى واحد لا أكثر، وإن وجد فيحتاج إلى قرينة، وكلّ ما يحتاج إليها فهو على خلاف الأصل.

هذا، ومن خلال تعريف المصنِّف للقياس في حدِّه المذكور يدلُّ على اختياره لمذهب جمهور أهل العلم، في جعل القياس مِن فِعل المجتهد لا يتحقِّق إلاَّ بوجوده، خلافًا لمن جعل القياس دليلاً مستقلاًّ كالكتاب والسُّنَّة، وضعه الشارع لمعرفة حُكمه، ويدلُّ على هذا الاختيار تعبيره عن القياس بأنَّه: «حمل أحد المعلومين…»، ممَّا يفيد أنَّ القياس من فِعل المجتهد ومكتسب منه، إذ الحمل يحتاج إلى حامل، وهو المجتهد أو القائس، أمَّا المذهب الثاني فقد عُبِّر عنه ﺑ «استواء» أو «مساواة»، فالأصل والفرع مستويان تمام التساوي لكن المجتهد يُظْهِرُ هذا الاستواء.

وقوله: «بأمر جامع بينهما» هو عِلَّةُ الحكم، وتُسَمَّى –أيضًا- مناط الحكم، كالإسكار جامع بين النبيذ وهو الفرع المقيس، والخمر وهو الأصل المقيس عليه، ويستويان في الحكم وهو التحريم(١- للقياس تعريفات اصطلاحية أخرى، انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 298).



[في حجية القياس]


• قال الباجي -رحمه الله- في (ص: 299): «وَهُوَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ جَمِيعِ العُلَمَاءِ، وَقَالَ دَاوُدُ: «يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ مِنْ جِهَةِ العَقْلِ إلاَّ أنَّ الشَّرْعَ مَنَعَ مِنْهُ».

[م] في تحرير محلِّ النِّزاع، فقد اتَّفق العلماءُ على حُجِّية القياس الصادر من النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّمَ، كما اتفقوا على حُجِّيته في الأمور الدنيوية كمداواة الأمراض وتعاطي الأغذية والأدوية، وحُجّيتُه ليست شرعية، وإنَّما حجَّة صناعية مُستمدَّة من العقل، واختلفوا في جريان القياس في الأمور اللغوية كقياس النبش على السرقة، واللواط على الزنا، وإثبات الأسماء قياسًا(٢- وفائدة قياس اللغة أنه إذا ثبتت الأسماء قياسًا فلا يحتاج إلى القياس الشرعي، كالنبيذ إذا أدخل مثلاً في اسم الخمر بقياس اللغة فإنَّ نصوص الشرع تتناوله بالتحريم لدخول النبيذ في الخمر بخلاف من لا يثبته. (انظر: «مذكرة الشنقيطي»: 173))،
وأكثر الشافعية على منع دخول القياس في اللغة، وبه قال الأحناف، وابن خويز منداد وابن الحاجب من المالكية، وذهب القاضي عبد الوهاب المالكي إلى جواز دخول القياس في الحقيقة دون المجاز، ووافقه أبو بكر الطرطوشي(٣- هو أبو بكر محمَّد بن الوليد بن محمَّد القرشي الفهري الطرطوشي، يعرف في وقته بابن أبي رَنْدَقَة، ولد سنة (451ﻫ)، وله رحلة إلى المشرق كان عالِمًا بالفقه، ومسائلِ الخلاف والأصولِ والفرائض والأدب، له مؤلَّفات قَيِّمة منها: «سراج الملوك» و«الحوادث والبدع»، وتعليقة على مسائل الخلاف والأصول، توفي سنة (520ﻫ). [انظر ترجمته في: الصلة لابن بشكوال: 2/575، معجم البلدان لياقوت: 4/30، بغية الملتمس للضبي: 135، وفيات الأعيان لابن خلكان: 4/262، سير أعلام النبلاء للذهبي: 19/490، الديباج المذهب لابن فرحون: 276، الوفيات لابن قنفد: 60، شذرات الذهب لابن العماد: 4/62] )، وذهب ابن فورك إلى الجواز وعدم الوقوع(٤- انظر: مسألة جريان القياس في اللغة في: المعتمد لأبي الحسين: 2/789، التبصرة للشيرازي: 444، المنخول للغزالي: 71. المستصفى للغزالي: 1/146، 2/90، البحر المحيط للزركشي: 2/25، 5/64، سلاسل الذهب للزركشي: 364، الخصائص لابن جِني: 1/357، شرح الكوكب المنير للفتوحي: 1/223، فواتح الرحموت للأنصاري: 1/85، المسوَّدة لآل تيمية: 173، مذكرة الشنقيطي: 173).

كما اختلفوا في التعبُّد بالقياس في الأمور الشرعية، والذي عليه مذهب السلف وجمهور الخلف: جواز التعبُّد به في الشرعيات عقلاً ووجوب العمل به شرعًا، وزاد القفال الشاشي وأبو الحسن البصري أنَّ العقل من الأدلَّة النقلية يدلُّ على وجوب التعبُّد به، ويرى القاشاني والنهرواني وجوب العمل بالقياس في صورتين: الأولى: أن تكون العِلَّةُ منصوصةً إمَّا بصريح اللفظ أو بإيمائه، والثانية: أن يكون الفرعُ أَوْلَى بالحُكم من الأصل، ومذهب الظاهرية نفي القياس شرعًا وجوازه عقلاً، خلافًا لمن أنكره مُطلقًا في الشرعيات والعقليات، وهو مذهب الشيعة الإمامية والخوارج، ومن المعتزلة جعفر بن حرب، وجعفر بن حبشة، ومحمَّد بن عبد الله الإسكافي(٥- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 299).

وذهب بعض المحقِّقين إلى القول بأنَّ داود بن علي لا ينكر من القياس إلاَّ الخفي دون الجَلِي وهو ما كانت عِلَّته منصوصةً أو مُومَئًا إليها كمذهب القاشاني والنهرواني(٦- انظر: الإحكام للآمدي: 3/110، الإبهاج للسبكي وابنه: 3/7، جمع الجوامع لابن السبكي: 2/204)، غير أنَّ النقل الصحيح عن ابن حزم أنه يصرح قَطْعًا للخلاف في النقل بنفي ذلك عن داود أو أحد من أهل الظاهر، بل ينقل عنه القول بنفي تعليل أحكام الله وأفعاله أصلاً(٧- انظر: الإحكام لابن حزم: 8/76، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: 2/74، إرشاد الفحول للشوكاني: 200).



• قال المصنِّفُ -رحمه الله- في (ص 300) مستدلاًّ لِمذهب الجمهور القائلين بحُجِّية القياس: «وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ العِلْمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾(٨- الحشر: 2)، وَالاِعْتِبَارُ فِي اللُّغَةِ هُوَ تَمْثِيلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وَإِجْرَاءُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ».

[م] ما ذكره المصنِّفُ هو أحد معاني القياس وهو: تمثيل الشيء بغيره ومساواته به وإجراء حكمه عليه(٩- ومن أمثلة تمثيل الشيء بغيره قوله تعالى: ﴿إنَّ الله لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَّثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]، ففيه معنى القياس لتشبيه الشيء بالشيء وتمثيله بالآخر، فما جاز من فعل من لا يخفى عليه خافية فهو ممَّن لا يخلو من الجهالة والنقص أَجْوَزُ، وقد أجيب عليه بأنَّه وحي ونصّ لا يدخل في محل النِّزاع للاتفاق على جوازه فضلاً عن عدم صحَّته من جهة أنَّ من لا تخفى عليه خافية نعلم صحَّته بخلاف من لا يخلو من الجهالة والنقص فلا نقطع بصحَّته، بل ولا نظنُّ ذلك لما في فاعله من الجهالة والنقص [إرشاد الفحول للشوكاني: 202]) ويكون تقدير الآية: «اعلموا أنَّ حال التنازع والخلاف إذا صرتم إليه فإنه يساوي حال بني النضير، وتستحقُّون عليه من العقاب مثل الذي استحقّوه»، والعبرة بعموم لفظ «الاعتبار» لا بخصوص السبب الوارد في شأن بني النضير، ولما كان ظاهر الأمر في الاعتبار للوجوب لانتفاء القرينة الصارفة، والوجوب من أفراد الجواز، كان القياس جائزًا.

غير أنَّ ابن حزم -رحمه الله- اعترض على هذا الاستدلال بأنَّ: «الاعتبار في لغة العرب لا يقع إلاَّ على التعجّب والتفكّر، وما عرفَت العرب هذا القياس الذي يدَّعونه في الدين»(١٠- النبذ لابن حزم: 62، ملخص إبطال القياس لابن حزم: 9)، وقال في موضع آخر: «ولا أعلم أحدًا قطّ في اللغة التي نزل بها القرآن أنَّ الاعتبار هو القياس، وإنَّما أمرنا تعالى أن نتفكَّر في عظيم قُدرته في خلق السماوات والأرض، وما حلَّ بالعصاة…»(١١- الإحكام لابن حزم: 7/75، النبذ لابن حزم: 62)، وأجيب بأنَّ لفظ «الاعتبار» يدور بين معانٍ ثلاثةٍ إمَّا أن يكون بمعنى القياس وقد تقدَّم تمثيله، أو بمعنى المجاوزة، لأنَّ الاعتبار معناه العبور والانتقال من مكان إلى آخر، والعبور هو المجاوزة، فكذلك القياس لأنَّه مجاوزة الحكم من الأصل إلى الفرع، فكان القياس هو الاعتبار، وإمَّا أن يكون الاعتبار بمعنى الاتعاظ، وفيه معنى المجاوزة أيضًا، ووجه تقدير الآية: «إنَّا ألحقنا بهم الجزاء، فقيسوا أمركم عليهم يا أولي الأبصار»، فإنَّما يحصل الاتعاظ عند قياس أفعالنا على أفعالهم في حلول العقاب ووصول الجزاء.



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 304) بعد الاستدلال على حجِّية القياس من جهة السُّنَّة: بحديث قُبلة الصائم، وقياس الحجِّ على الدَّيْن الثابت في مسألة النَّذر على الميِّت، وفي مسألة الصيام، وبحديث الذي أنكر لون ابنه: «وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُحْصَى كَثْرَةً».

[م] فمن ذلك قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا»(١٢- أخرجه مسلم: 11/7. وأبو داود: 3/758. وأحمد في «مسنده»: 1/322 من حديث ابن عباس رضي الله عمهما، وأخرجه البخاري: 4/424، 8/20، 295. ومسلم: 11/5. وأبو داود: 3756. والترمذي: 3/591. والنسائي: 7/177. وابن ماجه: 2/732، من حديث جابر رضي الله عنه)،
فحكم بتحريم ثمنها باعتبار تحريم أَكْلِها، ومن ذلك أنه أَمَرَ سعدَ بنَ معاذ رضي الله عنه أَنْ يحكم في بني قريظة برأيه، وأمرهم بالنُّزول على حُكمه، فأمر بقتلهم وسبي نسائهم، فقال النبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّمَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ»(١٣- أخرجه البخاري: 6/165، ومسلم: 12/92، وأحمد في «مسنده»: 3/22،70، والبغوي في «شرح السُّنَّة»: 11/92، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه)، وقد صحَّ عنه صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّمَ أنَّه علَّل كثيرًا من الأحكام، والتعليل موجب لاتباع العِلَّةِ وذلك نفس القياس،

فمن ذلك قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّمَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِي لأَجْلِ الدَّافَّةِ (*- الدافة: قوم بسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، والدافة: قوم من الأعراب يردون المصر، والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب إلى المدينة عند الأضحى للمواساة. (انظر: موطأ مالك: 2/36، النهاية لابن الأثير: 2/124، نيل الأوطار للشوكاني: 6/253)) فَادَّخِرُوهَا»(١٤- أخرجه مسلم: 13/130، وأبو داود: 3/241، والنسائي: 7/235، وأحمد: 6/51، ومالك في الموطأ: 2/36، والدارمي: 2/79، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: 4/188، والبيهقي في: «سننه الكبرى»: 9/293، من حديث عائشة رضي الله عنها)،
وقوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّمَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ أَلاَ فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ بِالآخِرَةِ»(١٥- أخرجه مسلم: 7/46، 13/134، والنسائي: 4/89، وأحمد في «مسنده»: 5/350، 355، 356، والبيهقي في «سننه الكبرى»: 4/76، من حديث بريدة عن أبيه رضي الله عنه)،

وقوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عن بيع الرُّطَبِ بالتمر: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: لاَ إذًا»(١٦- أخرجه أبو داود: 3/654، والترمذي: 3/528، والنسائي: 7/268، وابن ماجه: 2/761، وأحمد في «مسنده»: 1/175، ومالك في «الموطإ»: 2/128، والشافعي في «مسنده»: 147، وفي «الرسالة»: 331، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: 4/6، والدارقطني في «سننه»: 3/49، والحاكم في «المستدرك»: 2/38، من حديث سعد بن أبي الوقاص رضي الله عنه، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصحَّحه ابن المديني وابن حبان والحاكم وقال: «لا أعلم أحدًا طعن فيه». [انظر: نصب الراية للزيلعي: 4/40، التلخيص الحبير لابن حجر: 3/9، إرواء الغليل للألباني: 5/199])،

وقوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم في حقِّ المُحْرِم الذي وَقَصَتْ به الناقة: «لاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا»(١٧- متَّفق على صحَّته: أخرجه البخاري: 3/135، 137. 4/52، 63، 64، ومسلم: 8/126، 127، 128، 129، 230. والنسائي: 4/39. وأحمد في «مسنده»: 1/215. 220. 221. والدارمي في «سننه»: 2/49. والبيهقي في «سننه الكبرى»: 3/390. والبغوي في «شرح السنة»: 5/321. من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما)،

وقال في شهداء أحد: «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ»(١٨- أخرجه الشافعي في «مسنده»: 357، وأحمد في «مسنده»: 5/431، والنسائي: 4/78، والبيهقي في: «السنن الكبرى»: 4/11، من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صخر رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «الإرواء»: 3/168)،

وقوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم في المستيقظ من النوم: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاَثًا، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»(١٩- متفق عليه: أخرجه البخاري: 1/263، ومسلم: 3/178، وأبو داود: 1/78، والترمذي: 1/36، والنسائي: 1/7، وابن ماجه: 1/139، ومالك: 1/43، والشافعي في «مسنده»: 10، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 304) عند الاستدلال باختلاف الصحابة رضي الله عنهم في مسائلَ كثيرةٍ بناءً على اختلافهم في إلحاق الفرع بأصل يِشِبْهِهِ: «اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِيهَا مُنَاظَرَاتٌ كَثِيرَةٌ وَمُنَازَعَاتٌ مَشْهُورَةٌ وَمُرَاجَعَاتٌ كَثِيرَةٌ كَاخْتِلاَفِهِمْ فِي تَوْرِيثِ الجَدِّ مَعَ الإِخْوَةِ، وَاخْتِلاَفِهِمْ فِي الحَرَامِ، وَالعَوْلِ، وَالظِّهَارِ».

[م] ففي توريث الجدِّ مع الإخوة فقد اختلف ابن عباس مع زيد بن ثابت -رضي الله عنهم- وكلّ واحد منهما اعتمد على القياس دليلاً، فزيد بن ثابت -رضي الله عنه- ورَّث الإخوةَ مع الجدِّ، حيث أَلْحَقَ الأخَ بالجدِّ بجامِع أنَّ كُلاًّ منهما قد أَدْلَى إلى الميِّت بالأب، بينما يذهب ابن عباس -رضي الله عنهما- إلى أنَّ الجدَّ يَحْجِبُ الإخوةَ، حيث ألحق الجدَّ إلحاقًا قياسيًّا بابن الابن، فكما أنَّ ابن الابن في مَنْزِلة الابن في حَجْبِهِ للإخوة فكذلك الجدّ في مَنْزلة الأب في حَجْبِه للإخوة(٢٠- انظر مسألة توريث الجدّ مع الإخوة في: المحلى لابن حزم: 9/282، المنتقى للباجي: 6/232، بداية المجتهد لابن رشد: 2/346، المغني لابن قدامة: 6/217)، ولهذا أنكر على زيد بن ثابت -رضي الله عنه- بقوله: «أَلاَ يَتَّقِي اللهَ زَيْدٌ يَجْعَلُ ابْنَ الابْنِ ابْنًا، وَلاَ يَجْعَلُ أَبَ الأَبِ أَبًا»(٢١- روى البخاري في صحيحه: 12/18 لفظ ابن عباس رضي الله عنهما: «يرثني ابن ابني دون إخوتي، ولا أرث أنا ابن ابني»، وهذا الأثر جاء مبيَّنا في فتح الباري لابن حجر: 12/20).

ومن ذلك قول الزوج لزوجته: «أنتِ عَلَيَّ حرام»، فقد اختلف الصحابة -رضي الله عنهم- في حُكم هذه المسألة على أقوال، فقد ذهب ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه في حُكم الظِّهار، وذهب ابن مسعود -رضي الله عنه- إلى أنه في حُكم التطليقة الواحدة، ومنهم من جعله في حكم التطليقات الثلاث وهو مذهب علي وزيد، وابن عمر -رضي الله عنهم-، ومنهم من ألزم فيه الكفارة، لأنه في حكم اليمين وهو مذهب أبي بكر، وعمر، وعائشة -رضي الله عنهم-، وعليه فمن جعله ظِهارًا فقد ألحقه بصيغته لمشابهته له في اقتضاء التحريم، ومن جعله طلاقًا ألحقه بالألفاظ الموضوعة للطلاق، لأنه لفظ مؤثِّر في تحريم الزوجة، ومن احتاط في أمره جعله ثلاثًا، ومن أخذ بالمتيقّن جعله في حكم الطلاق الرجعي، ومن توسّط جعله تطليقة بائنة، ومن جعله يمينًا ألزم صاحبه الكفارة(٢٢- انظر: المحلى لابن حزم: 10/124، المغني لابن قدامة: 7/154، 346، المحصول للرازي: 2/2 /78، الإحكام للآمدي: 3/122، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 18/180، أعلام الموقعين لابن القيم: 3/64).

- والعَوْل في اصطلاح علماء الميراث يراد به زيادة سهام الورثة على مقدار التركة التي تعتبر واحدًا صحيحًا، وتسمَّى الفريضة في هذه الحالة الفريضة العائلة، وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في حكم العَوْلِ، وأخذ به جمهور الصحابة ومنهم: عمر، وعلي، وزيد بن ثابت وغيرهم -رضي الله عنهم-، وبه قال فقهاء الأمصار، وخالف في ذلك ابن عباس -رضي الله عنهما-، وأخذ برأي ابن عباس الظاهرية وغيرُهم(٢٣- انظر: المحلى لابن حزم: 9/262، المغني لابن قدامة: 6/189، العذب الفارض لإبراهيم الفرضي: 1/162)، ومن حجج القائلين بالعَوْل: القياس على قسمة مال المدين المفلس على دائنيه إذا ضاق المال عن وفاء جميع ديونهم، إذ يقسم مال المدين عليهم قسمة الغرماء، فيلحق كلّ دائن شيء من النقص عن دينه، فلا يصله كلّ دينه، وكذلك الميت بين الغرماء على حَسَب ديونهم بالحصص إذا لم يف بجميع الديون، وكذلك بالقياس على قسمة الثلث بين الموصى لهم إذا ضاق عن إيفائها جميعًا، وهكذا الورثة يجب أن يلحق فروضهم جميعًا شيء من النقص إذا ضاقت التركة بالوفاء بكامل هذه الفروض(٢٤- المبسوط للسرخسي: 29/163، المهذب للشيرازي: 2/28).

- ولا خلاف بين العلماء لمن قال لزوجته: «أنتِ عليَّ كظهر أمي» أنه مُظَاهِر، لكن اختلفوا في قوله: «أنتِ عَلَيَّ حرام»(٢٥- واختلفوا –أيضًا- فيمن قال لزوجته: «أنتِ عليَّ حرام كظهر أمي أو كأمي» على أقوال. (انظر: المغني لابن قدامة: 7/154، 346، بدائع الصنائع للكاساني: 3/337)) فذهب كُلُّ واحدٍ من العلماء إلى تمثيله بأصل يشبهه، فألحقه بعضهم بالإيلاء وبعضهم بالظِّهار، وبعضهم بالطلاق الثلاث وبعضهم باليمين كما تقدَّم(٢٦- انظر: المنتقى للباجي: 4/38، إحكام الفصول للباجي: 582).

فالحاصل أنَّ هذا القدر المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم من العمل بالقياس -وإن كان آحادًا- فلا يمتنع تواتر القدر المشترك بين التفاصيل، وهو القول بالقياس والعمل به في الجملة.



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 309) بعد أن ذكر إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أحكام كثيرة من جهة القياس والرأي: «وَمَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسْأَلَةً يُدَّعَى الإِجْمَاعُ فِيهَا أَثْبَتُ فِي حُكْمِ الإِجْمَاعِ مِنْ هَذِهِ المَسْأَلَةِ».

[م] والاستدلال بالإجماع من أقوى الحُجج في هذه المسألة، وهو أنَّ الصحابة رضي الله عنهم اتَّفقوا على استعمال القياس في وقائع لا تحصى مما لا نصَّ فيها، ومثلوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وأنه ما من واحد من أهل النَّظر والاجتهاد منهم إلاَّ وقد قال بالرأي والقياس، ومن لم يوجد منه الحكم بذلك، فلم يوجد منه في ذلك إنكار، فكان إجماعًا سُكوتيًّا وهو حُجة مغلبة على الظنِّ(٢٧- الإحكام للآمدي: 3/123).

أمَّا الروايات الواردة من الصحابة رضي الله عنهم في إنكار الرأي وذمِّ القياس فلا تُعارض إجماعهم على القول والعمل به، ذلك لإمكان التوفيق بين النقلين عنهما، ووجه التوفيق: أن يُحمل ما نقل عنهم من إنكار القياس وذمّ العمل بالرأي على صدوره من جاهل، أو من قائس لم يصل إلى درجة الاجتهاد، أو كان القياس مخالفًا للنصِّ، أو اختلَّ بعض شروط المقيس، أو المقيس عليه، أو العِلة، أو الحكم، أو ليس له أصل يشهد له بالاعتبار، أو ما كان على خلاف القواعد الشرعية، وهذا النوع من القياس المذموم يسمَّى بالقياس الفاسد، ويحمل ما نقل عنهم القول بالقياس والعمل بالرأي على القياس الصادر من أهل النَّظر والاجتهاد، المستكمل لجميع شروط الاحتجاج به، وهذا النوع يسمى بالقياس الصحيح.

وعليه يجب حمل كلِّ ما ذكر في ذمِّ الرأي على الرأي الفاسد الباطل، دفعًا للتعارض تحقيقًا للجمع بين الدليلين، والجمع أولى من الترجيح، والإعمال أولى من الإهمال.

هذا، ويترتَّب على الخلاف في جواز الاحتجاج بالقياس الاختلاف في كثير من الأحكام الفرعية منها:

- في وقوع الرِّبا في غير الأصناف السِّـتَّة الواردة في حديث عُبادة بن الصامت رضي الله عنه أنَّ النبي صَلَّى الله عليه وآله وسلم قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ»(٢٨- أخرجه مسلم: 6/14، وأبو داود: 3/646، والترمذي: 3/541، والنسائي: 7/274، وابن ماجه: 2/757، وأحمد: 5/320، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه) فالمثبتون للقياس أَجْرَوْا الحُكْمَ في كُلِّ صِنْفٍ يُشابه هذه الأصناف في العِلة مع اختلافهم في العِلَّة وهو مذهب الجمهور، أمَّا المنكرون للقياس فإنَّ الرِّبا يقع على الأصناف الستة المذكورة في الحديث، ولا يتعدَّى حُكم الربا إلى غيرها من الأصناف(٢٩- انظر تفصيل المسألة في مؤلفي: «مختارات من نصوص حديثية في فقه المعاملات المالية»: 210 وما بعدها) عملاً بأصلهم في إبطال القياس وهو مذهب الظاهرية.

- في اشتراط التقام الثدي في ثبوت الرضاع: فالمثبتون للقياس لم يشترطوا ذلك، بل إذا دخل اللبن إلى جوف الصبي دون السنتين عن طريق السَّعوط(٣٠- السَّعوط: وهو ما يجعل من الدواء في الأنف [النهاية لابن الأثير: 2/368]) والوَجور(٣١- الوَجور: هو الدواء الذي يصب في وسط الفم [مختار الصحاح للرازي: 710، القاموس المحيط للفيروزآبادي: 632]) فإنه يثبت الرضاع ويتحقَّق معه التحريم، لأنَّ العِلة في تحريم الرضاع إنبات اللحم وإنشاز اللحم، وهي موجودة سواء عن طريق الأنف أو صبَّ اللبن في الحلق فثبتت الحرمة قياسًا، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك الظاهرية واشترطوا في ثبوت التحريم بالرضاع وصول اللبن إلى الجوف عن طريق التقام الثدي، عملاً بأصلهم في نفي القياس(٣٢- أسباب اختلاف الفقهاء لعبد الله التركي: 112، أثر الاختلاف في القواعد للخن: 487).

- في وقوع الظهار وما ثبت به من الألفاظ: يرى المثبتون للقياس أنَّ من قال لأهله: أنتِ عليَّ كظهر أختي، أو كيَدِ أمِّي، أو كرجلها أو نحو ذلك من الصِيَغ التي تماثلها من تشبيه الزوجة بمن تحرم عليه فإنَّه يحصل بها الظهار قياسًا على لفظ الظهار المجمع عليه وهو: «أنتِ عليَّ كظهر أمِّي» وهو مذهب الجمهور، أمَّا الظاهرية فإنَّه لا يحصل الظهار إلاَّ بالصيغة المجمع عليها دون غيرها عملاً بأصلهم في نفي القياس(٣٣- انظر: المحلى لابن حزم: 10/50، المغني لابن قدامة: 7/515، بداية المجتهد لابن رشد: 2/105).



فصلٌ
[جَرَيَانُ القياس في الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 309): «إِذَا ثَبَتَ أَنَّ القِيَاسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تُثْبَتَ بِهِ الحُدُودُ وَالكَفَّارَاتُ وَالمُقَدِّرَاتُ وَالأَبْدَالُ»… "يتبع"



--------------------------------------------------------------------------------

١- للقياس تعريفات اصطلاحية أخرى، انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 298.
٢- وفائدة قياس اللغة أنه إذا ثبتت الأسماء قياسًا فلا يحتاج إلى القياس الشرعي، كالنبيذ إذا أدخل مثلاً في اسم الخمر بقياس اللغة فإنَّ نصوص الشرع تتناوله بالتحريم لدخول النبيذ في الخمر بخلاف من لا يثبته. (انظر: «مذكرة الشنقيطي»: 173).
۳- هو أبو بكر محمَّد بن الوليد بن محمَّد القرشي الفهري الطرطوشي، يعرف في وقته بابن أبي رَنْدَقَة، ولد سنة (451ﻫ)، وله رحلة إلى المشرق كان عالِمًا بالفقه، ومسائلِ الخلاف والأصولِ والفرائض والأدب، له مؤلَّفات قَيِّمة منها: «سراج الملوك» و«الحوادث والبدع»، وتعليقة على مسائل الخلاف والأصول، توفي سنة (520ﻫ).
[انظر ترجمته في: الصلة لابن بشكوال: 2/575، معجم البلدان لياقوت: 4/30، بغية الملتمس للضبي: 135، وفيات الأعيان لابن خلكان: 4/262، سير أعلام النبلاء للذهبي: 19/490، الديباج المذهب لابن فرحون: 276، الوفيات لابن قنفد: 60، شذرات الذهب لابن العماد: 4/62].
٤- انظر: مسألة جريان القياس في اللغة في: المعتمد لأبي الحسين: 2/789، التبصرة للشيرازي: 444، المنخول للغزالي: 71. المستصفى للغزالي: 1/146، 2/90، البحر المحيط للزركشي: 2/25، 5/64، سلاسل الذهب للزركشي: 364، الخصائص لابن جِني: 1/357، شرح الكوكب المنير للفتوحي: 1/223، فواتح الرحموت للأنصاري: 1/85، المسوَّدة لآل تيمية: 173، مذكرة الشنقيطي: 173.
٥- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش الإشارة: 299.
٦- انظر: الإحكام للآمدي: 3/110، الإبهاج للسبكي وابنه: 3/7، جمع الجوامع لابن السبكي: 2/204.
۷- انظر: الإحكام لابن حزم: 8/76، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: 2/74، إرشاد الفحول للشوكاني: 200.
۸- الحشر: 2.
٩- ومن أمثلة تمثيل الشيء بغيره قوله تعالى: ﴿إنَّ الله لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَّثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]، ففيه معنى القياس لتشبيه الشيء بالشيء وتمثيله بالآخر، فما جاز من فعل من لا يخفى عليه خافية فهو ممَّن لا يخلو من الجهالة والنقص أَجْوَزُ، وقد أجيب عليه بأنَّه وحي ونصّ لا يدخل في محل النِّزاع للاتفاق على جوازه فضلاً عن عدم صحَّته من جهة أنَّ من لا تخفى عليه خافية نعلم صحَّته بخلاف من لا يخلو من الجهالة والنقص فلا نقطع بصحَّته، بل ولا نظنُّ ذلك لما في فاعله من الجهالة والنقص [إرشاد الفحول للشوكاني: 202].
١٠- النبذ لابن حزم: 62، ملخص إبطال القياس لابن حزم: 9.
١١- الإحكام لابن حزم: 7/75، النبذ لابن حزم: 62.
١٢- أخرجه مسلم: 11/7. وأبو داود: 3/758. وأحمد في «مسنده»: 1/322 من حديث ابن عباس رضي الله عمهما، وأخرجه البخاري: 4/424، 8/20، 295. ومسلم: 11/5. وأبو داود: 3756. والترمذي: 3/591. والنسائي: 7/177. وابن ماجه: 2/732، من حديث جابر رضي الله عنه.
١٣- أخرجه البخاري: 6/165، ومسلم: 12/92، وأحمد في «مسنده»: 3/22،70، والبغوي في «شرح السُّنَّة»: 11/92، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
* - الدافة: قوم بسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، والدافة: قوم من الأعراب يردون المصر، والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب إلى المدينة عند الأضحى للمواساة. (انظر: موطأ مالك: 2/36، النهاية لابن الأثير: 2/124، نيل الأوطار للشوكاني: 6/253).
١٤- أخرجه مسلم: 13/130، وأبو داود: 3/241، والنسائي: 7/235، وأحمد: 6/51، ومالك في الموطأ: 2/36، والدارمي: 2/79، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: 4/188، والبيهقي في: «سننه الكبرى»: 9/293، من حديث عائشة رضي الله عنها.
١٥- أخرجه مسلم: 7/46، 13/134، والنسائي: 4/89، وأحمد في «مسنده»: 5/350، 355، 356، والبيهقي في «سننه الكبرى»: 4/76، من حديث بريدة عن أبيه رضي الله عنه.
١٦- أخرجه أبو داود: 3/654، والترمذي: 3/528، والنسائي: 7/268، وابن ماجه: 2/761، وأحمد في «مسنده»: 1/175، ومالك في «الموطإ»: 2/128، والشافعي في «مسنده»: 147، وفي «الرسالة»: 331، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: 4/6، والدارقطني في «سننه»: 3/49، والحاكم في «المستدرك»: 2/38، من حديث سعد بن أبي الوقاص رضي الله عنه، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصحَّحه ابن المديني وابن حبان والحاكم وقال: «لا أعلم أحدًا طعن فيه». [انظر: نصب الراية للزيلعي: 4/40، التلخيص الحبير لابن حجر: 3/9، إرواء الغليل للألباني: 5/199].
١٧- متَّفق على صحَّته: أخرجه البخاري: 3/135، 137. 4/52، 63، 64، ومسلم: 8/126، 127، 128، 129، 230. والنسائي: 4/39. وأحمد في «مسنده»: 1/215. 220. 221. والدارمي في «سننه»: 2/49. والبيهقي في «سننه الكبرى»: 3/390. والبغوي في «شرح السنة»: 5/321. من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
١٨- أخرجه الشافعي في «مسنده»: 357، وأحمد في «مسنده»: 5/431، والنسائي: 4/78، والبيهقي في: «السنن الكبرى»: 4/11، من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صخر رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «الإرواء»: 3/168.
وأخرجه أحمد في «مسنده»: 3/299، والبخاري: 9/212، وأبو داود: 3/501، وابن ماجه: 1/485، والترمذي: 3/345، والنسائي: 4/62، والبيهقي في: «سننه الكبرى»: 4/10، والبغوي في: «شرح السُّنَّة»: 5/365، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بلفظ: «أمر بدفنهم بدمائهم ولم يُصَلِّ عليهم ولم يغسلهم».
١٩- متفق عليه: أخرجه البخاري: 1/263، ومسلم: 3/178، وأبو داود: 1/78، والترمذي: 1/36، والنسائي: 1/7، وابن ماجه: 1/139، ومالك: 1/43، والشافعي في «مسنده»: 10، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٢٠- انظر مسألة توريث الجدّ مع الإخوة في: المحلى لابن حزم: 9/282، المنتقى للباجي: 6/232، بداية المجتهد لابن رشد: 2/346، المغني لابن قدامة: 6/217.
٢١- روى البخاري في صحيحه: 12/18 لفظ ابن عباس رضي الله عنهما: «يرثني ابن ابني دون إخوتي، ولا أرث أنا ابن ابني»، وهذا الأثر جاء مبيَّنا في فتح الباري لابن حجر: 12/20.
٢٢- انظر: المحلى لابن حزم: 10/124، المغني لابن قدامة: 7/154، 346، المحصول للرازي: 2/2 /78، الإحكام للآمدي: 3/122، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 18/180، أعلام الموقعين لابن القيم: 3/64.
٢٣- انظر: المحلى لابن حزم: 9/262، المغني لابن قدامة: 6/189، العذب الفارض لإبراهيم الفرضي: 1/162.
٢٤- المبسوط للسرخسي: 29/163، المهذب للشيرازي: 2/28.
٢٥- واختلفوا –أيضًا- فيمن قال لزوجته: «أنتِ عليَّ حرام كظهر أمي أو كأمي» على أقوال. (انظر: المغني لابن قدامة: 7/154، 346، بدائع الصنائع للكاساني: 3/337).
٢٦- انظر: المنتقى للباجي: 4/38، إحكام الفصول للباجي: 582.
٢٧- الإحكام للآمدي: 3/123.
٢٨- أخرجه مسلم: 6/14، وأبو داود: 3/646، والترمذي: 3/541، والنسائي: 7/274، وابن ماجه: 2/757، وأحمد: 5/320، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
٢٩- انظر تفصيل المسألة في مؤلفي: «مختارات من نصوص حديثية في فقه المعاملات المالية»: 210 وما بعدها.
٣٠- السَّعوط: وهو ما يجعل من الدواء في الأنف [النهاية لابن الأثير: 2/368].
٣١- الوَجور: هو الدواء الذي يصب في وسط الفم [مختار الصحاح للرازي: 710، القاموس المحيط للفيروزآبادي: 632].
٣٢- أسباب اختلاف الفقهاء لعبد الله التركي: 112، أثر الاختلاف في القواعد للخن: 487.
٣٣- انظر: المحلى لابن حزم: 10/50، المغني لابن قدامة: 7/515، بداية المجتهد لابن رشد: 2/105.

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-2009, 06:16 PM   #18
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"




فصلٌ
[جريانُ القياس في الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 309): «إِذَا ثَبَتَ أَنَّ القِيَاسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تُثْبَتَ بِهِ الحُدُودُ وَالكَفَّارَاتُ وَالمُقَدِّرَاتُ وَالأَبْدَالُ».

[م] الحدُّ في الاصطلاح: هو عقوبةٌ مقدَّرةٌ شرعًا سواء كانت مقرّرةً رعايةً لحقِّ الله أم لحقِّ الأفراد(١- وهذا بخلاف الأحناف فإنَّ الحدَّ عندهم هو: عقوبة مقدَّرة واجبة حقًّا لله تعالى، فلا يسمى التعزير حدًّا؛ لأنَّه ليس بمقدر، ولا يسمى القصاص حدًّا؛ لأنَّه وإن كان مقدَّرًا لكنه حقّ العباد، فيجري فيه العفو والصلح، وسميت هذه العقوبات حدودًا لكونها مانعة ارتكاب أسبابها. [«المبسوط للسرخسي»: (9/36)، «بدائع الصنائع» للكاساني: (7/23)،«تبيين الحقائق» للزيلعي: (3/163)]، وعند الجمهور يدخل ضمن الحدود القصاص وحد الردَّة وغيرها).

- والكفارة: هي تصرّف أوجبه الشرع لمحو ذنب معيّن: كالإعتاق والصيام والإطعام ونحو ذلك(٢- معجم لغة الفقهاء للقلعجي وحامد: 382، «التعريفات» الفقهية للمجددي: (334)).

- والمقدر هو: ما يتعيّن مقداره بالكيل، أو الوزن، أو العدد، أو الذراع، ونحو ذلك من قبل الشرع(٣- «التعريفات» للمجددي: (501)، «نشر البنود» للعلوي: (2/111)).

- والبدل هو: قيام المكلّف بأمرٍ عِوضًا عن أمر مطالب به شرعًا، عجز عن القيام به مع اعتبار العلاقة بينهما في المعنى، كمن ترك واجبًا في الحجّ ولم يجد ما يهرق دمًا، انتقل إلى الصوم بدلاً عنه، قياسًا على دم التطيب واللباس لكون دم تعلّق وجوبه بالإحرام.

• ومذهب جمهور العلماء دخول القياس في الكفارات والحدود والمقدرات والأبدال واختاره الباقلاني، والشيرازي، والمصنّف، والغزالي، والفخر الرازي، والآمدي وغيرهم خلافًا للأحناف في المشهور عندهم، والشافعي(٤- وذلك بناء على قول الشافعي في عدم تحمل العاقلة الأطراف، وأروش الجنايات، والحكومات حيث قال: «ورد النص في أنَّ العاقلة تتحمل النفس، فيقتصر عليه، ولا يقاس؛ لأنَّ تحمل العاقلة على خلاف القياس، ولكن ورد في النص فلا يتعدَّى عن محل النَّص». [«البحر المحيط» للزركشي: 5/51-52- بتصرف]) فإنه لا يجوز إجراء القياس عليها(٥- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (310)).

• والأقوى مذهب الجمهور لعموم أدلّة القياس بالنصّ، والإجماع السكوتي ولم يَرِدْ ما يخصّصُها أو يقيّدها، فكانت شاملةً للحدود والكفارات والمقدرات والأبدال لكونها معدودة من الأحكام يثبت فيها خبر الواحد مع أنَّ طريقه غلبة الظنّ لاحتمال الخطإ والسهو فيه، وإذا جاز بالخبر الواحد جاز بالقياس أيضًا، إذ لا فرق بينهما؛ لأنَّ كلا منهما يفيد الظنّ، ولأنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه جلد ثمانين جلدة في الخمر إلحاقًا بالقاذف في الحدِّ عملاً بالقياس الذي أشار له به علي رضي الله عنه حيث قال: «نرى أن نجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فحدُّوه حدَّ المفترين»(٦- أخرجه مالك في «الموطأ»: (3/55)، والدارقطني في «سننه»: (3/166)، والبيهقي في «سننه»: (8/320). والحاكم في «المستدرك»: (4/375)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه عليه الذهبي، وضعفه الألباني في «الإرواء»: (7/111)).



• قال الباجي - رحمه الله- في (ص 310): قَالَ أَبُو حَنِيفَة َ(٧- وإن كان أبو حنيفة يرى عدم جريان القياس في الحدود والكفارات؛ إلاَّ أنه قاس في الكفارات فأوجب الكفارة في الإفطار بالأكل والشرب كما هي واجبة بالإفطار بالجماع، وأوجب الكفارة في قتل الصيد خطأ كما أوجبها في قتله عمدًا في الحرم، فحقيقة القياس موجودة وإن اعتذرت الحنفية أنَّ ذلك من باب تنقيح المناط لا من باب القياس في الكفارات. [انظر مناقشة الغزالي لهم في «المستصفى»: (2/334)، «التمهيد» للإسنوي: (467)]): «لاَ يَجُوزُ أَنْ يُثْبَتَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالقِيَاسِ…».

[م] ذهبت الحنفية إلى عدم إثبات الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال بالقياس، واستدلّوا على ذلك بأدلة منها:

- إنَّ الحدود والكفارات وغيرَهما من الأمور المقدّرة شرعًا التي لا يمكن تعقّل المعنى الموجب لتقديرها، والقياس فرع تعقّل علّة حكم الأصل، فما لا تعلم مصلحته التي من أجلها شرعت هذه الأمور لا يمكن إجراء القياس عليها، إذ القياس متعذّر فيما لا تُدرك عِلته كما في أعداد الركعات، وأنصبة الزكاة ومقاديرها ونحو ذلك، والعِلّة ركنُ القياس وشرطُه، وإذ انتفى الشرطُ ينتفي المشروط.

- إنَّ الحدود عقوباتٌ، والكفارات فيها شائبة عقوبة، والقياس ظني يدخله احتمال الخطأ، وذلك شبهة، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح أن يثبت فيها القياس؛ لأنَّ العقوباتِ تدرأ بالشبهات(٨- «الإحكام» للآمدي: (3/127))، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ»(٩- أخرجه ابن أبي شيبة: (5/507)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (19/171)، و«الخطيب» البغدادي في: «تاريخ بغداد»: (5/231)، وسنده ضعيف مرفوعًا).

وقد أجيب بأنَّ الحكم المعدَّى من الأصل إلى الفرع إنَّما هو وجوب الحدِّ والكفارة والتقدير والبدل من حيث هو وجوب، وذلك معقول بما علم من مسائل الخلاف، ولو كان طريقًا لنفي القياس في العقوبات للزم نفي القياس في سائر الأحكام، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم مثله؛ ولأَنَّ القائلين بالقياس لا يجرونه إلاَّ إذا توفرت شرائطه.

وعلى فرض التسليم بصحة الحديث فإنَّه لا يسلَّم أنَّ ظهور الظنّ يكون شبهة، فلو كان مطلق الظنّ مانعًا من إقامة الحدود لما وجبت الحدود بالأدلة الظنّية كأخبار الآحاد، وظواهر النصوص والشهادات ونحو ذلك، وهي مقبولة مع احتمال الخطإ فيها، وكذلك يقبل في نصاب السرقة تقويم المقوِّم مع احتمال الخطإ عليه، لذلك كان القياس مع ظنّـيّته لا يثير شبهةً فلا يمنع من إجرائه في عموم العقوبات والأبدال والمقدرات(١٠- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (310)).

هذا، وللخلاف آثار فقهية سواء في الكفارات أو الحدود أو المقدرات والأبدال نذكر بعضًا منها فيما يلي:

- بالنسبة للكفارات: ما ذهبت إليه الشافعية إلى وجوب الكفارة على قاتل النفس عمدًا بالقياس على المخطئ؛ لأنها إذا وجبت في القتل الخطإ ففي العمد أولى وحاجته إلى تكفير الذنب أشدّ، وذهبت الحنفية إلى أنه لا كفارة على قاتل العمد؛ لأنه لا قياس في الكفارات والحدود وهو قول مالك والمشهور عن الإمام أحمد(١١- «المغني» لابن قدامة: (8/514)، «مغني المحتاج» للشربيني: (4/107)).

- والظاهر أنَّ مذهب الحنفية أقوى لا من جهة عدم جواز العمل بالقياس، وإنما القياس ضعيف معارض بمفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنً خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾(١٢- النساء: 92)؛ ولأنه لم يثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنه أوجب الكفارةَ في القَوَد، وبالقياس على الزاني المحصن فإنه فعل أوجب القتلَ فلا يوجب الكفارة(١٣- «المغني» لابن قدامة: (8/514)).

ومن ذلك اشتراط الإيمان في رقبة الظهار قياسًا على رقبة القتل بجامع أنّ كلا منهما كفارة، فمن أجرى القياس أوجب الإيمان في كفارة الظهار، ومن لم يجر القياس في الكفارات لم يشترط ذلك، ومن هذا القبيل قياس كفارة اليمين على كفارة القتل الخطأ في اشتراط الإيمان في الرقبة(١٤- «أسباب اختلاف العلماء» للتركي: (117))، وكذلك الكفارة في الإفطار عمدًا بغير جماع، فمن قال بجريان القياس في الكفارات قال: بأنّ من أفطر متعمِّدًا بأكل أو شرب فعليه القضاء والكفارة إلحاقًا بالمجامع في رمضان، وهو مذهب مالك وأصحابُه وأبو حنيفة وأصحابه، أمَّا الشافعية والحنابلة فيذهبون إلى عدم الإلحاق فلا تجب الكفارة لا من أجل أنهم لا يرون بالقياس في الكفارات، وإنما يقولون بعدم صلاحية هذه العِلة لهذا الحكم، ويرون أنَّ هذه العقوبة أشدّ مناسبة للجماع منها لغيرها(١٥- «المغني» لابن قدامة: (3/105)، «أثر الاختلاف في القواعد الأصولية» للخن: (484)).

- بالنسبة للحدود: فمثاله: قطع يد النباش قياسًا على السارق بجامع أخذ المال خُفية من حرز، وهو مذهب القائلين بالقياس خلافًا لأبي حنيفة فإنه لا يقول بقطع يد النباش؛ لأنَّ القبر ليس بحرز(١٦- «المغني» لابن قدامة: (9/109)، «التمهيد» للإسنوي: (467))، وقياس اللائط على الزاني بجامع إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعًا محرّم شرعًا(١٧- «المعونة في الجدل» للشيرازي: (227)، «المنهاج في ترتيب اللجاج» للباجي: (154)).

- ومثاله في المقدرات: جعل أقلّ الصداق ربع دينار قياسًا على قطع اليد في السرقة بجامع أنَّ كلا منهما فيه استباحة عضو(١٨- «نشر البنود» للعلوي: (2/111))، وتقدير الخرقِ الذي يعفى عنه في الخُفِّ بثلاثة أصابع قياسًا على مسحه(١٩- «المعونة في الجدل» للشيرازي: (227). [انظر ما أثبته الشافعي -رحمه الله- من تناقض الحنفية في مسألة المقدرات والرخص في: «الأم»: (1/4) وما بعدها، ونقل عنه الجويني في «البرهان»: (2/896)، والرازي في «المحصول»: (2/2/474)، والإسنوي في «التمهيد»: (467)]).

- ومثاله في الأبدال: انتقال المحصر إلى الصوم إذا لم يجد قياسًا على سائر الهدايا بجامع كون الهدي تعلّق وجوبه بالإحرام(٢٠- «المنهاج في ترتيب اللجاج» للباجي: (154)).



فصلٌ

[في صحة العلة الواقفة]



• قال الباجي- رحمه الله- في (ص 310): «العِلَّةُ الوَاقِفَةُ عِنْدَنَا صَحِيحَةٌ، نَحْوُ عِلَّةِ مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِمِ، لأَنَّهَا أُصُولُ الأَثْمَانِ وَقِيَمُ المُتْلَفَاتِ».

[م] المراد بالعلة الواقفة تلك التي لم تَـتَعَدَّ الأصلَ إلى الفرع(٢١- والعلة الواقفة إذا ثبتت في معنى من المعاني كانت مقصورة عليه وغير موجودة في سواه، فوصفت لذلك بأنها موقوفة عليه، ممنوعة من أن تتعدى إلى سواه «الحدود» للباجي: 74)، ويعبِّر عنه الأصوليُّون بالعِلة القاصرة، ومحلُّ الخلاف في جواز التعليل بها إذا كانت مستنبطةً، أمَّا الثابتةُ بنصٍّ أو إجماعٍ فقد أطبقَ العلماءُ على جواز التعليل بها إلاَّ ما نقله القاضي عبد الوهاب عن قومٍ أنه لا يصحُّ التعليل بها، وتعقّبه صاحب الإبهاج بقوله: «ولم أر هذا القولَ في شيء مما وقفت عليه من كتب الأصول سوى هذا»(٢٢- «الإبهاج» للسبكي وابنه: (3/144)).

ومثال العلة الواقفة المنصوص عليها التي يجوز التعليل بها اتفاقًا: تعليل وجوب الكفارة بوقاع المكلّف في نهار رمضان.

وأمَّا العلة الواقفة المستنبطة فما عليه مالك والشافعيُّ وأكثرُ أصحابهما وإحدى الروايتين عن أحمد صحة التعليل بها، وبه قال بعض الحنفية، ومال إلى هذا القول أبو إسحاق الشيرازي والغزالي والفخر الرازي والآمدي وغيرهم، وخالف أبو حنيفة وأكثر أصحابه والحنابلة ورأوا عدم صحة التعليل بها وهي الرواية الثانية عن أحمد(٢٣- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (311))، وقد مثَّل لها المصنّف بعلة منع التفاضل في الذهب والفضة بأنها أصول الأثمان وقيم المتلفات، وبهذا التعليل قالت المالكية والشافعية ورواية عن أحمد، وهو المعنى البارز الذي يُعَدُّ معيارًا ضابطًا يُعرَفُ به تقويمُ المبيعات فلا يخضع للارتفاع والانخفاض على عكس السلع، وبخلاف التعليل بالوزن الذي عليه الحنفية ورواية عن أحمد(٢٤- انظر: «تحفة الفقهاء» للسمرقندي: (2/31)، «البدائع» للكاساني: 5/183، «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/130)، «المهذب» للشيرازي: (1/277)، «المغني» لابن قدامة: (4/5)، «مختارات من نصوص حديثية» للمؤلف: (221))، فإنه وإن كانت علة متعدِّية إلاَّ أنَّ التعليل بها طرد محض ليس فيه مناسبة، فإذن لا يوجد معنى أخطر من الثمنية في الذهب والفضة إذ بها حياة الأموال، وحاجة الناس إليها ضرورية وعامة، ولأنها غير مقصودة لذاتها بل للتوصل بها إلى السلع، وهذا المعنى معقول يختصّ بالنقود، فلا يتعدَّى سائر الموزونات(٢٥- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (2/156))، ويمثلون للعلة القاصرة -أيضًا- السفر المبيح للفطر، والرَّمَلُ في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف لإظهار القوة والنشاط للمشركين.



• قال الباجي-رحمه الله- في (ص 311): «وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: «لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ»، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ القِيَاسَ أَمَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَجَازَ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً وَعَامَّةً كَالخَبَرِ».

[م] الحنفية نظروا إلى شروط صلاحية العِلة للقياس، ولاحظوا ضرورةَ أن تكون العلةُ متعدِّيةً لاستخدامها في عملية القياس، ولَمَّا كانت العلة الواقفة لا تتعدَّى إلى الفرع فلا جدوى من التعليل بها، إذ ما لا فائدة فيه لا يرد به الشرع، لذلك يبطل التعليل بها، ومن جهة أخرى فالعلة الواقفة لا تكشف عن الأحكام لقصورها، ومن شرط العِلة الشرعية أن تكون أمارةً كاشفةً عن الأحكام، لذلك لا تصلح أن تكون علة لانتفاء شرطها.

وقد أجاب الجمهور عن دليل الأحناف: بأنَّ العلة الواقفة تفيد المكلّف في معرفة بناء الحكم على وجه المصلحة وفق الحكمة، وهو تعليل باعث على الامتثال والطاعة؛ ولأنَّ التعدية وسيلة إلى إثبات الحكم، فالواقفةُ وسيلة إلى نفيه، وكلاهما مقصودان، فإنَّ إثبات الحكم في محلّ النفي محذور، كما أنَّ نفيه في محلّ الإثبات محذور، وهذه النتيجة من الأهمية بمكان؛ لأنَّ معرفة اقتصار على محل النصّ وانتفائه به من أعظم الفوائد(٢٦- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (2/156))، فإن ثبتت الثمنية علة الذهب والفضّة فإنَّ عدم الثمنية مشعر بمفهوم المخالفة بانتفاء تحريم الربا في غيرهما، وقد استدلّ الجمهور بفوائد أخرى يترك ذكرها خشية التطويل اكتفاء بما تقدّم، وعليه تكون العلة الواقفة كاشفة عن الأحكام من جهة كشفها ممنوعية استعمال القياس، فصحَّ أن تكون أمارةً شرعية قاصرة على حكم خاصّ مثل المتعدّية فهي أمارة شرعية عامّة غير قاصرة على حكم نصّ الأصل، فاتصاف العلة بالتعدية إنما هو فرع عن صحّتها وصلاحيتها لإضافة الحكم إليها، ولا يكون فرع الشيء شرطًا لوجوده، ولا مقوّمًا له، فمثل العِلة الواقفة والمتعدّية مثل الخبر في عمومه وخصوصه؛ ولأنَّ العلة الواقفة المستنبطةَ كالعلة الواقفة المنصوص عليها أو المجمع عليها ولا فرق، فإذا جاز التعليل بالمنصوص عليها والمجمع عليها جاز التعليل بالمستنبطة، وإذا نفينا الفرق بين العلة المتعدّية المنصوص عليها أو المجمع عليها وبين العلة المتعدّية المستنبطة فإنَّ القياس يقتضي نفيه في العِلة الواقفة المستنبطة أيضًا.

والخلاف بين أهل العلم لفظي لا ثمرة له ولا نتيجةَ منه، فالجمهور لم يشترطوا التعدِّي لأنهم لاحظوا حقيقة العلية باستخراج المناسبة وإبداء الحكمة لا من أجل القياس، بينما الأحناف لاحظوا عملية القياس وشروط صلاحية العلة للقياس ومنها التعدّي، لذلك لم يصحّحوا العِلة الواقفة؛ لأنَّ قصور العلة يمنع القياس لعدم وجود العِلة الواقفة في الفرع الذي يراد إثباته فلا يتحقّق إلاَّ بالعِلة المتعدّية، وهذا لا يخالف فيه من أجاز التعليل بالواقفة، كما أنَّ الأحناف من جهتهم لم يمنعوا التعليل باستخراج المناسبة وإبداء الحكمة من العلة الواقفة.



فصل
[في معنى الاستحسان وحجيته]

• قال الباجي- رحمه الله- في (ص 312): «ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مِنْدَاد أَنَّ مَعْنَى الاِسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابُ مَالِكٍ -رَحِمَهُ اللهُ- هُوَ القَوْلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، مِثْلُ تَخْصِيصِ بَيْعِ العَرايَا(٢٧- العرايا جمع عرية وهي الأصل: عطية ثمر النخل دون الرقبة، وهي في الاصطلاح: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيلة من التمر خرصا فيما دون خمسة أوسق بشرط التقابض، وقد اتفق الجمهور على جواز رخصة العرايا. [انظر: «فتح الباري» لابن حجر: (4/388-390)، «سبل السلام» للصنعاني: (3/45)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (6/345-356)]) مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِخِرْصِهَا للسنَّةِ الوَاردةِ في ذَلِكَ».

[م] الاستحسان بالمعنى الذي نقله ابن خويز منداد حجّة باتفاق العلماء؛ لأنَّه لا يخالف أحدٌ في الأخذ بالدليل الراجح، لكن الذي لا يُثبت الاستحسان لا يسمّى الأخذ بما ترجح من الدليلين المتعارضين استحسانًا، وهذا الذي ذهب إليه هو الدليل، وإن كان يسمّيه استحسانًا على سبيل المواضعة، ولا يمتنع ذلك في حقّ أهل كلّ صناعة إلاَّ أنَّ هذا يحتاج إلى بيان وكشف مثل أن يرد الشرع بالمنع من بيع الرطب بالتمر ويطرد في جميع الحالات، ثمَّ يرد من الشرع جواز بيع ثمرة العرية بخرصها من التمر إلى الجذاذ، وهذا وإن سماه البعض استحسانًا فلا مشاحة في التسمية، لكن مسمّاه يرد على باب بناء العامّ على الخاصّ، والحكم بالخاصّ والقضاء به على ما قابله من العام فلا يكون هذا موضع الاستحسان(٢٨- انظر: «إحكام الفصول» للباجي: (687)، «الحدود» للباجي: (65)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (241)).

هذا، وقد عرّفه أهل المذاهب بتعريفات مختلفة نذكر منها:

- تعريف الكرخي من الأحناف بأنَّ الاستحسان هو: «العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي هذا العدول»(٢٩- «كشف الأسرار» للبخاري: (4/3)).

- وعرفه ابن العربي المالكي بأنَّه: «ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخّص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته»(٣٠- «الموافقات» للشاطبي: (4/207-208)، «الاعتصام» للشاطبي: (2/139))، وعرفه ابن رشد المالكي بأنَّه: «طرح لقياس يؤدّي إلى غلوّ في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثّر في الحكم يختصّ به ذلك الموضع»(٣١- «الاعتصام» للشاطبي: (2/139))، أمَّا تعريفه عند الشاطبي المالكي بأنَّه: «الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي»(٣٢- «الموافقات» للشاطبي: (4/206)).

- وعرفه الغزالي الشافعي بأنَّه: «ما يستحسنه المجتهد بعقله»(٣٣- «المستصفى» للغزالي: (1/274)).

- أمَّا ابن قدامة الحنبلي فعرفه بأنَّه: «العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاصّ من كتاب أو سنة»(٣٤- «روضة الناظر» لابن قدامة: (1/407)).

- وعرفه أبو الحسين البصري بأنَّه: «ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه هو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأول»(٣٥- «المعتمد» لأبي الحسين: (2/840))، واختار الآمدي هذا التعريف وقال: «غير أنَّ حاصله يرجع إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن دليل خاصّ إلى مقابله بدليل طارئ عليه أقوى منه من نصّ أو إجماع أو غيره، ولا نزاع في صحّة الاحتجاج به وإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان»(٣٦- «الإحكام» للآمدي: (3/202)).



[في حقيقة الاستحسان المختلف فيه]

• قال الباجي -رحمه الله- بعد ذلك في (ص 313): «وَالاسْتِحْسَانُ الَّذِي يَخْتَلِفُ أَهْلُ الأُصُولِ فِي إِثْبَاتِهِ هُوَ: اخْتِيَارُ القَوْلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلاَ تَقْلِيدٍ، ذَهَبَ بَعْضُ البَصْرِيينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلىَ إِثْبَاتِهِ، وَمَنَعَ مِنْهُ شُيُوخُنَا العِرَاقِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ».

[م] إطلاقُ الاستحسان على ما تميل إليه النفس وتهواه من الصور والمعاني وإن كان مستقبحًا عند غيره، لم يقل به أحد من العلماء، ولا يسوغ نسبته إلى أهل العلم، إذ لا خلاف بينهم على عدم جوازه، لاتفاقهم على امتناع القول في الدِّين بالتشهي والهوى.

والظاهر أنَّ الخلاف بين العلماء في الاستحسان ليس جوهريًّا، بل هو خلاف لفظي، فالذي يحتجّ به يعرّفه بتعريفٍ لا يخالف أحد في العمل به، كالأخذ بالدليل الأقوى، أو أنه العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، والذي يرده ولا يحتجّ به يعرفه بحدٍّ لا يقول بجواز العمل به أحد من المسلمين، كمن عرفه بأنَّه اختيار القول من غير دليل ولا تقليد، أو بأنَّه دليل ينقدح في ذهن المجتهد لا تساعده العبارة عنه حتى يفصح عنه، أو ما يستحسنه المجتهد بنظره بعقله، وما إلى ذلك من التعريفات الضعيفة التي لم يقل بها أهل العلم لحرمة القول على الله بدون علم وبالتشهي واتباع الهوى، فما أثبته المحتجّون به غير الذي نفاه المانعون له، فينتفي الخلاف في الحقيقة لانتفاء التعارض بين النفي والإثبات لعدم تواردهما على محل واحد، ويبقى الخلاف في العبارة واللفظ، وبهذا قال جماعة من المحقّقين كابن الحاجب والآمدي وابن السبكي والإسنوي وغيرهم(٣٧- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (314))، قال الشوكاني: «فعرفت بمجموع ما ذكرنا أنَّ ذكر الاستحسان في بحث مستقلّ لا فائدة فيه أصلاً؛ لأنه إن كان راجعًا إلى الأدلّة المتقدّمة فهو تكرار، وإن كان خارجًا عنها فليس من الشرع في شيء، بل هو من التقوُّل على هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة، وبما يضادّها أخرى»(٣٨- «إرشاد الفحول» للشوكاني: (241)).

هذا، وينقسم الاستحسان تبعًا للدليل الذي يثبت به إلى:

- الاستحسان بالنص: وهو العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالنص، وهو ينقسم إلى استحسان بالقرآن الكريم أو بالسنة المطهرة:

- مثال الاستحسان بالقرآن: تنفيذ الوصية، فإنَّ القياس يقتضي عدم جوازها؛ لأنَّها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت وهو زمن زوال الملكية إلاَّ أنها استثنيت من تلك القاعدة العامة بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾(٣٩- النساء: 12).

- ومثاله من السنة: بقاء صوم المفطر ناسيًا، فإنَّ القياس يقتضي فساد الصوم لعدم الإمساك عن الطعام، لكنه استثني بقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ»(٤٠- أخرجه البخاري: (4/155)، ومسلم: (8/35)، وأبو داود: (2/790)، والترمذي: (3/100)، وابن ماجه: (1/535)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)، ومعنى هذا الاستحسان أن يَرِدَ نَصٌّ في المسألة يتضمَّن حُكْمًا بخلاف الحكم الكلي الثابت بالدليل العامّ، وقد تقدّم أنَّ هذا لا ينكر وإنَّما الخلاف يرجع إلى العبارة(٤١- «المستصفى» للغزالي: (1/139)).

- الاستحسان بالإجماع: وهو العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع، ومثاله: عقد الاستصناع(٤٢- الاستصناع هو: عقد مع صانع على عمل معين في الذمة نظير ثمن معين. [انظر: «فقه البيع والاستيثاق» للسالوس: (484)، و«الفقه الإسلامي وأدلته» للزحيلي: (4/631))، فإنَّ مقتضى القياس بطلانه؛ لأنَّ المعقود عليه وقت العقد معدوم لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم مخالف له وهو جواز عقد الاستصناع لتعامل الناس به في كلّ الأزمان من غير نكير فكان إجماعًا يترك به القياس.

- الاستحسان بالقياس الخفي: وهو العدول عن حكم القياس الجلي ظاهر العِلة فيه إلى حكم آخر بقياس خفي أدق من الأول وأصح نظرًا، ويتحقّق ذلك في كلِّ مسألة فيها قياسان: قياس جلي لظهور العِلة فيه، وقياس خفي لخفاء العِلة فيه، ومثاله: سؤر سباع الطير، فإنَّ القياس يقتضي نجاسة سؤرهم لمساواة سؤرهم بسباع البهائم؛ لأنَّ الحكم على السؤر باعتبار اللحم، ولحم كلّ منهما نجس، غير أنَّ مقتضى الاستحسان طهارته قياسًا على الآدمي في أنَّ كلا منهما غير مأكول اللحم، ولأنَّ سباع الطير تشرب بمناقيرها وهي عظم طاهر جاف لا رطوبة فيه، فضعف تأثير قياس مخالطة اللعاب النجس للماء في سؤر سباع البهائم.

- الاستحسان بالعرف والعادة: وهو العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم يخالفه، عملاً بالعرف وجَرْيًا على ما اعتاده الناس، مثاله: إجارة الحمام بتعيين الأجرة مع الجهالة لقدر الماء المستعمل في الاستحمام ومدة الإقامة في الحمام، فالقياس يقتضي بطلان عقد الإجارة؛ لأنَّها عقد على مجهول، والجهالة تُبطل العقدَ وتفسدُه، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم مخالف وهو جواز الإجارة له عملاً بالعرف استحسانًا لِمَا في ترك بيان المنفعة منعًا للمضايقة على ما اعتاده الناس رعاية لمصالحهم وحاجياتهم(٤٣- ويصلح هذا المثال للاستحسان بالإجماع –أيضًا- لتحقّق الإجماع على جواز إجارة الحمام مع حصول الجهالة في قدر الماء والمدة).

- الاستحسان بالضرورة: وهو العدول عن حكم القياس إلى حكم آخر مخالف له ضرورة وحاجة، ومثاله: الغَبْنُ اليسير في المعاملات مغتفر، فالقياس يقتضي أنَّ كلَّ غَبْنٍ أَكْلُ أموال الناس بالباطل للدليل العامّ المانع، لكن الغبن اليسير معفو عنه، وتصح المعاملة معه لضرورة عدم إمكانية الاحتراز عنه.

ومثاله أيضًا: جواز الشهادة بالسماع في النسب والموت والنكاح والدخول، وإن لم يعاين الشهود ما شهدوا عليه، والقياس يقتضي اشتراط المعاينة، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر؛ لأنَّ الناس لو كلّفوا إحضار شهود عاينوا الولادة أو الدخول لوقعوا في حرج ظاهر، لذلك جوزت الشهادة بالسماع ضرورة.

فصل
[في سد الذرائع وحجيتها]



• قال المصنِّف –رحمه الله- في (ص 314): «مَذْهَبُ مَالِكٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- المَنْعُ مِنَ الذَّرَائِعِ،… "يتبع"


--------------------------------------------------------------------------------
١- وهذا بخلاف الأحناف فإنَّ الحدَّ عندهم هو: عقوبة مقدَّرة واجبة حقًّا لله تعالى، فلا يسمى التعزير حدًّا؛ لأنَّه ليس بمقدر، ولا يسمى القصاص حدًّا؛ لأنَّه وإن كان مقدَّرًا لكنه حقّ العباد، فيجري فيه العفو والصلح، وسميت هذه العقوبات حدودًا لكونها مانعة ارتكاب أسبابها. [«المبسوط للسرخسي»: (9/36)، «بدائع الصنائع» للكاساني: (7/23)،«تبيين الحقائق» للزيلعي: (3/163)]، وعند الجمهور يدخل ضمن الحدود القصاص وحد الردَّة وغيرها.
۲- معجم لغة الفقهاء للقلعجي وحامد: 382، «التعريفات» الفقهية للمجددي: (334).
٣- «التعريفات» للمجددي: (501)، «نشر البنود» للعلوي: (2/111).
٤- وذلك بناء على قول الشافعي في عدم تحمل العاقلة الأطراف، وأروش الجنايات، والحكومات حيث قال: «ورد النص في أنَّ العاقلة تتحمل النفس، فيقتصر عليه، ولا يقاس؛ لأنَّ تحمل العاقلة على خلاف القياس، ولكن ورد في النص فلا يتعدَّى عن محل النَّص». [«البحر المحيط» للزركشي: 5/51-52- بتصرف]
٥- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (310).
٦- أخرجه مالك في «الموطأ»: (3/55)، والدارقطني في «سننه»: (3/166)، والبيهقي في «سننه»: (8/320). والحاكم في «المستدرك»: (4/375)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه عليه الذهبي، وضعفه الألباني في «الإرواء»: (7/111).

٧- وإن كان أبو حنيفة يرى عدم جريان القياس في الحدود والكفارات؛ إلاَّ أنه قاس في الكفارات فأوجب الكفارة في الإفطار بالأكل والشرب كما هي واجبة بالإفطار بالجماع، وأوجب الكفارة في قتل الصيد خطأ كما أوجبها في قتله عمدًا في الحرم، فحقيقة القياس موجودة وإن اعتذرت الحنفية أنَّ ذلك من باب تنقيح المناط لا من باب القياس في الكفارات. [انظر مناقشة الغزالي لهم في «المستصفى»: (2/334)، «التمهيد» للإسنوي: (467)].
۸- «الإحكام» للآمدي: (3/127).
٩- أخرجه ابن أبي شيبة: (5/507)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (19/171)، و«الخطيب» البغدادي في: «تاريخ بغداد»: (5/231)، وسنده ضعيف مرفوعًا.
[انظر: «المقاصد» الحسنة للسخاوي: (74)، «إرواء الغليل» للألباني: (7/343، 8/26)]، وقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى»: (8/238) موقوفًا عن ابن مسعود رضي الله عنه بسند حسن «السلسلة الضعيفة» للألباني: 5/222].
١٠- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (310).
١١- «المغني» لابن قدامة: (8/514)، «مغني المحتاج» للشربيني: (4/107).
١٢- النساء: 92.
١٣- «المغني» لابن قدامة: (8/514).
١٤- «أسباب اختلاف العلماء» للتركي: (117).
١٥- «المغني» لابن قدامة: (3/105)، «أثر الاختلاف في القواعد الأصولية» للخن: (484).
١٦- «المغني» لابن قدامة: (9/109)، «التمهيد» للإسنوي: (467).
١٧- «المعونة في الجدل» للشيرازي: (227)، «المنهاج في ترتيب اللجاج» للباجي: (154).
١٨- «نشر البنود» للعلوي: (2/111).
١٩- «المعونة في الجدل» للشيرازي: (227). [انظر ما أثبته الشافعي -رحمه الله- من تناقض الحنفية في مسألة المقدرات والرخص في: «الأم»: (1/4) وما بعدها، ونقل عنه الجويني في «البرهان»: (2/896)، والرازي في «المحصول»: (2/2/474)، والإسنوي في «التمهيد»: (467)].
٢٠- «المنهاج في ترتيب اللجاج» للباجي: (154).
٢١- والعلة الواقفة إذا ثبتت في معنى من المعاني كانت مقصورة عليه وغير موجودة في سواه، فوصفت لذلك بأنها موقوفة عليه، ممنوعة من أن تتعدى إلى سواه «الحدود» للباجي: 74.
٢٢- «الإبهاج» للسبكي وابنه: (3/144).
٢٣- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (311).
٢٤- انظر: «تحفة الفقهاء» للسمرقندي: (2/31)، «البدائع» للكاساني: 5/183، «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/130)، «المهذب» للشيرازي: (1/277)، «المغني» لابن قدامة: (4/5)، «مختارات من نصوص حديثية» للمؤلف: (221).
٢٥- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (2/156).
٢٦- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (2/156).
٢٧- العرايا جمع عرية وهي الأصل: عطية ثمر النخل دون الرقبة، وهي في الاصطلاح: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيلة من التمر خرصا فيما دون خمسة أوسق بشرط التقابض، وقد اتفق الجمهور على جواز رخصة العرايا. [انظر: «فتح الباري» لابن حجر: (4/388-390)، «سبل السلام» للصنعاني: (3/45)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (6/345-356)].
٢٨- انظر: «إحكام الفصول» للباجي: (687)، «الحدود» للباجي: (65)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (241).
٢٩- «كشف الأسرار» للبخاري: (4/3).٣٠
- «الموافقات» للشاطبي: (4/207-208)، «الاعتصام» للشاطبي: (2/139).
٣١- «الاعتصام» للشاطبي: (2/139).
٣٢- «الموافقات» للشاطبي: (4/206).
٣٣- «المستصفى» للغزالي: (1/274).
٣٤- «روضة الناظر» لابن قدامة: (1/407).
٣٥- «المعتمد» لأبي الحسين: (2/840).
٣٦- «الإحكام» للآمدي: (3/202).
٣٧- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (314).
٣٨- «إرشاد الفحول» للشوكاني: (241).
٣٩- النساء: 12.
٤٠- أخرجه البخاري: (4/155)، ومسلم: (8/35)، وأبو داود: (2/790)، والترمذي: (3/100)، وابن ماجه: (1/535)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٤١- «المستصفى» للغزالي: (1/139).
٤٢- الاستصناع هو: عقد مع صانع على عمل معين في الذمة نظير ثمن معين. [انظر: «فقه البيع والاستيثاق» للسالوس: (484)، و«الفقه الإسلامي وأدلته» للزحيلي: (4/631).
٤٣- ويصلح هذا المثال للاستحسان بالإجماع –أيضًا- لتحقّق الإجماع على جواز إجارة الحمام مع حصول الجهالة في قدر الماء والمدة.
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-2009, 06:22 PM   #19
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"




فصلٌ
[في سدّ الذرائع وحجيتها]



• قال المصنف -رحمه الله- في (ص 314): «مَذْهَبُ مَالِكٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- المَنْعُ مِنَ الذَّرَائِعِ، وَهِيَ: المَسْأَلَةُ الَّتِي ظَاهِرُهَا الإبَاحَةُ، وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى فِعْلِ المَحْظُورِ، وَذَلِكَ نَحْوُ: أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ بِمِئَةٍ إِلىَ أَجَلٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِخَمْسِينَ نَقْدًا، لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى بَيْعِ خَمْسِينَ مِثْقَالاً نَقْدًا إِلَى أَجَلٍ، وَأَبَاحَ الذَّرَائِعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ».



[م] الذريعةُ في اللغة هي: الوسيلةُ التي يُتوصَّلُ بها إلى الشيء، ولها -في الاصطلاح- معنيان: عامّ، وخاصّ، والعامّ من المعنيين هو كلّ ما يُتوصّل بالوسيلة لشيء آخر مُطلقًا، سواء كانت الوسيلة أو المتوسّل إليه مقيّدان بوصفِ الجوازِ أو المنعِ، والوسائلُ بهذا المعنى تشمل المتفق عليه والمختلف فيه، فيتصوّر فيها السدّ كما يتصوّر فيها الفتح، وفي تقرير هذا المعنى العامّ قال ابن القيم -رحمه الله-: «لَمَّا كانت المقاصدُ لا يُتوصَّلُ إليها إلاَّ بأسباب وطُرُقٍ تفضي إليها، كانت طُرُقها وأسبابُها تابعةً لها معتبرة بها، فوسائل المحرّمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحَسَب إفضائها إلى غاياتها وارتباطها بها، ووسائلُ الطاعات والقُربات في محبّتها والإذن فيها بحَسَب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلةُ المقصودِ تابعةٌ للمقصود وكلاهما مقصود، لكنّه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل»(١- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (3/135))، وقال القرافي -رحمه الله-: «واعلم أنَّ الذريعةَ كما يجب سدّها يجب فتحها، ويكره ويندب ويباح، فإنَّ الذريعة هي الوسيلة، فكما أنَّ وسيلة المحرّم محرّمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحجّ، غير أنَّ الوسائل أخفض رتبة من المقاصد، وهي –أيضًا- تختلف مراتبها باختلاف مراتب المقاصد التي تؤدّي إليها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضلُ الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبحُ الوسائل، وإلى ما هو متوسَط متوسطة»(٢- «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (200)، «الفروق» للقرافي: (2/33)).

أمَّا الخاصّ من المعنين -وهو المراد لدى الأصوليين والفقهاء- وهي الوسائلُ التي ظاهرها الجواز ويتوصّل بها إلى الشيء الممنوع المشتمل على مفسدة(٣- انظر: معنى الذرائع في: «الحدود» للباجي: (68)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (448)، «إعلام الموقعين» لابن القيم: (3/134)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (246))، وقد عرفه الشاطبي بقوله: «وهو كلّ فعلٍ مأذونٍ فيه بالأصل، ولكنه طَرَق عليه ما جعله يُؤدِّي إلى المفسدة كثيرًا لا غالبًا»(٤- «الموافقات» للشاطبي: (4/199))، وعلى هذا المعنى يكون سدّ الذرائع حسم مادة وسائل الفساد بمنع وسائلها ودفعها.

والذرائع على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما أجمعَ العلماءُ على المنع منه، أي: على اعتباره اتفاقًا، وهي الوسائلُ التي تفضي إلى المفسدة على وجه القطع أو الظنّ الغالب، كبيع السلاح وقت الفتنة، وحفر الآبار في طرق المارة، أو سبّ الأصنام عند من يعلم أنَّه يسبّ الله تعالى، عملاً بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(٥- الأنعام: 108)، فمصلحةُ ترك سبِّ الله أعظمُ من مصلحة إهانة الأصنام بسبِّها، فأمر بترك سبّ الأصنام سدًّا لذريعة سبِّ الله تعالى.

ثانيها: ما أجمع العلماء على عدم المنع منه، أي: على إلغائه اتفاقًا، وهي الوسائل التي تفضي إلى المفسدة نادرًا، فقد اتفقوا على أنَّها ذريعة لا تسدّ، ووسيلة لا تحسم، كالمنع من زراعة العنب خشية اتخاذ الخمر منه؛ لأنَّ في زرع العنب نفعًا كثيرًا فلا يترك ذلك باحتمال أن يتخذ خمرًا، أو منع الشركة في سكنى الديار خشية الزنا.

ثالثها: ما اختلفوا فيه وهو ما يؤدِّي إلى مفسدة غالبًا كبيوع الآجال مثل بيع العينة(٦- صورة بيع العينة: أن يبيع رجلٌ سلعةً بثمن (كمائة دينار) إلى أَجَلٍ معلومٍ كَشَهْرٍ، ثمَّ يبيع المشتري نفسَ السلعة إلى بائعها الأول في الحال بأقلّ من الثمن الذي باعها به (خمسون دينارًا مثلاً) وفي نهاية الأجل المحدّد لدفع الثمن في العقد الأول يدفع المشتري كامل الثمن، ويكون الفرق بين الثمنين لصاحب المتاع الذي باع بيعًا صوريًا، وللعلماء في تحريم هذه المعاملة وتجويزها قولان. [انظر هذه المسألة مفصّلة في مؤلفي «مختارات من نصوص حديثية في فقه المعاملات المالية»: (241)])، وهذا القسم منعه مالكٌ وأحمدُ وأكثرُ أصحابهما، وأجازه أبو حنيفة والشافعيُّ في بعض الحالات وأنكر العمل به في حالات أخرى، وأبطله ابن حزم مُطلقًا(٧- انظر تفصيل المذاهب في هذه المسألة على المصادرالأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (315)). وسببُ الخلاف يرجع إلى «النية واللفظ في العقود»، فمن نظر إلى الأفعال والأحكام من حيث الغايةُ والمآلُ والمقصدُ أبطلَ بيعَ العينة؛ لأنَّ «الأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا» ولأنَّ العقد بذاته يحمل الدليل على قصد الربا، إذ مآل هذا التعاقد هو تحقيق بيع خمسين نقدًا بمائة إلى أجل، ومَن نَظَرَ إلى الأحكام الظاهرة والأفعالِ عند حدوثها من غير التفات إلى غاياتها ومراميها ومآلها، ففرّق بين القصد غير المباح المستتر فوكل أمره لله تعالى، وبين التصرّف الظاهري الذي يظهر فيه ما يدلّ على القصد صراحةً عمل بقاعدة أنَّ: «المُعْتَبَرَ فِي أَوَامِرِ اللهِ المَعْنَى، وَالمُعْتَبَرَ فِي أَوَامِرِ العِبَادِ الاِسْمُ وَاللَّفْظُ»، أمَّا إن ظهر قصده في العقد صراحةً أو بقرائنَ فإنَّه يعمل بقاعدة أنَّ: «العِبْرَةُ فِي العُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ بِالمَقَاصِدِ وَالمَعَانِي لاَ بِالأَلْفَاظِ وَالمَبَانِي» لذلك أجاز الشافعيُّ بيع العينة قضاء، ولم يعمل بالعقود الباطنة فهي موكولة إلى الله تعالى ما دامت مستترة، فالعقدان جائزان حتى يقوم الدليل على قصد الربا المحرّم صراحةً أو بالقرائن دفعًا للتُّهمة، وحملاً لحال الناس على الصلاح، واعتداد بالألفاظ في العقود دون النيات والقصود(٨- انظر تفصيل ابن القيم –رحمه الله- لمبدإ الباعث والقصد في العقود في «إعلام الموقعين»: (3/95)، وما بعدها).

هذا، والظاهر أنَّ الإمام مالكًا –رحمه الله- لم ينفرد بالقول بسدِّ الذرائع لكثرة من عمل من العلماء بهذا المبدإ في فروعهم، إذ بعضهم يمنع ذلك قطعًا من باب «مَا لاَ يَتِمُّ تَرْكُ الحَرَامِ إِلاَّ بِتَرْكِ الجَمِيعِ فَتَرْكُهُ وَاجِبٌ» أو قاعدة «النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ نَهْيٌ عَمَّا لاَ يَتِمُّ اجْتِنَابُهُ إِلاَّ بِهِ»، فمثل هذا الذي يُفضي إلى الحرام قطعًا فلا يختلفون فيه، وإنما يجري الخلافُ فيما يُفضي إلى الحرام غالبًا أو مع التساوي فيه. قال القرطبي: «سَدُّ الذرائع ذهب إليه مالكٌ وأصحابُه، وخالفه أكثرُ الناس تأصيلاً، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلاً»
ثمَّ قرَّر موضع الخلاف فقال: «اعلم أنَّ ما يُفضي إلى الوقوع قطعًا أو لا، الأول: ليس من هذا الباب، بل هو من باب «مَا لاَ خَلاَصَ مِنَ الحَرَامِ إِلاَّ بِاجْتِنَابِهِ فَفِعْلُهُ حَرَامٌ»(٩- تنبيه: الفرق بين مقدّمة الشيء والذريعة إليه، أنَّ الشيء يتوقّف على مقدمته، أي: أنَّ حصول المقصود متوقّف عليها، أمَّا الذريعة فهي وسيلة توصل إلى المقصود بالحكم، فالسفر مقدّمة الحج، والسعي مقدّمة صلاة الجمعة لا يتمّان إلاَّ بها، أي: يتوقّف الحجّ والجمعة على تلك المقدمة، وليس من باب المقدمة قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]؛ لأنَّ سبَّ المشركين ربّ العالمين لا يتوقّف حصوله على سبّ المؤمنين آلهة المشركين، ولكن سبّ المؤمنين أصنامهم ذريعة إلى سبِّ المشركين إله العالمين، ولا تلازم بين المقدمة والذريعة فقد تتحقّق مقدمة المفسدة مجرّدة عن الذريعة كالسفر للمعصية، وقد يجتمعان معًا في صورة واحدة كالزنى المفضي إلى اختلاط الأنساب، وكالخمر المفضي إلى زوال العقل، فكلا الصورتين تضمّنت مقدمة المفسدة وذريعة لها)، من باب «مَا لاَ يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ» والذي لا يلزم [إفضاؤه إلى الوقوع حتمًا]: إمَّا أن يفضي إلى المحظور غالبًا أو ينفكّ عنه غالبًا أو يتساوى الأمران، وهو المسمَّى بالذرائع عندنا، فالأول لابدّ من مراعاته، والثاني والثالث اختلَفَ الأصحاب فيه، فمنهم من يُراعيه، وربما يُسمّيه التهمة البعيدة والذرائع الضعيفة»(١٠- انظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني: (246))، قال القرافي: «مالكٌ لم ينفرد بذلك، بل كلّ أحد يقول بها ولا خصوصية للمالكية بها إلاَّ من حيث زيادتهم فيها»(١١- انظر: «الفروق» للقرافي: (2/32، 3/266)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (247)).

والظاهر أنَّ التمسّك بمبدأ سدّ الذرائع ووجوب مراعاة النيات والمقاصد أقوى لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(١٢- أخرجه البخاري: (1/9)، ومسلم: (13/53)، وأبو داود: (2/651)، والترمذي: (1/79)، والنسائي: (1/85)، وابن ماجه: (2/1413)، وأحمد: (1/25، 42). من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه)، فإنَّ وجهه ظاهر في أنَّ العمل لا يقع إلاَّ بالنية، وليس للعامل من عمله إلاَّ ما نواه، فمن نوى بالبيع عقد الربا تحقّق الربا، وصورة البيع لا تعصمه من حرمة الربا، هذا، فضلاً عن كون الأخذ بمبدأ سدّ الذرائع لا يخرج عن مراعاة المصلحة الملائمة في الجملة لمقاصد الشريعة، غير أنَّه لا يصحّ التوسّع فيه لئلاَّ يُفضي إلى المنع ممَّا هو حلالٌ، أو إلى حمل حال الناس على التهمة، قال أبو زهرة: «إنَّ الأخذ بالذرائع لا يصحّ المبالغة فيه، فإنَّ المغرق فيه قد يمتنع عن أمر مباح أو مندوب، أو واجب خشية الوقوع في الظلم»(١٣- «أصول الفقه» أبو زهرة: (275)) .

والخلاف في هذه المسألة معنويٌّ تترتّب عليه جُملة من الآثار الفقهية منها:

- في نكاح المريض مرض الموت: فمذهب مالك -في المشهور عنه- أنَّ النكاح غيرُ صحيح خلافًا للجمهور، عمدة مالك سدّ الذرائع، وذلك لكونه محلّ اتهام بقصد إضرار الورثة بإدخال وارث جديد زائد، فيمنع منه لئلاَّ يكون وسيلةً للتشفي من الورثة وإدخال الضرر عليهم، واحتجّ الجمهور بأنَّ الأصل جواز نكاحه؛ لأنَّه صدر من أهله وفي محله وبشرطه، وقاسوه على البيع والشراء من حيث الجواز، ودعم الشافعي استدلاله بقوله: بلغني أنَّ معاذ بن جبل رضي الله عنه قال في مرضه الذي مات فيه: «زَوِّجُونِي، لاَ أَلْقَى اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَنَا عَزْبٌ»(١٤- «الأم» للشافعي: (4/103))، وقول الصحابي إذا وافق القياس حُجّة عند الشافعي(١٥- انظر: «البحر المحيط» للزركشي: (6/56)، و«إرشاد الفحول» للشوكاني: (243))(١٦- انظر: مسألة نكاح المريض مرض الموت في: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/45)، «المغني» لابن قدامة: (6/150-392)).

- في شهادة الأصول والفروع: فمذهبُ مالكٍ والشافعيِّ وأبو حنيفةَ وأحمدَ -رحمهم الله- إلى ردّ شهادة الأب لابنه، وشهادة الابن لأبيه، وكذلك الأم لابنها، وابنها لها، وعمدة مالك سدّ الذريعة، لكون الأب متّهما في الشهادة لولده بالمحاباة والميل، ممَّا قد يحمله على شهادة بغير حقّ، فتردّ شهادته لموضع التهمة خلافًا لمن أجاز شهادة العدل مُطلقًا(١٧- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/452)، «المغني» لابن قدامة: (10/172)).

- في شهادة الزوجين: فمذهب مالكٍ وأبي حنيفةَ وظاهر مذهب أحمد عدم قَبول شهادة الزوج لزوجته ولا الزوجة لزوجها سدًّا للذريعة، وجهه أنّ كُلاًّ من الزوجين يصير بجر النفع إلى نفسه لاتصال الانتفاع بينهما، خلافًا لمن أجازها وهو مذهب الثوري وابن أبي ليلى(١٨- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/453)، «المغني» لابن قدامة: (10/174)).

- في قضاء القاضي بعلمه: فمذهب مالك وظاهر مذهب أحمد أنَّه ليس للقاضي أن يقضي بعلمه مُطلقًا، وإنما يقضي بالبينة والإقرار، ومن أدلة المانعين العمل بمبدإ سدّ الذريعة فإنَّ القاضي إذا قضى بعلمه لحقته تهمة المحاباة والميل، على أنَّه يمكن أن يكون قضاؤه بعلمه وسيلة للجور على أحد الخصمين، فيمنع ذلك سدًّا لذريعة التهمة والجور، خلافًا للشافعي ومن وافقه فإنه يجوز أن يقضي بعلمه إلاَّ في حدود الله، وهي ما عدا القذف والقصاص(١٩- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/458)، «المغني» لابن قدامة: (10/48)، «مغني المحتاج» للشربيني: (4/398)).

- في قضاء القاضي لمن يتهم فيه: فمذهب مالك وأبي حنيفة -رحمهم الله-: أنَّه لا يجوز قضاء القاضي لكلّ من لا تجوز له شهادته كأبويه وأولاده وزوجته، وعمدة القائلين بالمنع: الأخذ بسدّ الذرائع، لاتهام القاضي بمحاباته لهم، كما يتهم في شهادته لهم، ويمكن حالتئذ أن يكون قضاؤه وسيلة للجور على خصمه خلافًا لمن أجاز ذلك(٢٠- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/460)، «المغني» لابن قدامة: (10/94)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي: (3/639)).



فصل
[في الاستدلال بالعكس]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 319): «يَصِحُّ الاسْتِدْلاَلُ بِالعَكْسِ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الإسْفَرِايينِيُّ: "لا يَجُوزُ"، ثمّ استدلّ بالمعقول، وختم الفصل بقوله: "فَهَذَا اسْتِدْلاَلٌ صَحِيحٌ لأَنَّهُ لَوْ حَلَّتِ الحَيَاةُ الشَّعْرَ، وَجَازَ أَخْذُهُ مِنَ الحَيَوَانِ حَالَ الحَيَاةِ لاَنْتَقَضَتِ العِلَّةُ"».



[م] يعبّر عنه الأصوليون بقياس العكس وهو: «إثباتُ نقيضِ حُكْمِ الأصلِ في الفَرْعِ لافتراقهما في العلة»(٢١- «مفتاح الوصول» للتلمساني: (731))، أو هو: «ما يستدلّ على نقيض المطلوب، ثمَّ يبطل فيصحّ المطلوب»(٢٢- «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/400)، وعرفه المحليُّ على جمع الجوامع: [2/342] بقوله: «هو إثبات عكس حكم شيء لمثله لتعاكسهما في العلة»، وله تعريفات أخرى متقاربة، انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (319))، ومثاله: كالدلالة على طهارة دم السمك بأكله به؛ لأنه لو كان نجسًا لما أكل به الحيوانات النجسة الدم، ومثاله –أيضًا- كاستدلال في قراءة السورة في الأخريين لو كانت سُنَّة فيهما لسنَّ الجهر بالقراءة فيهما، كالأُولَيَيْنِ لمن سنَّ ذلك فيهما سنَّ الجهر بالقراءة فيهما(٢٣- «المسودة» لآل تيمية: (425)، و«شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/219)). ومثاله –أيضًا- قولهم: لو كانت الزكاة تجب في إناث الخيل لوجبت في ذكوره، فالإبل والغنم لما وجبت الزكاة في إناثها كالحمير والبغال(٢٤- «شرح اللمع» للشيرازي: (2/819))، ومثاله –أيضًا-: احتجاج الحنفية على عدم وجوب القصاص على القاتل بالمثقَّل بقولهم: لما لم يجب القصاص من صغير المثقل لم يجب من كبيره عكسه المحدَّد: لما وجبت من صغيره وجب من كبيره(٢٥- «مفتاح الوصول» للتلمساني: (733))، وقد استدلّ به المالكية والحنابلة وهو المشهور عن الشافعية والحنفية، ومنعه طائفة من الأصوليين كابن الباقلاني وأبي الخطاب وغيرهم(٢٦- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (320)).

والصحيح جواز الاستدلال بقياس العكس نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾(٢٧- النساء: 82)، فإنه يستدلّ على حقيقة القرآن بإبطال نقيضه، وهو وجدان الاختلاف فيه، ولما ثبت في السُّنَّة فيما رواه مسلم من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم قال: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَ وَضَعَهَا فِي الحَلاَلِ كَان لَهُ أَجْرٌ»(٢٨- أخرجه مسلم: (7/91) في الزكاة، باب: بيان اسم الصدقة يقع على كلّ نوع من المعروف، من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

والمصنّف في مثاله احتجّ بالمعقول على جواز إثبات الأحكام بالاستدلال على الشيء بعكسه؛ لأنَّه في حقيقة الأمر استدلال بقياس المدلول على صحّته بالعكس، فإذا جاز الاستدلال بما يدلّ عليه الطرد، فَلأَن يجوز بما هو مدلول على صحّته بالطرد والعكس أولى.


فصل
[في دلالة الاقتران]



• قال الباجي –رحمه الله- في (ص 321): «لاَ يَجُوزُ الاِسْتِدْلاَلُ بِالقَرَائِنِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ نَصْرٍ: "يَجُوزُ ذَلِكَ"، وَبِهِ قَالَ المُزَنِيُّ»… "يتبع"



--------------------------------------------------------------------------------

١- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (3/135).
۲- «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (200)، «الفروق» للقرافي: (2/33).
٣- انظر: معنى الذرائع في: «الحدود» للباجي: (68)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (448)، «إعلام الموقعين» لابن القيم: (3/134)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (246).
٤- «الموافقات» للشاطبي: (4/199).
٥- الأنعام: 108.
٦- صورة بيع العينة: أن يبيع رجلٌ سلعةً بثمن (كمائة دينار) إلى أَجَلٍ معلومٍ كَشَهْرٍ، ثمَّ يبيع المشتري نفسَ السلعة إلى بائعها الأول في الحال بأقلّ من الثمن الذي باعها به (خمسون دينارًا مثلاً) وفي نهاية الأجل المحدّد لدفع الثمن في العقد الأول يدفع المشتري كامل الثمن، ويكون الفرق بين الثمنين لصاحب المتاع الذي باع بيعًا صوريًا، وللعلماء في تحريم هذه المعاملة وتجويزها قولان. [انظر هذه المسألة مفصّلة في مؤلفي «مختارات من نصوص حديثية في فقه المعاملات المالية»: (241)].
٧- انظر تفصيل المذاهب في هذه المسألة على المصادرالأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (315).
۸- انظر تفصيل ابن القيم –رحمه الله- لمبدإ الباعث والقصد في العقود في «إعلام الموقعين»: (3/95)، وما بعدها.
٩- تنبيه: الفرق بين مقدّمة الشيء والذريعة إليه، أنَّ الشيء يتوقّف على مقدمته، أي: أنَّ حصول المقصود متوقّف عليها، أمَّا الذريعة فهي وسيلة توصل إلى المقصود بالحكم، فالسفر مقدّمة الحج، والسعي مقدّمة صلاة الجمعة لا يتمّان إلاَّ بها، أي: يتوقّف الحجّ والجمعة على تلك المقدمة، وليس من باب المقدمة قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]؛ لأنَّ سبَّ المشركين ربّ العالمين لا يتوقّف حصوله على سبّ المؤمنين آلهة المشركين، ولكن سبّ المؤمنين أصنامهم ذريعة إلى سبِّ المشركين إله العالمين، ولا تلازم بين المقدمة والذريعة فقد تتحقّق مقدمة المفسدة مجرّدة عن الذريعة كالسفر للمعصية، وقد يجتمعان معًا في صورة واحدة كالزنى المفضي إلى اختلاط الأنساب، وكالخمر المفضي إلى زوال العقل، فكلا الصورتين تضمّنت مقدمة المفسدة وذريعة لها.
١٠- انظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني: (246).
١١- انظر: «الفروق» للقرافي: (2/32، 3/266)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (247).
١٢- أخرجه البخاري: (1/9)، ومسلم: (13/53)، وأبو داود: (2/651)، والترمذي: (1/79)، والنسائي: (1/85)، وابن ماجه: (2/1413)، وأحمد: (1/25، 42). من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
١٣- «أصول الفقه» أبو زهرة: (275).
١٤- «الأم» للشافعي: (4/103).
١٥- انظر: «البحر المحيط» للزركشي: (6/56)، و«إرشاد الفحول» للشوكاني: (243).
١٦- انظر: مسألة نكاح المريض مرض الموت في: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/45)، «المغني» لابن قدامة: (6/150-392).
١٧- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/452)، «المغني» لابن قدامة: (10/172).
١٨- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/453)، «المغني» لابن قدامة: (10/174).
١٩- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/458)، «المغني» لابن قدامة: (10/48)، «مغني المحتاج» للشربيني: (4/398).
٢٠- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد: (2/460)، «المغني» لابن قدامة: (10/94)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي: (3/639).
٢١- «مفتاح الوصول» للتلمساني: (731).
٢٢- «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/400)، وعرفه المحليُّ على جمع الجوامع: [2/342] بقوله: «هو إثبات عكس حكم شيء لمثله لتعاكسهما في العلة»، وله تعريفات أخرى متقاربة، انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (319).
٢٣- «المسودة» لآل تيمية: (425)، و«شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/219).
٢٤- «شرح اللمع» للشيرازي: (2/819).
٢٥- «مفتاح الوصول» للتلمساني: (733).
٢٦- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (320).
٢٧- النساء: 82.
٢٨- أخرجه مسلم: (7/91) في الزكاة، باب: بيان اسم الصدقة يقع على كلّ نوع من المعروف، من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-2009, 06:31 PM   #20
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"






فصل
[في دلالة الاقتران]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 321): «لاَ يَجُوزُ الاسْتِدْلاَلُ بِالقَرَائِنِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ نَصْرٍ: «يَجُوزُ ذَلِكَ»، وَبِهِ قَالَ المُزَنِيُّ».

[م] ويعبر عنه الأصوليون ﺑ: «دلالة الاقتران» مثل استدلال مالك -رحمه الله- على سقوط زكاة الخيل، بقوله تعالى: ﴿وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾(١- النحل: (8))، فَقَرَنَ بين الخيل والبغال والحمير، فإذا كان البغال والحمير لا زكاة فيها إجماعًا فكذلك الخيل، ومثله مسألة أكل لحوم الخيل.

وفي تحرير محلِّ الخلاف بين العلماء أنَّ دلالةَ الاقتران يحتجُّ بها بلا خِلاف فيما إذا كانت لدليل خارجيٍّ يدلُّ على الاقتران، وتكون الدلالة للدليل الخارجي لا للاقتران، ولا خلاف في المشاركة إذا كان المعطوف ناقصًا بأن لا يذكر خبره كقول القائل: فلانة طالق وفلانة، وكذلك عطف المفردات إذا كان مشاركة بينها في العلة، فالتشارك في الحكم إنَّما كان بسبب العلة لا لأجل الاقتران(٢- «إرشاد الفحول» للشوكاني: (248)).

هذا، ودلالة الاقتران على مراتبَ متفاوتةٍ قُوةً وضعفًا، فإن جمع بين المقترنَيْن لفظ اشتراكَا في إطلاقه، وافترقَا في تفصيله ظهرت عندئذ قوَّتها، وذلك مثل قوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: «ثَلاَثٌ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ: الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَيَمَسُّ مِنْ طِيبٍ إِنْ وُجِدَ»(٣- أخرجه أحمد في مسنده: (4/34، 5/363)، وابن أبي شيبة في «المصنف»: (1/434 (4997))، عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، والحديث صحَّحه الألباني في «السلسة الصحيحة»: (4/405 (1796))، وفي «صحيح الجامع»: (3/62 (3025)))، ولما كان السواك والتطيّب غير واجبين كان الغسل غير واجب أيضًا لاشتراك الألفاظ الثلاثة في إطلاق لفظ الحقّ عليه، ما لم يرد دليل يقضي بحكمٍ مغايِرٍ، أمَّا إذا تعدَّدت الجمل، واستقلَّ كُلُّ واحد منها بالحكم والسبب والغاية ظهر ضعفها، كقوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: «لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الماَءِ الدَّائِمِ، وَلاَ يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ»(٤- أخرجه أبو داود: (1/56 برقم:70) في كتاب الطهارة باب: البول في الماء الراكد، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح أبي داود»: (1/30)، وفي «صحيح الجامع»: (6/211) (برقم: 7471))،
فلا يلزم من تنجيسه بالبول تنجيسه بالاغتسال؛ لأنَّ الاقتران في النظم لا يستلزم الاقتران في الحكم عند جمهور الأصوليين؛ ولأنَّ الأصلَ في كُلِّ كلامٍ تامٍّ أن ينفرِدَ بحُكمه ولا يشاركه غيرُه مثل قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ﴾(٥- الفتح: (29))، فالجملة الثانية معطوفة على الأولى ولا تشاركها في الرِّسالة، فظهر أنَّ الاشتراك إنَّما يكون في المتعاطفات الناقصة التي تحتاج إلى ما تتمُّ به، فإذا تمَّت بنفسها فلا مشاركة(٦- راجع «المسودة» لآل تيمية: (140–141)، «بدائع الفوائد» لابن القيم: (4/183-184)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (248))كعطف جملة فلا اشتراك في المعنى نحو: أكرم زيدًا وامنع عمرًا(٧- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (ص: 321)).

وخالف أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وابن أبي هريرة من الشافعية وأكثر الحنابلة وبعضُ المالكية واحتجُّوا على جواز الاستدلال بالقرائن بقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ»(٨- أخرجه البخاري: (3/262)، ومسلم: (1/207)، وغيرها)، فدلَّ ذلك على أنَّ العطف يقتضي المشاركة نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾(٩- البقرة: (43))، كما استدلُّوا بقول ابن عباس رضي الله عنهما: «أنَّ العمرة قرينة في كتاب الله» لذلك حملها على الوجوب بدلالة الاقتران في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ﴾(١٠- البقرة: (196)).

وقد أجيب بأنَّ الصِّديق رضي الله عنه إنَّما قصد عدم التفريق بين ما جمع الله في الإيجاب بالأمر، وكذلك ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه أراد لوجوب العمرة لأنَّها قرينة الحجِّ في الأمر، والأمر يقتضي الوجوب فكان الاحتجاج في الحقيقة بظاهر الأمر لا بالاقتران(١١- «التبصرة» للشيرازي: (230)).

ومن آثار الخلاف في هذه المسألة ما يأتي:

- الاختلاف في حكم الزكاة في مال الصبي فمن احتجَّ بدلالة الاقتران من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾(١٢- البقرة: (43))، قال لا تجب على مال الصغير؛ لأنَّ العطف يقتضي المشاركة، ولأنه لو أريد دخوله في الزكاة لكان فيه عطف واجب على مندوب، لاتفاق كون الصلاة مندوبة، فدلَّ على عدم وجوب الزكاة في ماله، ومن لم يحتجَّ بدلالة الاقتران منع من ذلك(١٣- «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (3/260)).

- في الاختلاف في وجوب الأكل من الأضحية، فمن احتجَّ بدلالة الاقتران من قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ﴾(١٤- الحجّ: (28))، قال بوجوب الأكل منها؛ لأنَّه عطف على الإطعام، والإطعام واجب، ومن لم يحتجَّ به لم يحكم بوجوبه(١٥- «التمهيد» للإسنوي: (273)).

- في اختلاف حكم بيع العينة، فمن احتجَّ بدلالة الاقتران من قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاَّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ»(١٦- أخرجه أبو داود: (3/740) (رقم: 3462)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (5/316)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (1/15) (رقم: 11)، وفي «صحيح أبي داود»: (2/365))؛ لأنَّ اقتران بيع العينة بأخذ أذناب البقر والاشتغال بالزرع مع أنَّ هذه المذكورات غير محرَّمة فدلَّ ذلك على أنَّ بيع العينة ليس محرَّمًا، ومَن اعتبر أنَّ دلالة الاقتران ضعيفة لأنَّ الاقتران في النظم لا يستلزم الاقتران في الحكم، فلا اشتراك في المعنى وخاصَّة وأنَّه عطفت جملة على جملة(١٧- «نيل الأوطار» للشوكاني: (6/364)).



بـابٌ
حُكْمُ اسْتِصْحَابِ الحَالِ
[فِي اسْتِصْحَابِ حَالِ العَقْلِ]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص: 322): «...اسْتِصْحَابِ الحَالِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِصْحَابُ حَالِ العَقْلِ، وَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى فِي المَسْأَلَةِ أَحَدُ الخَصْمَيْنِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَادَّعَى الآخَرُ البَقَاءَ عَلىَ حُكْمِ العَقْلِ».

[م] الاستصحاب هو: «الاستدلالُ بعدم الدليل على نفي الحكم، أو بقاء ما هو ثابت بالدليل»(١٨- «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني: (172)).

أو هو: «استدامةُ إثباتِ ما كان ثابتًا أو نفي ما كان منفيًّا حتى يقوم دليل على تغيير الحالة»(١٩- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (1/339))، وقد جعل المصنِّف ضربين، تناول في أحدهما استصحاب حال العقل، ويعرف هذا الضرب عند الأصوليين باستصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية كبراءة الذِّمَّة من التكليف حتى يأتي دليلٌ شرعيٌ على تغيره، ويطلق عليه -أيضًا- البراءة الأصلية أو الإباحة العقلية، وقد مثَّل لها المصنِّف بوجوب الوتر، وأنه يحكم ببراءة الذِّمَّة من الواجبات قبل ورود الشرع حتى يقوم الدليل على شغلها بالتكليف أو بثبوت الحقّ، ومثاله –أيضًا-: أنَّ الدليل دلَّ على إيجاب خمس صلوات وهو قاصر على إيجاب الخمس، فبقيت السادسة غير واجبة للعلم بعدم الدليل على وجوبها، أي بقيت على العدم الأصلي، وإذا أوجب الشارع عبادةً على قادر، بقي العاجز على ما كان عليه لعدم الدليل، وإذا كان الأصلُ عدمُ انتقاض الوضوء بشيء يخرج من غير السبيلين، فيستصحب هذا الأصل حتى يثبت الدليل على خلافه، فإذا لم يثبت فيبقى الأصل عدم النقض، ذلك لأنَّ الله تعالى خلق الذمم غير مشغولة بشيء حتى يثبت شغلها بالدليل.

وهذا الضرب من الاستصحاب حُجة باتفاق الجمهور خلافًا للمعتزلة(٢٠- والمعتزلة يتَّفقون مع الجمهور في الفرع غير أنهم يخالفونهم في الأصل؛ لأنَّ مبنى مذهبهم التحسين والتقبيح العقليان، أي: أنَّ الحكم للعقل فيما أمكن أن يعرفه العقل ولا ينتقل عنه إلاَّ بدليل، وهو على تباين من مبنى مذهب الجمهور في أنَّ الأصل براءة الذِّمَّة لعدم الدليل، وهو الصحيح بلا شك؛ لأنَّه لا حكم للأشياء والأعيان قبل ورود الشرع، أما بعده فإنَّ الأشياء لا تخلو من حكم شرعي متمثِّل في نصٍّ خاصٍّ أو قياسٍ أو قاعدةٍ شرعيةٍ عامَّةٍ تندرج تحتها الفروعُ ولا تشذّ عنها. [«البرهان» للجويني: (2/1135)، «المعتمد» لأبي الحسين: (2/884)، «المستصفى» للغزالي: (1/127). «البحر المحيط» للزركشي: (6/21). «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/304)]) وبعض المالكية(٢١- بسم الله الرحمن الرحيم)، وحُجَّته على حقيقة العلم بعدم الدليل لا عدم الدليل، وهي طريقةٌ صحيحةٌ من الاستدلال كما قال المصنِّف.



[فِي اسْتِصْحَابِ حَالِ الإِجْمَاعِ]



• قال المصنِّف -رحمه الله- في (ص 323): «وَالثَّانِي: اسْتِصْحَابُ حَالِ الإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ مِثْلُ اسْتِدْلاَلِ دَاوُدَ عَلىَ أَنَّ أمَّ الوَلَدِ يَجُوزُ بَيْعُهَا، لأَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ الحَمْلِ، فَمَنْ ادَّعَى المَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الحَمْلِ، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ مِنَ الاِسْتِدْلاَلِ».

[م] والمراد به استصحابُ حكمٍ ثابتٍ بالإجماع في محلِّ النِّزاع بين أهل العلم، ومثَّل له المصنِّفُ بقول داود الظاهري وأتباعِه في جواز بيع أمِّ الولد، حيث إنَّ الإجماع منعقدٌ على جواز بيع الجارية قبل أن يستولدَها سيّدُها فتلدَ له ولدًا له، فيبقى هذا الإجماع مستمرًّا حكمه إلى ما بعد الحمل والولادة بمقتضى استصحاب الحال؛ لأنَّ الولادة لا تزيل الحكم المجمعَ عليه، والجمهور يمنعون الاستدلال بمجرّد الاستصحاب؛ لأنَّ انعقاد الإجماع إنما كان على صفةٍ وهي قبل أن يستولد الجارية سيدها، وهذه الصفة كانت قبل محلّ النِّزاع فلا يستلزم الإجماع على صفة أخرى، وهي ما بعد الحمل والولادة، لأنَّ شرط الاستصحاب بقاء الحال على الصفة التي كانت وقت الحكم، فإذا تغيّرت الصفةُ وهي مناط الحكم تغيّر موجب الحكم لزوال تلك الصفة، فيخضع الأمر لحكم آخر، لذلك عدَّها المصنِّف طريقةً غير صحيحة من الاستدلال.

ومثاله –أيضًا-: انعقاد الإجماع على صحّة صلاة المتيمّم الفاقد للماء، فإذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة بطل تيمُّمه فلا تصحُّ الصلاة به، لكن إذا لم يجد الماءَ وتيمَّم، ودخل في الصلاة، فهل يستصحب حكم الإجماع وهو صحّة الصلاة عند فقد الماء أم لا تصحّ صلاته لتغيّر الحال من فقد الماء إلى وجوده؟

وهذه المسألة ترجع إلى استصحاب حكم الإجماع في محلِّ الخلاف، وقد اختلف العلماء في صحَّته، فنفاه أكثر الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية، وأثبته الشافعي وبه قال المزني وأبو ثور والصيرفي، واختاره الآمدي وابن الحاجب وابن القيم وهو مذهب داود الظاهري(٢٢- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (323)) -كما تقدّم-.

وعمدة المثبتين لاستصحاب الإجماع في محلّ النِّزاع -مع اعترافهم بأنه لا إجماع في محلّ النِّزاع- فإنه لا يجب الانتقال عن حكم الأصل إلاَّ بدليلٍ ناقلٍ، وتبدل حال المحل المجمع على حكمه أوَّلاً كتبدل زمانه ومكانه وشخصه، وهذه الأوصاف لا تمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدل، حتى يقوم الدليل على أنَّ الوصف ناقل للحكم مثبتًا لضدِّه، كما جعل الدباغ ناقلاً لحكم نجاسة الجلد، فقبل الدباغ فالنجاسة باقية، فإنَّ هذا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع لأنَّه رفع بما ثبت من الحكم، أمَّا مجرّد النِّزاع فلا يقوى على رفع استصحاب حكم الإجماع إلاَّ أن يقوم الدليل على أنَّ ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلاً على نقل الحكم، وحينئذ يكون معارضًا في الدليل، لا قادحًا في الاستصحاب(٢٣- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (1/343)).

وقد أجاب المصنِّف على ذلك بقوله: «لأنَّ الإجماع لا يتناول موضع الخلاف» أي: لا إجماع مع الخلاف، لأنَّ الخلاف يضادّ الإجماع، فليس هناك ما يستصحب؛ لأنَّ الاستصحاب يكون لأمر ثابت فيستصحب ثبوته، أو منتفٍ فيستصحب نفيه، فلا يكون الإجماع حُجَّة في الموضوع الذي لا إجماع فيه(٢٤- المصدر السابق، «المستصفى» للغزالي: (1/128))، فضلاً عن ذلك فإنَّ هذا الضرب من استصحاب محلِّ الخلاف يؤدِّي إلى تكافؤ الأدلة، إذ كلّ من المتنازعين يصحُّ له أن يستصحب الإجماع في محلِّ النِّزاع على الوجه الذي يوافق مذهبه، فقد يستدلُّ أحدهما على صحَّة صلاته بالتيمُّم قبل رؤية الماء إجماعًا ويستصحب هذه الحالة إلى ما بعد رؤية الماء أثناء الصلاة، ثمّ يصحِّحها بهذا النوع من الاستصحاب، وقد يستدلُّ غيره على عدم صحّة صلاة المتيمِّم عند رؤية الماء قبل الصلاة إذا صَلَّى إجماعًا، ثمَّ يستصحب هذه الحالة إلى أثناء الصلاة، فيحكم على صلاته بالبطلان بنفس هذا النوع من الاستصحاب(٢٥- المصدر السابق: (1/341)، «روضة الناظر» لابن قدامة: (1/392)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/407))، ومن جهة أخرى، فقد استدلَّ المصنِّف على عدم حُجِّية هذا الاستصحاب بالقياس على «ألفاظ الشارع إذا تناولت موضعًا خاصًّا لم يصحَّ الاحتجاجُ بها في الموضع الذي لا تتناوله»، وقد يرد على هذا القياس أنَّ ألفاظ الشرع لا تخلو من حكمٍ شرعيٍّ فإذا ثبت بالدليل تناوله موضعًا خاصًّا فإنَّه يخرج من العموم ويبقى الباقي على عمومه.

ومن هنا يظهر أنَّ الخلاف بين أهل العلم معنويٌّ له آثاره المترتِّبة عليه، فمن رأى حُجِّيةَ استصحاب حكم الإجماع في محلِّ الخلاف قال بجواز بيع أُمِّ الولد بعد الحمل، كما قال بصحَّة صلاة المتيمِّم أثناء الصلاة بعد رؤية الماء خلافًا لمن لم يحتجَّ به، ونظير هذه المسألة اختلافهم فيما إذا شرع المتمتِّع بالصوم لعدم وجود الهدي، ثمَّ وجده، فهل يجب عليه الخروج من الصوم إلى الهدي، أو أنه يجزيه الصوم ولا يلزمه الهدي؟ مع إجماعهم على أنَّ المتمتِّع بالحجِّ يجب عليه الهدي إن قدر عليه، فإن لم يجده وجب عليه الصوم لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾(٢٦- البقرة: (196)).

ومذهب الأئمَّة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد على أنه إذا شرع في الصوم انتقل الواجب إليه من الهدي إلى الصوم، فإذا وجد الهدي لم يلزمه الخروج من الصوم، خلافًا لأبي حنيفة فإنَّه إذا وجد الهدي أثناء صوم الأيام الثلاثة أو بعدها قبل يوم النحر، وجب عليه الخروج من الصوم إلى الهدي(٢٧- بداية المجتهد لابن رشد: (1/356)، «المغني» لابن قدامة: (3/420)، «المجموع للنووي»: (7/186)، «فتح القدير» لابن الهمام: (2/207))، ولهذا الأصل آثار فقهية أخرى.

هذا، والمصنِّف قسَّم استصحاب الحال إلى ضربين، لكن علماء الأصول يضيفون أقسامًا غير ما أوردها المصنِّف، فمن ذلك:

- استصحابُ ما دلَّ العقلُ والشرعُ على ثبوته ودوامِه لوجود سببه: كدوام حل الزوجة بعد ثبوت عقد الزوجية، وكالملك عند جريان العقد، فإنه يثبت حتى يوجد ما يزيله، وكشغل الذِّمَّة بدفع الشيء المتلف وضمانه عند وجود سببه -وهو الإتلاف- فإنَّ هذه الذِّمَّة تبقى مشغولةً حتى يرد ما يزيله، وهذا النوع من الاستصحاب حُجَّة عند المالكية والشافعية والحنابلة مطلقًا ما لم يثبت معارض، وهو عند الأحناف حُجَّة في الدفع وإبداء العذر لا في الإثبات.

- استصحابُ الوصفِ المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه: كاستصحاب الطهارة إذا شكَّ في الحدث حتى يثبت الحدث، فالطهارة وصف مستصحب لإباحة الصلاة، وحياة المفقود تستمرُّ ثابتةً حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، والكفالة وصف شرعي يستمرُّ ثابتًا حتى يؤدِّيَ الدَّينَ أو يبرأَ منه، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- أنه لا خلاف بين هذا النوع والذي قبله، وإن تنازع الفقهاء في بعض أحكامه، لتجاذب المسألة أصلين متعارضين(٢٨- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (1/340)).

- استصحابُ العمومِ إلى أن يردَ دليلٌ مخصِّص، واستصحابُ النصِّ حتى يردَ النسخُ: وهذا القسم أيضًا محلُّ اتفاق العلماء على وجوب العمل به.

- استصحابُ الحكمِ العقليّ عند المعتزلة، فإنَّ العقل يحكم عندهم في بعض الأشياء إلى أن يرد الدليل السمعي، وقد أجمع أهلُ السُّنَّة على إبطاله، لأنه لا حكم للعقل في الشرعيات(٢٩- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (323)).

وتجدر الملاحظة أنَّ الاستصحابَ لا يُعتمد عليه إلاَّ بعد انتفاء الأدلة الشرعية الصالحة للاحتجاج من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس وغيرها، فهو آخر ما تدور عليه الفتوى لكونه أضعف الأدلة(٣٠- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (13/112))، كما لا يجوز من جهة أخرى تحميل الاستصحاب أكثر ما يستحقُّه؛ لأنَّ غالب نفاة القياس ممَّن توسَّعوا في الاستصحاب فهموا من النصِّ حكمًا أثبتوه مع نفيهم لما يتضمَّنه من إشارة أو إيماء وإلحاق، فعملوا بموجب الاستصحاب لعدم علمهم بالناقل وتوسَّعوا في العمل به على حساب وجود النص(٣١- المصدر السابق: (23/16)، «إعلام الموقعين» لابن القيم: (1/327)).



فصـلٌ
[فِي حُكْمِ الأَشْيَاءِ المُنْتَفَعِ بِهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص: 325): « ...فَلَيْسَ فِي العَقْلِ حَظْرٌ وَلاَ إِبَاحَةٌ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتِ الإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ باِلشَّرْعِ، وَالبَارِي تَعَالىَ يُحَلِّلُ مَا يَشَاءُ وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، هَذَا قَوْلُ جَمْهُورِ أَصْحَابِناَ».

[م] لا خلاف بين أهل العلم في أنَّ الحاكم الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويكشف عنها بعد البعثة وبلوغ الدعوة إنما هو الشرع الذي جاء به النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، فالأصلُ -إذن- في الأشياء بعد مجيءِ الرسل وورود الشرع على الإباحة وهي إباحة شرعية، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾(٣٢- البقرة: (29))، وقوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: «...وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»(٣٣- أخرجه أبو داود في «الأطعمة»: (3/157) (برقم: 3800) موقوفًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصحّحه الحاكم في «المستدرك»: (4/115). ووافقه الذهبي، كما صحَّح إسنادَه الألباني في «صحيح أبي داود» (برقم: 3800))، فيكون الأصل في الأشياء والمنافع والمكاسب والعادات العفو فلا يحظر منها إلاَّ ما حرَّمهُ الله تعالى وإلاَّ دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً﴾(٣٤- يونس: (59)).

أمَّا العباداتُ فالأصلُ فيها التوقيف فلا يشرع منها إلاَّ ما شرعه وإلاَّ دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾(٣٥- الشورى: (21))(٣٦- «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي: (1/217)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (21/ 539، 540)).

أمَّا قبل ورود الشرع فلا تحريمَ ولا تحليلَ ولا شرعَ فالواجب التوقّف؛ لأنَّ العقل لا مدخل له في الحظر والإباحة(٣٧- «روضة الناظر» لابن قدامة: (1/119))، وهو مذهب جمهور العلماء خلافًا للمعتزلة القائلين بأنَّ كلَّ شيء ثابت بالشرع ثابت قبله بالعقل، وإنَّما جاء الشرع مقرّرًا ومؤكّدًا لحكم العقل، وهذا الأصلُ مبنيٌّ على مذهبهم في التحسين والتقبيح العقليين، ولا شكَّ في بُطلان هذا المذهب لما فيه من ترتيب حكم الشرع على حكم العقل من جهة(٣٨- فعند أهل السُّنَّة أنَّ حكم الأشياء وردت ابتداء بالشرع منه لا تبعًا للعقل، فالعقل تابع للشرع لا متبوع)، ولأنَّ ما عرف حسنه وقبحه عن طريق العقل والفطرة لا يترتب عليه مدحٌ ولا ذمٌّ ولا ثوابٌ ولا عقابٌ ما لم يرد حكمه بالشرع من جهة أخرى؛ لأنَّ الدليل الشرعي أثبت ذلك على من قامت عليه الحُجة بالرسل والكتب، وعليه فلا يجوز إعطاء ما بعد الشرع حكم ما قبل الشرع(٣٩- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (21/539)).


• وقال الباجي -رحمه الله- عن المخالفين من المالكية للجمهور: «قَالَ أَبُو بَكْرٍ الأَبْهَرِيُّ: «الأَشْيَاءُ فِي الأَصْلِ عَلىَ الحَظْرِ»، وَقَالَ أَبُو الفَرَجِ المَالِكِيُّ: «الأَشْيَاءُ فِي الأَصْلِ عَلَى الإِبَاحَةِ».

[م] ما ذهب إليه أبو بكر الأبهري وأبو الفرج الليثي المالكيان في القول بالحظر والإباحة وإن وافقوا المعتزلة في النتيجة والحكم إلاَّ أنهم يخالفونهم في المبنى والأصل، إذ أنهم لم يحكِّموا العقل فيما يمكن أن يعرفه حسنًا أو قبحًا، وإنما استدلّ كلُّ واحدٍ منهما بالنصوص الشرعية القاضية بالمنع والحظر، أو بالإباحة والجواز.

فأبو بكر الأبهري استدلَّ بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾(٤٠- المائدة: (4))، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾(٤١- المائدة: (1))، وغيرها من النصوص الشرعية الدالة على أنَّ الأشياء قبل ورود الشرع على الحظر، بينما استدلَّ أبو الفرج المالكي بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾(٤٢- البقرة: (29))، وقوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(٤٣- طه: (50)) وغيرها من النصوص الشرعية الدالة على أنَّ الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة(٤٤- شرح تنقيح الفصول للقرافي: 447).

هذا، وقد اعتبر بعضُ العلماء عقد هذه المسألة في كتب الأصول حشوًا لا فائدة منها، لأنَّ مجيء الشرع كاف لمعرفة حكم هذه الأشياء، علمًا أنَّ وقوعَ هذه المسألة ممتنعٌ، لأنَّ الأرض لم تخلُ من نبيٍّ مرسل لقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾(٤٥- فاطر : 24)، ولكن يمكن سحب الحكم ما قبل ورود الشرع على من جهل الحكم وهو بعيد عن مجال وصول التبليغ كمن ولد في جزيرة أو نشأ في برية(٤٦- مجموع الفتاوى لابن تيمية: 21/539).



فصـلٌ
[ فِي صِحَّةِ لُزُومِ الدَّلِيلِ عَلىَ نَافِي الحُكْمِ ]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 326): «مَنِ ادَّعَى نَفْيَ حُكْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلىَ مَنْ أَثْبَتَهُ، …«يتبع».



--------------------------------------------------------------------------------

١- النحل: (8).
۲- «إرشاد الفحول» للشوكاني: (248).
٣- أخرجه أحمد في مسنده: (4/34، 5/363)، وابن أبي شيبة في «المصنف»: (1/434 (4997))، عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، والحديث صحَّحه الألباني في «السلسة الصحيحة»: (4/405 (1796))، وفي «صحيح الجامع»: (3/62 (3025)).
٤- أخرجه أبو داود: (1/56 برقم:70) في كتاب الطهارة باب: البول في الماء الراكد، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح أبي داود»: (1/30)، وفي «صحيح الجامع»: (6/211) (برقم: 7471).
٥- الفتح: (29).
٦- راجع «المسودة» لآل تيمية: (140–141)، «بدائع الفوائد» لابن القيم: (4/183-184)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (248).
٧- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (ص: 321).
۸- أخرجه البخاري: (3/262)، ومسلم: (1/207)، وغيرها.
٩- البقرة: (43).
١٠- البقرة: (196).
١١- «التبصرة» للشيرازي: (230).
١٢- البقرة: (43).
١٣- «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (3/260).
١٤- الحجّ: (28).
١٥- «التمهيد» للإسنوي: (273).
١٦- أخرجه أبو داود: (3/740) (رقم: 3462)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (5/316)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (1/15) (رقم: 11)، وفي «صحيح أبي داود»: (2/365).
١٧- «نيل الأوطار» للشوكاني: (6/364).
١٨- «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني: (172).
١٩- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (1/339).
٢٠- والمعتزلة يتَّفقون مع الجمهور في الفرع غير أنهم يخالفونهم في الأصل؛ لأنَّ مبنى مذهبهم التحسين والتقبيح العقليان، أي: أنَّ الحكم للعقل فيما أمكن أن يعرفه العقل ولا ينتقل عنه إلاَّ بدليل، وهو على تباين من مبنى مذهب الجمهور في أنَّ الأصل براءة الذِّمَّة لعدم الدليل، وهو الصحيح بلا شك؛ لأنَّه لا حكم للأشياء والأعيان قبل ورود الشرع، أما بعده فإنَّ الأشياء لا تخلو من حكم شرعي متمثِّل في نصٍّ خاصٍّ أو قياسٍ أو قاعدةٍ شرعيةٍ عامَّةٍ تندرج تحتها الفروعُ ولا تشذّ عنها. [«البرهان» للجويني: (2/1135)، «المعتمد» لأبي الحسين: (2/884)، «المستصفى» للغزالي: (1/127). «البحر المحيط» للزركشي: (6/21). «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/304)].
٢١- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (323).
٢٢- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» ص: (325).
٢٣- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (1/343).
٢٤- المصدر السابق، «المستصفى» للغزالي: (1/128).
٢٥- المصدر السابق: (1/341)، «روضة الناظر» لابن قدامة: (1/392)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/407).
٢٦- البقرة: (196).
٢٧- بداية المجتهد لابن رشد: (1/356)، «المغني» لابن قدامة: (3/420)، «المجموع للنووي»: (7/186)، «فتح القدير» لابن الهمام: (2/207).
٢٨- «إعلام الموقعين» لابن القيم: (1/340).
٢٩- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (323).
٣٠- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (13/112).
٣١- المصدر السابق: (23/16)، «إعلام الموقعين» لابن القيم: (1/327).
٣٢- البقرة: (29).
٣٣- أخرجه أبو داود في «الأطعمة»: (3/157) (برقم: 3800) موقوفًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصحّحه الحاكم في «المستدرك»: (4/115). ووافقه الذهبي، كما صحَّح إسنادَه الألباني في «صحيح أبي داود» (برقم: 3800).
ورواه مرفوعًا الترمذي في «اللباس»: (4/220) (برقم: 1726)، وابن ماجه في «الأطعمة»: (2/1117) (برقم: 3367)، من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلاَّ من هذا الوجه، ثمّ قال: وكأنَّ الحديث الموقوف أصحّ، وهذا الحديث حسّنه الألباني في «صحيح الترمذي» (برقم: 1726) وفي «صحيح ابن ماجه» (برقم: 3366).
٣٤- يونس: (59).
٣٥- الشورى: (21).
٣٦- «الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي: (1/217)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (21/ 539، 540).
٣٧- «روضة الناظر» لابن قدامة: (1/119).
٣٨- فعند أهل السُّنَّة أنَّ حكم الأشياء وردت ابتداء بالشرع منه لا تبعًا للعقل، فالعقل تابع للشرع لا متبوع.
٣٩- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (21/539).
٤٠- المائدة: (4).
٤١- المائدة: (1).
٤٢- البقرة: (29).
٤٣- طه: (50).
٤٤- شرح تنقيح الفصول للقرافي: 447.
٤٥- فاطر : 24.
٤٦- مجموع الفتاوى لابن تيمية: 21/539.
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-02-2009, 11:56 PM   #21
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"






فصلٌ
[ فِي صِحَّةِ لُزُومِ الدَّلِيلِ عَلىَ نَافِي الحُكْمِ]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 326): «مَنِ ادَّعَى نَفْيَ حُكْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، كَمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلىَ مَنْ أَثْبَتَهُ، وَقَالَ دَاوُدُ:"لاَ دَلِيلَ عَلىَ النَّافِي"».

[م] هذه المسألةُ لها علاقةٌ بموضوع الاستصحاب، وهي أنه إذا نفى بعضُ المجتهدين حُكْمًا مِنَ الأحكام، فهل يكفيه التمسّك بأصل النفي في عدم ثبوت الحكم عنده، أم يطالب بإقامة الدليل كما يطالب المثبت للحكم؟

ففي تحرير محلِّ النِّزاع لا يختلفُ العلماء في أنَّ المثبِت للحكم يلزمه الدليل، كما أنَّ النافي للحكم إن كان نفيه مستلزمًا لإثبات ضدِّ المنفي كمن نفى الإباحةَ فإنه يطالب بالدليل اتفاقًا، وإنما الخلافُ في النافي للحكم إذا كان نفيه لا يستلزم ثبوتًا وهو: النفي المجرّد كنفي عبادة في الشرعيات، أو صحة عقد من العقود، أو نفي شيء من الأشياء في العقليات، فهل يلزمه إقامة الدليل؟

فالذي ارتضاه المصنِّفُ هو ما عليه جمهور الفقهاء والمتكلمين من أنَّه يلزمه إقامةُ الدليل مُطلقًا، خلافًا لمن قال أنه لا يطالب بالدليل ولا يلزمه، وهو مذهب بعضِ الشافعية وداود بن علي، ومن تبعه من أهل الظاهر إلاَّ أنَّ ابن حزم وافق الجمهور في هذه المسألة(١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (326))، وفصَّل آخرون فيها مع اختلافهم في وجوه التفصيل(٢- من وجوه التفصيل ما ذهب إليه بعضُ الشافعية أنَّ الحكم إن كان عقليًّا يلزم النافي له الدليل، و لا يلزمه إن كان شرعيًّا وهو محكي عن الباقلاني وابن فورك وغيرهما، وهذا التفصيل بين العقليات والشرعيات يحتاج إلى دليل التفريق، وذهب آخرون إلى نفي الحكم إن ثبت بالضرورة، فلا يطالب بالدليل؛ لأنَّ الضرورة دليل، أمَّا إن ثبت بالظنّ أو بالعلم النظري وجب عليه الدليل، كما يجب على من أثبته لأنَّه محلّ شبهة بخلاف الضروري فتنتفي فيه الشبهة، ولا يخفى أنَّ الضروري خارج عن محلِّ النِّزاع باعتبار أنَّ الضرروة دليل، أمَّا العلم النظري فلا يخرج عن مذهب القائلين بلزوم الدليل عليه فلا وجه للتفصيل).

• وفي الاحتجاج على مذهب الجمهور يقول الباجي -رحمه الله- في نفس الصفحة السابقة: «وَالدَّلِيلُ عَلىَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالىَ: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(٣- البقرة: (111)).

[م] ووجه الاستدلال بالآية التي احتجّ بها المصنِّف: أنَّ الله تعالى -وهو أحكم الحاكمين- طالب اليهود والنصارى بالدليل على دعوى نفي دخول الجنة إلاَّ من كان هودًا أو نصارى، ولما كانت دعواهم دعوى نفي فإنَّها تفيد لزوم الدليل على نافي الحكم.

والصواب أنَّ الاستدلال بالآية على هذا الحكم لا يصحُّ؛ لأنَّ الله تعالى لم يطالبهم بدليل النفي المجرّد، بل ادَّعوا دعوى مضمونها دخولهم هم الجنّة، وأنَّ غيرهم لن يدخلها، وطولبوا بالدليل على هذه الدعوى المركبة من النفي والإثبات، وصاحب هذه الدعوى يلزمه الدليل باتفاق الناس، وإنما الخلاف في النفي المجرّد، كما أفصح عن ذلك ابن القيم -رحمه الله- وحقَّق هذه المسألة بقوله:

«إنَّ النفي نوعان:

• نوعٌ مُستلزِمٌ لإثبات ضِدِّ المنفي، فهذا يلزم النافي فيه الدليل، كمن نفى الإباحة فإنه يطالب بالدليل قطعًا؛ لأنَّ نفيها يستلزم ثبوت ضِدّ من أضدادها، ولا بدّ من دليل، وكذلك نفي التعذيب بالنار بعد الأيام المعدودة(٤- وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80]) يستلزم دخول الجنّة والفوز بالنعيم ولا بد من دليل.

• النوع الثاني: نفي لا يستلزم ثبوتًا كنفي صِحَّة عقدٍ من العقود، أو شرطٍ، أو عبادةٍ في الشرعيات، ونفي إمكان شيء ما من الأشياء في العقليات؛ فالنافي إن نفى العلم به، لم يلزمه الدليل، وإن نفى المعلوم نفسه، وادّعى أنه منتف في نفس الأمر فلا بد له من دليل»(٥- «بدائع الفوائد» لابن القيم: (4/151-152)).

والظاهر أنَّ نفيَ المعلومِ في نفس الأمر هو دعوى منفية الحكم نفيًا مجرَّدًا، والدعاوى لا تثبت إلاَّ بدليل، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم: «البَيِّنَةُ عَلىَ مَنِ ادَّعَى»(٦- أخرجه البيهقي في: «السنن الكبرى»: (10/252)، وأصله في الصحيحين بلفظ: «اليمين على المدعى عليه» أخرجه البخاري: (8/213)، ومسلم: (12/2)، والبغوي في: «شرح السنة»: (10/101) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه قصة)، وعليه فلا فرقَ في وجوب إقامة الدليل على الدعوى سواء على المثبت أو النافي، إذ لو سقط الدليل على النافي لأمكن للمثبت أن يعبر عن مذهبه بلفظة «غير قادر» بدلاً من لفظة «عاجز» ليتخلَّص بأسلوب النفي من الدليل، الأمر الذي يُفضي إلى إسقاط الدليل على المثبت والنافي جميعًا، ولا شكَّ في بطلان هذه النتيجة فتبطل وسيلتها المفضية إليها جريًا على قاعدة: «مَا أَدَّى إِلَى بَاطِلٍ فَهُوَ بَاطِلٍ»، لذلك يلزم النافي للحكم الدليل سَدًّا للذريعة.

هذا، ولا يعلم انعكاس هذا الخلاف وتأثيره على الفروع الفقهية، لذلك كان الخلاف لفظيًا، يُحتاج إليه في تقعيد المناظرات العلمية.



فصلٌ
[فِي صِفَةِ المُجْتَهِدِ]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 327): «صِفَةُ المُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَوْضِعِ الأَدِلَّةِ، مَوَاضِعِهَا مِنْ جِهَةِ العَقْلِ، وَيَكُونَ عَارِفًا بِطَرِيقِ الإِيجَابِ وَبِطَرِيقِ المُوَاضَعَةِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، وَيَكُونَ عَالِمًا بِأُصُولِ الدِّيَانَاتِ وَأُصُولِ الفِقْهِ».

[م] من صفة المجتهد أن يعرف أنَّ الأدلةَ من حيث ترتيبُها في القوَّة والحُجِّية، كما يعرف كيفيةَ استثمار الأحكام من أصولها، وهي على ضربين: متفق عليها، ومختلف فيها، فالأدلة المعتبرة شرعًا التي اتفق عليها أهل السُّنَّة أربعة: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقياس من حيث الجملة، وأنَّ هذه الأدلة الأربعة متفقة لا تختلف، إذ يصدق بعضُها بعضًا، ويوافق بعضُها البعضَ الآخر، لأنَّ الجميع حقٌّ، والحقُّ لا يتناقض، وهي من جهة أخرى متلازمة لا تفترق؛ لأنَّ جميع الأدلة سواء المتفق عليها أو المختلف فيها ترجع إلى أصل الكتاب إذ هو عمدةُ الشريعة، وأصلُ أدلَّتِها، وأصلُ مصادر التشريع وأهمِّها، ويستدلُّ على حُجِّية الأدلة به، فالسُّنة بيانه، والإجماعُ لا يكون إلاَّ عن دليلٍ منه أو من السُّنَّة، والقياسُ لا يكون إلاَّ على أصلٍ ثبت حُكمُه بالنصِّ والإجماع، فجميعُها راجعةٌ إليه، إمَّا في البيان والتوضيح، وإمَّا لاعتبارها حُجَّةً ومصدرًا لدلالة القرآن عليها(٧- «الفتح المأمول» للمؤلف: (72)).

وأن يكون مُحيطًا بشروط ذلك من تقديم ما يجب تقديمه، وتأخيرِ ما يجب تأخيره. عارفًا بدلالة الألفاظ على المعاني، ونسبة إيقاع اللفظ للمعنى وتعيّنه له من جهة الوضع اللغوي أو الشرعي بحيث يظهر تمكّنه من معرفة وجوه دلالات الألفاظ على المعاني من جهة منطوقها، ومنظومها، وفحواها، ومفهومها، ومعناها، ومعقولها(٨- «لباب المحصول» لابن رشيق: (2/711)).

ولا يُشترط في المجتهد أن يكون عالِمًا بأصول الدِّيانات ولا معرفة العقائد على طريقة المتكلمين بأدلتهم التي يحرّرونها(٩- انظر: «المستصفى» للغزالي: (2/352))، ولكن يُشترط أن يكون عالما بمعرفة الله تعالى، بصفاته الواجبة، وما يجوز عليه سبحانه وما يمتنع عليه، ومعرفة نبيه صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم وأنه معصوم عن الخطأ في شرعه، وأنَّ إجماع الأُمَّة معصومٌ ولا يشترط العلم بدقائقه(١٠- «الإحكام» للآمدي: (3/204)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/464)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (252))؛ لأنَّ المجتهَدَ فيه هو الحُكم الشرعيُّ العمليُّ ليس فيه دليل قاطِعٌ، فاحترز بالشرعي عن العقليات ومسائلِ الكلام، وبما ليس فيه دليل قاطع عن وجوب الصلوات الخمس والزكاة وما اتفقت عليه الأمة من جَليات الشرع(١١- «إرشاد الفحول» للشوكاني: (252)).

كما لا يشترط في المجتهد معرفته بتفاريع الفقه لأنها ثمرة الاجتهاد، ولا يكون إلا بعد بلوغ المجتهد مرتبة الاجتهاد حيث يولدها ويتصرّف فيها، والشيء لا يتوقّف على ثمرته، وإلاَّ للزم الدور(١٢- «المستصفى» للغزالي: (2/353)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (252)).

ولا يُشترط -أيضًا- معرفته بأصول الفرائض ولا علم الحساب ولا بالدليل العقلي ونحو ذلك من العلوم غير الضرورية فليست شرطًا في الاجتهاد في الأحكام، ولكنَّها صفة كمال، بخلاف علم أصول الفقه فإنه يشترط في المجتهد معرفته به؛ لأنه الآلة التي يتوصَّل بها للاجتهاد فهو عماده، وأساسه الذي يقوم عليه أركان بنائه، وقد ذكر أبو حامد الغزالي –رحمه الله- أنّ أعظم علوم الاجتهاد يشتمل على ثلاثة فنون: علم الحديث، وعلم اللغة، وعلم الأصول(١٣- «المستصفى» للغزالي: (2/353)، انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (328-329))، ولا يكفي معرفة مسائل الأصول المقرّرة عند الأئمّة، بل يلزمه إدراكها بنفسه كما أدركها الأئمّة قبل تدوين علم الأصول، حتى يتسنى له ردّ الفروع إلى أصولها بأيسر طريق وأقصر عمل.

والمصنِّف -رحمه الله- عطف على شرط المعرفة بأصول الفقه بعض تفاصيل هذا الفنِّ بأن يكون «عَالِمًا بِأَحْكَامِ الخِطَابِ: مِنَ العُمُومِ، وَالأَوَامِرِ، وَالنَّوَاهِي، وَالمُفَسَّرِ، والمُجْمَل، والنَّص، والنّسخ، وحقيقة الإجماع» فينبغي عليه أن يعرف أقسامَ القواعدِ الأصوليةِ وشروط كلّ دليل، وترتيبها، وفك التعارض بينها.



• ثمَّ قال المصنِّف -رحمه الله- بعدها في (ص 328): «عَالِمًا بِأَحْكَامِ الكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالآثَارِ، وَالأَخْبَارِ وَطُرُقِهَا، وَالتَّمْييزِ بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا».

[م] المجتهدُ إذا أراد الاستدلالَ على حكم حادثةٍ بآيةٍ أو حديثٍ فلا بدَّ أن يعرف جملةً من المسائل منها: سبب النُّزول، وكونها منسوخة أو لا؟
وأقوال الصحابة والتابعين من بعدهم، ومعرفة سند الحديث وطريق وصوله إلينا، ومعرفة الصحيح من الأحاديث من سقيمها، وتفاسير العلماء وشروحهم، ومعرفة شروح علماء اللغة لها، ومعرفة نوع دلالتها على الحكم بالمفهوم أو المنطوق ونوع كلّ واحد منها.

ولا يشترط حفظ القرآن الكريم ولا آيات وأحاديث الأحكام، بل يكفيه أن يعرف مواضع الأدلة حتى يتسنَّى له الرجوع إليها في وقت الحاجة كآيات وأحاديث الرضاع والنكاح والطلاق والأطعمة وغيرها، على أن يتِمَّ معرفة الآيات والأحاديث لغة بمعرفة معاني المفردات والمركبات وخواصِّها في إفادة المعنى، ومعرفتها شرعًا بأن يعرف العِلَلَ والمعاني المؤثرة في الأحكام، وأوجه دلالة اللفظ على المعنى.



• ويستتبع المصنِّف -رحمه الله- بشروط أخرى للمجتهد، وذلك بأن يكون «عَالِمًا بِأَقْوَالِ الفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَبِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، عَالِمًا مِنَ النَّحْوِ وَالعَرَبِيَّةِ مَا يُفْهَمُ بِهِ مَعَانِيَ كَلاَمِ العَرَبِ، وَيَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مَأْمُونًا فِي دِينِهِ، مَوْثُوقًا بِهِ فِي فَضْلِهِ».

[م] وشرط ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه إنما اشترط لئلاَّ يقع اجتهاده في مسألة أجمع العلماء على حُكمها، فينبغي عليه في كلِّ مسألة التي يُفتي فيها أن يعلم أنّ فتواه غيرَ مخالفةٍ للإجماع تجنُّبًا للشذوذ والفُرقة، ولا يُشترط له أن يحفظ مواضع الإجماع والخلاف، ويكفيه العلم بموافقة مذهب من مذاهب العلماء، أو غلب على ظنِّه أنَّ هذه الحادثة وقعت في عصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض(١٤- انظر المصادر الأصولية المثبتة على «هامش الإشارة»: (328-329))، وله أن يعتمد على كتاب «الإجماع« لابن المنذر -رحمه الله-، و«مراتب الإجماع» لابن حزم -رحمه الله-.

أمَّا المسائل المختلف فيها، فالواجب على المجتهد أن يعرف كلَّ مسألةٍ وأدلةِ المختلفين فيها، ويمكن أن يستعين بكتب علم الخلاف ﻛ «المحلى» لابن حزم، و«بداية المجتهد» لابن رُشد، و«المغني» لابن قُدامة، و«الذخيرة» للقَرَافي، و«المجموع» للنووي، و«المبسوط» للسرخسي وغيرها.

وأن تكون معرفته باللغة العربية وقواعدها في كلّ ما يتوقّف عليه فهم الألفاظ بقصد فهم الكتاب والسُّنَّة لورودهما بلغة العرب، ولا يُشترط معرفة دقائق اللغة، ولا التعمُّق في النحو والبلاغة والبديع ونحو ذلك، وإنما يكفي معرفةُ القَدْرِ الذي يفهم منه خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال، بحيث يستطيع التفريق بين النصِّ الصريح والظاهر والمجمَل، والعامّ والخاصّ، والمحكَم والمتشابه، والمطلَق والمقيّد، ليتمكَّن من فهم الأحكام الشرعية من تلك الألفاظ بلغة العرب على أن يكون على دراية باللفظ والمراد منه، سواء أريد باللفظ المعنى اللغوي له، أو الشرعي، أو العرفي بقرائن السياق والسباق والقرائن الخارجية والعقلية وغيرها.

ويمكنه أن يرجع في تفسير ما ورد في الكتاب والسُّنَّة من غريب الألفاظ إلى الأئمَّة المشتغلين بذلك مثل: كتاب «مفردات القرآن» للراغب الأصفهاني، و«تفسير غريب القرآن» لابن قتيبة، و«النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، و«الفائق في غريب الحديث» للزمخشري.

أمّا قول المصنِّف: «وَيَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مَأْمُونًا فِي دِينِهِ، مَوْثُوقًا بِهِ فِي فَضْلِهِ» فإنه يتعلَّق بعدالة المجتهِد بحيث يكون متجنِّبًا للمعاصي القادحة في العدالة، وهو شرط في جواز الاعتماد على فتواه؛ لأنَّ من ليس عدلاً لا تُقبَل فتواه بالنسبة للآخرين، أمَّا في خصوص نفسِه فيجب أن يعمل باجتهاده إذا توفَّرت فيه الشروطُ وإن لم يكن عدلاً.

هذا، ويضيف العلماءُ شرطًا مؤكَّدًا متمثِّلاً في معرفة المجتهِد بمقاصد الشريعة العامَّة في وضع الأحكام؛ ذلك لأنَّ استنباطَ الحكم الشرعي من دليله ينبغي أن يكون وَفْقًا لمعارف المجتهد بأسرار الشريعة ومراميها وأبعادها، خبيرًا بمصالح الناس، بجلبِ النفعِ لهم ودفعِ الضُّرِّ عنهم، مُطلعًا على أحوالهم وعاداتهم وأعرافهم، ولأهمية هذا الشرط جعله أبو إسحاق الشاطبي -رحمه الله- عنصرًا أساسيًّا لتحصيل درجة الاجتهاد حيث يقول: «إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:

أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.

والثاني: التمكّن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها»(١٥- «الموافقات» للشاطبي: (4/105-106)).

بَابُ
أَحْكَامِ التَّرْجِيحِ

فالترجيحُ بابُه واسعٌ لا يمكن الإحاطةُ به سعةً...(يتبع)


--------------------------------------------------------------------------------
١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (326).
٢- من وجوه التفصيل ما ذهب إليه بعضُ الشافعية أنَّ الحكم إن كان عقليًّا يلزم النافي له الدليل، و لا يلزمه إن كان شرعيًّا وهو محكي عن الباقلاني وابن فورك وغيرهما، وهذا التفصيل بين العقليات والشرعيات يحتاج إلى دليل التفريق، وذهب آخرون إلى نفي الحكم إن ثبت بالضرورة، فلا يطالب بالدليل؛ لأنَّ الضرورة دليل، أمَّا إن ثبت بالظنّ أو بالعلم النظري وجب عليه الدليل، كما يجب على من أثبته لأنَّه محلّ شبهة بخلاف الضروري فتنتفي فيه الشبهة، ولا يخفى أنَّ الضروري خارج عن محلِّ النِّزاع باعتبار أنَّ الضرروة دليل، أمَّا العلم النظري فلا يخرج عن مذهب القائلين بلزوم الدليل عليه فلا وجه للتفصيل.
٣- البقرة: (111).
٤- وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80].
٥- «بدائع الفوائد» لابن القيم: (4/151-152).
٦- أخرجه البيهقي في: «السنن الكبرى»: (10/252)، وأصله في الصحيحين بلفظ: «اليمين على المدعى عليه» أخرجه البخاري: (8/213)، ومسلم: (12/2)، والبغوي في: «شرح السنة»: (10/101) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه قصة.
[انظر تخريجه في: «نصب الراية» للزيلعي: (4/95)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (2/208)، «الدراية» لابن حجر: (2/175)، «إرواء الغليل» للألباني: (8/264)].
٧- «الفتح المأمول» للمؤلف: (72).
٨- «لباب المحصول» لابن رشيق: (2/711).
٩- انظر: «المستصفى» للغزالي: (2/352).
١٠- «الإحكام» للآمدي: (3/204)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (4/464)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (252).
١١- «إرشاد الفحول» للشوكاني: (252).
١٢- «المستصفى» للغزالي: (2/353)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (252).
١٣- «المستصفى» للغزالي: (2/353)، انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (328-329).
١٤- انظر المصادر الأصولية المثبتة على «هامش الإشارة»: (328-329).
١٥- «الموافقات» للشاطبي: (4/105-106).

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-02-2009, 12:03 AM   #22
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"





بَابُ
أَحْكَامِ التَّرْجِيحِ




فالترجيحُ بابُه واسعٌ لا يمكن الإحاطة به سعةً، ولكن يمكن ضبطُه بأنه هو ما تحصلُ به غلبةُ ظنِّ رُجحان أحدِ الطرفين، غير أنّ المرجِّحات يستحيلُ حصرها لكثرتها وانتشارها، وقد جاء في لسان بعضِ الأصوليِّين أنّ مَن رام هذه الأجناس بضابطٍ فقد رام شططًا لا تتَّسع له قوّة البشر، لذلك اكتفى المصنّف ببيان جملة من المرجّحات في الترجيح الواقع في الأخبار سندًا ومتنًا، والترجيح الواقع في المعاني والعِلل، ولم يتعرّض للترجيح بين الإجماعات والأقيسة والحدود.



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 329): «التَّرْجِيحُ فِي أَخْبَارِ الآحَادِ يُرادُ لِقُوَّةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَحَدِ الخَبَرَيْنِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ إِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى تَقْدِيمِ بَعْضِ أَخْبَارِ الرُّوَاةِ عَلَى أَخْبَارِ سَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ الضَّبْطُ وَالحِفْظُ وَالاِهْتِمَامُ بِالحَادِثَةِ».

[م] تعرَّض المصنِّف -رحمه الله- في طرق الترجيح بين النصوص الشرعية من جهة السُّنَّة دون القرآن، لأنَّ السُّنَّة غيرُ مقطوع بها من حيث السندُ والمتنُ في الغالب الأعمِّ، والتعارض يقع فيها كثيرًا بخلاف القرآن الكريم فهو مُتكاملٌ ومتواترٌ في السند والمتن، وما حصل في ظاهره من التعارض فيمكن دفعه بأيسر الطرق، وقد تقدَّم في فصل سابق متعلِّق بطرق دفع التعارض(١- انظر الجزء الثالث) -بيان مسالك العلماء في دفع التعارض الظاهري- وقد بيّنت أولوية تقديم النسخ الثابت بنصّ الشارع على بقية المسالك؛ لأنه إذا ثبت بالنصّ نسخ أحدهما فإنّ محاولة الجمع أو الترجيح بينهما هو إعطاء حُجِّية لدليل انتهت حُجِّيَّته فلا يصلح أن يعارض الدليل الناسخ، ولا يصار -عند الجمهور- إلى الترجيح عند التعارض مع إمكان الجمع؛ لأنَّ العمل بالدليلين أولى من العمل بأحدهما وإسقاط الآخر أو إسقاطهما، والإعمال أولى من الإهمال، وإنما يصار إليه عند تعذَّر الجمع، أو مع إمكان الجمع بينهما، من وجهين مختلفين وتعارض الجمعان، وعند تعذّر الوقوف على المتقدِّم من المتأخِّر ليعمل بالمتأخِّر الناسخ ويهمل المتقدِّم المنسوخ وَفق شروطٍ تَقَدَّم ذِكرُها، وهذا النسخ إنما يثبت بالطرق الاحتمالية لذلك يقدم الجمع عليه، وفي هذه الحالة وجب التمسّك بالترجيح، ووجب العمل بالراجح فيما له مرجّح مُطلقًا، سواء كان المرجِّح معلومًا أو مظنونًا باتفاق السلف وجماهير العلماء، خلافًا لأبي الحسين محمّد بن علي البصري المعتزلي الذي أنكر الترجيح، وقال بلزوم التخيير عند التعارض أو التوقّف، وفصّل الباقلاني في المرجِّح فأنكر الترجيح بالمرجِّح المظنون وأوجب التوقف فيه(٢- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (ص 330)). والصحيح وجوب العمل بالراجح بين الدليلين مُطلقًا لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل بالراجح وترك المرجوح في وقائع متعدِّدة سيأتي بعضُها في الترجيح بالسند، وذكر المصنِّف بعضها في ترجيحاته.



فصلٌ
[مِنْ شُرُوطِ التَّرْجِيحِ]



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 330): «إِذَا ثَبَتَ ذَلَكَ، فَالتَّرْجِيحُ فِي الأَخْبَارِ الَّتِي تَتَعَارَضُ وَلاَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهَا، وَلاَ يُعْرَفُ المُتَأَخِّرُ مِنْهَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ فِي مَوْضِعَينِ: أَحَدُهُمَا: الإِسْنَادُ، وَالثَانِي: المَتْنُ».

[م] والمصنِّف ذكر شرطين للترجيح بين الدليلين: فالأوّل تعذّر الجمع بينهما، وتقديمه للجمع في العمل على النسخ من خلال الترتيب إنما المعني به في هذا المقام هو ما كان ثابتًا بالطرق الاحتمالية التي يمكن إجمالها في: تصريح الصحابي بالناسخ، وفي الإجماع على الناسخ، وفي حداثة الراوي، وفي تأخّر إسلام الصحابي، وفي معرفة التاريخ، وفي موافقة البراءة الأصلية، أمّا النسخ الثابت بالنصّ فلا خلاف في تقديمه على الجمع والترجيح، مثل قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ أَلاَ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ بِالآخِرَةِ»(٣- تقدّم تخريجه انظر (الجزء السادس-١-))، أمّا الشرط الثاني فلا يُعرف المتأخِّر منهما، إذ لا ترجيح بين ما هو حُجَّة وبين منفي الحُجَّة كالمنسوخ مثلاً، وهذا الشرط يندرج في ما هو أوسع منه، وهو أن يستويَا في الحُجَّة بحيث لا يكون ما يقابل الدليل المعارض منسوخًا أو شاذًّا أو منكرًا، فلابدّ من استواء النَّصَّين في الحُجَّية، ويضيف الأصوليون شروطًا أخرى منها:

- أن يكون الدليلان ظنِّـيَّينِ لقابليتهما للتفاوت، فلا ترجيح بين دليلين قطعيين ولا بين قطعي وظنِّي سواء كان الدليلان القطعيان نقليين أو عقليين؛ لأنّ الدليل المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان فلا يطلب فيه الترجيح.

- ومنها أن يتحقَّق المجتهد من وجود تعارض بين الدليلين، ويتأكّد كون المرجِّح قويًّا، وأن يكون المرجَّح به وصفًا قائمًا بالدليل. فإذا روعيت الشروط السابقة أمكنه الترجيح، وطرق الترجيح في الأخبار تنقسم إلى ثلاث جهات:

أَوَّلاً: الترجيح من جهة سند الحديث.

ثانيًا: الترجيح من جهة المتن.

ثالثًا: الترجيح بأمر خارجي.


[التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةِ سَنَدِ الحَدِيثِ]


• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 331): «فَأَمَّا التَّرْجِيحُ بالإِسْنَادِ فَعَلَى أَوْجُهٍ».

[م] تنقسم جهة الإسناد في الحقيقة إلى وجهين -وإن كان المصنِّف -رحمه الله- أدخل في هذه الجهة الترجيح بأمر خارجي لذلك كانت قسمته ثنائية متمثِّلة في: الترجيح بالإسناد أولاً، ثمَّ بالمتن ثانيًا- والوجهان هما:

الأوّل: الترجيح باعتبار حال الراوي، ومثّل له المصنِّف بطريق الترجيح بأن يكون الراوي تتعلَّقُ به القصة، أو يكون قريبًا من رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، أو يكون الراوي فقيهًا، أو يكون الراوي أضبط وأحفظ، وهذا يرجع إلى الترجيح بالشهرة الذي فيه الترجيح بالحفظ والإتقان ودقّة التقصِّي.

الثاني: الترجيح باعتبار قوة السند في مجموعه، ومثّل له المصنِّف بالترجيح بكثرة الرواة، وترجيح المسموع على المكتوب، وترجيح المتفق على رفعه على المختلف في رفعه، والترجيح بالسلامة عن الاختلاف، ثمّ أدرج ضمن الترجيح بالإسناد ما يتعلّق بالترجيح بأمر خارجي، ومثّل له بالترجيح بموافقة القرآن لأحد الحديثين، والترجيح بموافقة عمل أهل المدينة لأحد الخبرين.



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 331): «الأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ مَرْوِيًّا فِي قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ مُتَدَاوَلَةٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وِيَكُونَ المُعَارِضُ لَهُ عَارِيًا مِنْ ذَلِكَ، فَيُقَدَّمُ الخَبَرُ المَرْوِيُّ فِي قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ، لأَنَّ النَّفْسَ إِلَى ثُبُوتِهِ أَسْكَنُ، والظَنُّ فِي صِحَّتِهِ أَغْلَبُ».

[م] وقد مثّل المصنِّف لهذا الترجيح في «إحكام الفصول» وفي «المنهاج» بما استدلَّ المالكي في أنَّ الشهادة ليست بشرط في صحة النكاح(٤- مجرّد الإشهاد ليس شرطًا في النكاح وبهذا قال مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختارها ابن تيمية، ومعنى ذلك أنه إن زوّجها الولي ولم يكن بحضرة شهود ثمّ شاع ذلك بين الناس فقد صحّ النكاح؛ لأنّ النكاح أمر فيه بالإعلان فأغنى إعلانه مع دوامه عن الإشهاد، وهذا بخلاف الجمهور الذين يشترطون الإشهاد لصِحَّة النكاح للأحاديث الواردة في نفي النكاح إلاّ ببينة، وهو مروي عن عمر وعلي وهو قول ابن عباس رضي الله عنهم، وبهذا قال الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر الروايتين عنه. [انظر: «المغني» لابن قدامة: (6/450)، «عارضة الأحوذي» لابن العربي: (5/18-19)، «فتح القدير» لابن الهمام: (3/199)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (7/239، 32/35، 127-128-129)])؛
لأنَّ النَبِيَّ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِأَقِطٍ وَسِمْنٍ وَتَمْرٍ فِي غَزْوَةِ خَيْبَر، فَقَالَ النَّاسُ: لاَ نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ؟ فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِي امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجبْهَا فَهِيَ أُمّ وَلَدٍ، فَلَمَّا رَكِبَ حَجَبَهَا»(٥- أخرجه البخاري: (1/479) في «الصلاة»، باب ما يذكر في الفخذ، ومسلم: (9/232) في «النكاح»، باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها، والنسائي: (6/131) في «النكاح»، باب البناء في السفر من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه)، ولو كان قد أشهد لم يشكوا، فيعارضه الشافعي بقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِصَدَاقٍ وَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ»(٦- أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى»: (7/125) من طريق عبد الجبار عن الحسن مرسلاً، وموصولاً من طريق عبد الله بن محرر عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين مرفوعًا بلفظ: «لاَ يَحِلُّ نِكَاحٌ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» قال البيهقي: «عبد الله بن محرر متروك لا يحتجّ به»، إلا أنه قد ثبت الحديث من غير لفظ «صداق» فيما أخرجه الدارقطني في «سننه»: (3/226)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (7/125)، وأورده الهيثمي في «موارد الظمآن»: (305) من حديث عائشة رضي الله عنها [انظر: «إرواء الغليل» للألباني: (6/258-260)])، فيقول المالكي: «خبرنا أولى وأرجح لأنَّه مرويٌّ في قصة مشهورة معلومة، وخبركم عار من ذلك»(٧- «إحكام الفصول» للباجي: (735)، «المنهاج» للباجي: (221))، قال القرافي: «القضية المشهورة يبعد الكذب فيها بخلاف القضية الخفية»(٨- «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (422)).



• ثمَّ قال الباجي -رحمه الله- في الصفحة نفسها: «وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِ الخَبَرَيْنِ أَضْبَطَ وَأَحْفَظَ، وَرَاوِي الَّذِي يُعَارِضُهُ دُونَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِمَا، فَيُقَدَّمُ خَبَرُ أَحْفَظِهِمَا وَأَتْقَنِهِمَا، لأَنَّ النَّفْسَ أَسْكَنُ إِلَى رِوَايَتِهِ وَأَوْثَقُ بِحِفْظِهِ».

[م] فهذا من الترجيح باعتبار حال الراوي، وقد مثّل له المصنِّف -رحمه الله- في «إحكام الفصول» و«المنهاج» بحديث رواه مالك، وتقديمه على الحديث الذي رواه سعيد بن أبي عروبة لشهرة مالك في الحفظ وزيادة ضبطه وشِدّة اعتنائه بالحديث واحتياطه فيما يرويه، ولأنّ ابن أبي عروبة ليس بحافظ، وقد تغير حفظه(٩- «إحكام الفصول» للباجي: (736)، «المنهاج» للباجي: (222))، فالحافظ أولى لبعده عمّا قد يقع في الكتابة من نقص أو تقصير(١٠- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (331)).

ويمثل العلماء -أيضًا- بما رواه شُعبةُ بن الحجَّاج عن سُهَيل بنِ أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «لاَ وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ»(١١- أخرجه الترمذي: (1/109) في الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من الريح، وابن ماجه: (1/172) في الطهارة، باب: لا وضوء إلاّ من حدث من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والحديث صحّحه الألباني في «صحيح الترمذي» برقم (74) و«صحيح ابن ماجه» برقم (515)، و«صحيح الجامع الصغير» برقم (7443))، وبين رواية إسماعيل بنِ عِيَّاشٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عن ابنِ أَبي مُلَيْكَةَ عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فَأَحْدَثَ فِي صَلاَتِهِ، فَلْيَذْهَبْ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ ليَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ»(١٢- أخرجه الدارقطني: (1/160) في الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن، وأخرجه البيهقي: (1/143) من طرق عن ابن جريج، والحديث ضعيف مرسل. [انظر: «تنقيح تحقيق التعليق» لابن عبد الهادي: (1/162)، و«البدر المنير» لابن الملقن: (4/100)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/274)])، والحديث الأوّل يفيد انتقاض الوضوء إلاّ مما خرج من السبيلين، بينما الآخر يفيد انتقاضه بغير الخارج من السبيلين(١٣- انظر اختلاف العلماء في انتقاض الوضوء ممَّا يخرج من الجسد في: «بداية المجتهد» لابن رشد: (1/34)، «شرح السُّنَّة» للبغوي: (1/333)، «المغني» لابن قدامة: (1/184)، «المجموع» للنووي: (2/54)، «تبيين الحقائق» للزيلعي: (1/8))، وقد رجّح الشافعية وغيرهم الحديث الأوّل لأنَّ شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وليس مثله في الضبط إسماعيل بن عياش راوي الحديث الثاني، لذلك قال عنه أهل الحديث: «إنَّ إسماعيل خلط في روايته على المدنيين»(١٤- انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي: (1/241)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر: (1/323)).

ومن أمثلة ذلك: ما رواه أبو معاوية عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَناَزَةَ فَقُومُوا لَهَا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلاَ يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ»(١٥- أخرجه أبو داود: (3/519) في «الجنائز»، باب: القيام للجنازة. قال ابن القيم في «تهذيب السنن» (8/454): «وحديث أبي معاوية رواه ابن حبان في صحيحه (771): «كان رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إذا كان مع الجنازة، لم يجلس حتى توضع في اللحد أو تدفن» شكّ أبو معاوية، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح موارد الظمآن»: (1/338) دون قوله «في اللحد..»)
تعارض هذه الرواية ما رواه سفيان الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلاَ يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ فِي الأَرْضِ»(١٦- أخرجه أبو داود: (3/519) في «الجنائز»، باب: القيام للجنازة، والحديث أخرجه البخاري في «صحيحه» (3/178) بمعناه لا بلفظه، وبوب له بابًا: «من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع على مناكب الرجال»
قال ابن القيم في «تهذيب السنن» (8/454): «ويدلّ على أنّ المراد بالوضع: الوضع بالأرض عن الأعناق حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: «خرجنا مع رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في جنازة رجلٍ من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وجلسنا معه» وهو حديث صحيح»)،
وقد رجّح أهل العلم رواية سفيان الثوري عن سهيل بن صالح «حَتَّى تُوضَعَ فِي الأَرْضِ» على رواية أبي معاوية، قال أبو داود: «وسفيان أحفظ من أبي معاوية»(١٧- «سنن أبي داود»: (3/519))، لذلك بوب عليه البخاري: «باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال، فإن قعد أمر بالقيام»(١٨- «صحيح البخاري»: (3/178))، والقول باستحباب عدم الجلوس حتى توضع الجنازة في الأرض هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم خلافًا للشافعي الذي يرى أنّ النهي عن الجلوس قبل الوضع منسوخ بحديث علي رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ»(١٩- أخرجه مسلم في «الجنائز»: (7/29)، باب: نسخ القيام للجنازة، وأبو داود: (3/519)، والترمذي: (3/361) من حديث علي رضي الله عنه)، والصحيح مذهب الجمهور لأنه لا يلزم من كونه منسوخًا نسخ كلّ الأحكام المتعلّقة به، فحديث علي رضي الله عنه إنما ينسخ ابتداء القيام بالقعود، ولا ينسخ استدامة القيام لمن بدأ فيه حتى توضع الجنازة، فليس في لفظ حديث علي رضي الله عنه عموم حتى يعمّ الأمرين جميعًا»(٢٠- «المغني» لابن قدامة: (2/480)).



• وقال المصنِّف -رحمه الله- في (ص 232): «وَالثَالِثُ: أَنْ يَكُوَن رُوَاةُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ رُوَاةِ الخَبَرِ الآخَرِ فَيُقَدَّمُ الخَبَرُ الكَثِيُر الرُّوَاةِ، لأَنَّ السَّهْوَ وَالغَلَطَ أَبْعَدُ عَنِ الجَمَاعَةِ، وَأَقْرَبُ إِلَى الوَاحِدِ»… "يتبع".

--------------------------------------------------------------------------------
١- انظر الجزء الثالث.
٢- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (ص 330).
٣- تقدّم تخريجه انظر (الجزء السادس-١-).
٤- مجرّد الإشهاد ليس شرطًا في النكاح وبهذا قال مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختارها ابن تيمية، ومعنى ذلك أنه إن زوّجها الولي ولم يكن بحضرة شهود ثمّ شاع ذلك بين الناس فقد صحّ النكاح؛ لأنّ النكاح أمر فيه بالإعلان فأغنى إعلانه مع دوامه عن الإشهاد، وهذا بخلاف الجمهور الذين يشترطون الإشهاد لصِحَّة النكاح للأحاديث الواردة في نفي النكاح إلاّ ببينة، وهو مروي عن عمر وعلي وهو قول ابن عباس رضي الله عنهم، وبهذا قال الأئمة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر الروايتين عنه. [انظر: «المغني» لابن قدامة: (6/450)، «عارضة الأحوذي» لابن العربي: (5/18-19)، «فتح القدير» لابن الهمام: (3/199)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (7/239، 32/35، 127-128-129)]
٥- أخرجه البخاري: (1/479) في «الصلاة»، باب ما يذكر في الفخذ، ومسلم: (9/232) في «النكاح»، باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها، والنسائي: (6/131) في «النكاح»، باب البناء في السفر من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
٦- أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى»: (7/125) من طريق عبد الجبار عن الحسن مرسلاً، وموصولاً من طريق عبد الله بن محرر عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين مرفوعًا بلفظ: «لاَ يَحِلُّ نِكَاحٌ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» قال البيهقي: «عبد الله بن محرر متروك لا يحتجّ به»، إلا أنه قد ثبت الحديث من غير لفظ «صداق» فيما أخرجه الدارقطني في «سننه»: (3/226)، والبيهقي في «سننه الكبرى»: (7/125)، وأورده الهيثمي في «موارد الظمآن»: (305) من حديث عائشة رضي الله عنها [انظر: «إرواء الغليل» للألباني: (6/258-260)].
٧- «إحكام الفصول» للباجي: (735)، «المنهاج» للباجي: (221).
٨- «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (422).
٩- «إحكام الفصول» للباجي: (736)، «المنهاج» للباجي: (222).
١٠- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (331).
١١- أخرجه الترمذي: (1/109) في الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من الريح، وابن ماجه: (1/172) في الطهارة، باب: لا وضوء إلاّ من حدث من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والحديث صحّحه الألباني في «صحيح الترمذي» برقم (74) و«صحيح ابن ماجه» برقم (515)، و«صحيح الجامع الصغير» برقم (7443).
١٢- أخرجه الدارقطني: (1/160) في الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن، وأخرجه البيهقي: (1/143) من طرق عن ابن جريج، والحديث ضعيف مرسل. [انظر: «تنقيح تحقيق التعليق» لابن عبد الهادي: (1/162)، و«البدر المنير» لابن الملقن: (4/100)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/274)].
١٣- انظر اختلاف العلماء في انتقاض الوضوء ممَّا يخرج من الجسد في: «بداية المجتهد» لابن رشد: (1/34)، «شرح السُّنَّة» للبغوي: (1/333)، «المغني» لابن قدامة: (1/184)، «المجموع» للنووي: (2/54)، «تبيين الحقائق» للزيلعي: (1/8).
١٤- انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي: (1/241)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر: (1/323).
١٥- أخرجه أبو داود: (3/519) في «الجنائز»، باب: القيام للجنازة. قال ابن القيم في «تهذيب السنن» (8/454): «وحديث أبي معاوية رواه ابن حبان في صحيحه (771): «كان رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إذا كان مع الجنازة، لم يجلس حتى توضع في اللحد أو تدفن» شكّ أبو معاوية، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح موارد الظمآن»: (1/338) دون قوله «في اللحد..».
١٦- أخرجه أبو داود: (3/519) في «الجنائز»، باب: القيام للجنازة، والحديث أخرجه البخاري في «صحيحه» (3/178) بمعناه لا بلفظه، وبوب له بابًا: «من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع على مناكب الرجال» قال ابن القيم في «تهذيب السنن» (8/454): «ويدلّ على أنّ المراد بالوضع: الوضع بالأرض عن الأعناق حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: «خرجنا مع رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في جنازة رجلٍ من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وجلسنا معه» وهو حديث صحيح».
١٧- «سنن أبي داود»: (3/519).
١٨- «صحيح البخاري»: (3/178).
١٩- أخرجه مسلم في «الجنائز»: (7/29)، باب: نسخ القيام للجنازة، وأبو داود: (3/519)، والترمذي: (3/361) من حديث علي رضي الله عنه.
٢٠- «المغني» لابن قدامة: (2/480).

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-02-2009, 12:17 AM   #23
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"



بَابُ
أَحْكَامِ التَّرْجِيحِ



[التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةِ سَنَدِ الحَدِيثِ]

(تابع)



• وقال المصنِّف -رحمه الله- في (ص 332): «وَالثَالِثُ: أَنْ يَكُوَن رُوَاةُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ رُوَاةِ الخَبَرِ الآخَرِ فَيُقَدَّمُ الخَبَرُ الكَثِيُرُ الرُّوَاةِ؛ لأَنَّ السَّهْوَ وَالغَلَطَ أَبْعَدُ عَنِ الجَمَاعَةِ، وَأَقْرَبُ إِلَى الوَاحِدِ».

[م] الترجيح بكثرة الرواة مذهب الجمهور، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ، ووافق الجمهورَ محمَّدُ بنُ الحسن وأبو عبد الله الجرجاني، وأبو يوسف السرخسي من الأحناف(١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (332).)، وعمدة الجمهور أنَّ النبيَّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم لم يرجع إلى قول ذي اليدين: «أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ؟» حتى أخبره غيرُه من الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما(٢- أخرجه البخاري في «المساجد»: (1/565) باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ومسلم في «المساجد»: (5/68) باب السهو في الصلاة والسجود له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
ونصُّ حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وسلم إِحْدَى صَلاَتَي العَشِيِّ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتِ الصَّلاَةُ. وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِى القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟ قَالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ». فَقَالَ: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟». فَقَالُوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ.)،
وهذا يدلُّ على أنَّ للزيادة في العدد أثرًا في قُوَّةِ الخبر وقَبوله، وقد صَحَّ أَنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم كانوا يرجِّحون بكثرة العدد: فقد قوَّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه خبرَ المغيرة رضي الله عنه في دية الجنين بموافقة محمَّد بن مسلمة -رحمه الله- له(٣- أخرجه البخاري في «الديات»: (12/247) باب جنين المرأة، ومسلم في «القسامة»: (11/179) باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه،
ونصُّ هذه الرواية: «عن المسور بن مخرمة قال: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي إِمْلاَصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ».)، كما قَوَّى خبرَ أبي موسى رضي الله عنه في الاستئذان بموافقة أبي سعيد رضي الله عنه(٤- أخرجه البخاري في «الاستئذان»: (11/26-27) باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم في «الآداب»: (14/130) باب الاستئذان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
ونصُّ الرواية: «يقول أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الأَنْصَارِ فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا. قُلْنَا: مَا شَأْنُكَ، قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلاَثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا، فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلاَثًا فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ». فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ البَيِّنَةَ وَإِلاَّ أَوْجَعْتُكَ. فَقَالَ أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ لاَ يَقُومُ مَعَهُ إِلاَّ أَصْغَرُ القَوْمِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ قُلْتُ أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ. قَالَ فَاذْهَبْ بِهِ».)،
وقَوَّى ابن عمر رضي الله عنهما خبر أبي هريرة رضي الله عنه فيمن شهد جنازة بموافقة عائشة رضي الله عنها له(٥- أخرجه البخاري في «الجنائز»: (3/192) باب فضل اتباع الجنائز، ومسلم في «الجنائز»: (7/15) باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها. ونصُّه: «حدثنا نافع قال: قيل لابن عمر إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الأَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَبَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ».)،
ونحو ذلك من الوقائع الدالة على أخذهم بمبدأ الكثرة في الترجيح والعمل، ويؤيِّد ذلك من المعقول أنَّ الظنَّ الحاصلَ فيما رواه الأكثر أقوى من الظنِّ الحاصلِ فيما رواه الأقلُّ، فالشيء بين الجماعة الكثيرة أحفظ منه بين الجماعة اليسيرة، ولهذا جعل اللهُ تعالى زيادةَ العدد في شهادة النساء موجبًا للتذكُّر، قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾(٦- البقرة: (282).)، فكذلك جنس الرجال كلما كثر العدد قَوِيَ الحفظُ وكان أبعد عن الخطإ والنسيان، فضلاً عن أنَّ احتمالَ الكذب على الأكثر أبعدُ من احتماله على الأقلِّ؛ لأنَّ كلَّ خَبَرٍ يفيدُ ظنًّا فإذا انضمَّ أحدُهما إلى الآخر كان أقوى وآكد منه، ما لو كان منفردًا، ولهذا ينتهي إلى التواتر بحيث يصير ضروريًّا قاطعًا لا يشكُّ فيه.

هذا، وقد خالف أبو حنيفة وأبو يوسف وجمهورُ الحنفية حيث ذهبوا إلى أنه لا يُرجَّح بكثرة الرُّواة(٧- انظر: «ميزان الأصول» للسمرقندي: (733)، «أصول السرخسي»: (2/24)، «فواتح الرحموت» للأنصاري: (2/210).) إذا لم تبلغ حَدَّ الشُّهرة أو التواتر، قال عبد العزيز البخاري: «لا يؤخذ بكثرة الرواة إذا لم تبلغ حد التواتر أو الشهرة؛ لأنَّ هذه الكثرة لا تحدث وصفًا في الخبر يتقوَّى به، بل هو في خبر الآحاد كما كان، أمَّا إذا بلغ حدَّ التواتر أو الشُّهرة فقد حدث فيه وصفٌ تقوَّى به، حيث يقال: خبرٌ مشهورٌ، أو متواترٌ، فتعتبر هذه الكثرة في الترجيح دون الأولى»(٨- «كشف الأسرار» للبخاري: (4/79-80).)، ومن أدلة الأحناف أنه لا أثرَ للكثرة في الرواية كما لا أثرَ لها في الشهادة والفتوى، حيث لا يُرجَّحُ في الشهادة بزيادة العدد، فشهادةُ الاثنين وشهادةُ الأربعة فأكثر سواء، كما أنَّ كثرةَ المجتهدين والمفتين لا يوجب قُوَّةً في الاجتهاد والفتوى، ومن جهة أخرى فإنَّ الحقَّ قد يكون مع القليل؛ لأنَّ الخبرَ الذي كَثُرَ رواتُه يحتمل أنه متقدّم حتى علم به الأكثر بينما الخبر الذي قلّ رواته يحتمل أنه متأخِّر فعلم به عدد قليل ويكون ما رواته أقلُّ ناسخًا(٩- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (332).).

وقد أجيب بأنَّ الشهادة مخالفةٌ للخبر، لكونها مبنية على التعبُّد، إذ نصاب الشهادة محدَّد بالنصِّ فكان ما نص عليه وما زاد سواء بخلاف الخبر، والشهادة لا يصلح إلحاق الرواية بها؛ لأنَّ الرواية وإن شاركت الشهادة في بعض الوجوه فقد فارقتها في أكثر الوجوه، فشهادة الأعلم والأتقن وشهادة غيرهما سواء، والخبر يرجَّح بعلم الراوي وإتقانه. وأجيب -أيضًا- بأنَّ العلم لا يقع باجتهاد المجتهدين دائمًا، وإنما العلم يحصل إذا أجمعوا على الحكم المجتهد فيه بإجماعهم دون اجتهادهم، والعلم الواقع بخبر التواتر إنما يقع بخبر العدد المخصوص دون معنى سواه. أمَّا الاستدلال باحتمال النسخ فيما رواته أقلّ بأنه احتمال ضعيف، لأنه يحتمل العكس لاحتمال أنّ ما رواته أقلّ جاء متقدِّمًا ثمّ نسخ، فعلم بالنسخ عدد كثير، وبقي عدد قليل غاب عنهم العلم بالنسخ فبقوا يروونه على أنه غير منسوخ.

هذا، وإن كان الترجيح بالكثرة أقوى عند التعارض لقوة الأدلة وضعف ما استدلَّ به الأحناف إلاَّ أنَّ الترجيح بها ليس على إطلاقه بل لا بد أن يشترك الكثرة مع القلة في العدالة والثقة، وإلا فإن ما ذهب إليه كثيرٌ من الأصوليين تقديم جانب العدالة على جانب الكثرة إذا حصل تعارض بينهما(١٠- انظر: «البرهان» للجويني: (2/1168)، «المسودة» لآل تيمية: (274)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (276).)، قال الغزالي: «إذا عارض الثقةُ العددَ فالثقة مقدّمة، وقدم آخرون العدد؛ لأنه أقرب من التواتر، ونحن نعلم أن الصحابة كانوا يقدمون قول أبي بكر رضي الله عنه على قول معقل بن يسار ومعقل بن سنان وأمثالهم»(١١- «المنخول» للغزالي: (430).).

وقد مثَّل له المصنِّف في «إحكام الفصول» بترجيح حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر على حديث طلق بن علي رضي الله عنه وهو قوله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «هَلْ هُوَ إِلاَّ بُضْعَةٌ مِنْكَ»(١٢- أخرجه أبو داود: (1/127)، والترمذي: (1/131)، والنسائي: (1/101)، وابن ماجه: (1/163)، وأحمد: (4/22-23)، والدارقطني: (1/149)، والبيهقي: (1/134)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/76)، وابن حزم في «المحلى»: (1/238)، من حديث طلق ابن علي رضي الله عنه، قال الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب، وصحَّحه ابن حبان والطبراني وابن حزم وعمرو بن علي الفلاسي وغيرهم. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي: (1/60)، «الدراية» لابن حجر: (1/41)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/125)، «طريق الرشد» لعبد اللطيف: (33)].)، فإنَّ حديث إيجاب الوضوء رواه بسرة بن صفوان وأبو هريرة رضي الله عنه، وابن عمر رضي الله عنهما، وزيد بن خالد رضي الله عنه، وسعد بن أبي الوقاص رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله رضي الله عنه، وعائشة رضي الله عنها، وأم سلمة رضي الله عنها، وأم حبيبة رضي الله عنها، وأروى بنت أنيس رضي الله عنها وغيرُهم، وما كان أكثر رواة كان أرجح(١٣- «إحكام الفصول» للباجي: (737)، «المنهاج» للباجي: (223)، «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني: (629).).

وفي مسألة الوضوء من مس الذكر أقوال موجبة مُطلقًا وأخرى مفصِّلة ويرى غيرُهم عدم انتقاض الوضوء من مس الذكر مُطلقًا، ولعلَّ أقرب الأقوال إلى الصِّحَّةِ هو استحباب الوضوء من مس الذكر مُطلقًا؛ لأنَّ إيجاب الوضوء ليس مُتعلِّقًا بمجرد المسِّ بل لما يعلل بكونه مظنة تحريك الشهوة، وهو اختيار ابن تيمية(١٤- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (21/241).) جمعًا بين الأدلة بحمل الأمر به على الاستحباب، والجمع بينها والتوفيق بين الآثار أَوْلَى من النسخ الاحتمالي والترجيح(١٥- انظر تفصيل هذه المسألة في: «المنتقى» للباجي: (1/89)، «المحلى» لابن حزم: (1/235)، «بداية المجتهد» لابن رشد: (1/39)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي: (1/35)، «المغني» لابن قدامة: (1/178)، «المجموع» للنووي: (2/41)، «تبيين الحقائق» للزيلعي: (1/12)، «الإنصاف» للمرداوي: (2/27)، «الاختيار» لابن مودود: (1/10)، «القوانين الفقهية» لابن جزي: (32).).

ومثالٌ آخرُ للترجيح بكثرة الرواة مسألة: رفع اليدين في الركوع، فقد ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم: «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مِنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ إِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَكَانَ لاَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ»(١٦- أخرجه البخاري في «الآذان»: (2/218) باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الاستفتاح سواء، ومسلم في «الصلاة»: (4/93) باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، وأبو داود: (1/463)، والترمذي: (2/35)، والنسائي: (2/182)، وابن ماجه: (1/279)، وأحمد: (2/8-18-62-100) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.)،
وهو يدلُّ على أنَّ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم كان يرفعُ يديه عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع والرفع منه،
ويعارضه حديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «أَلاَ أُصَلِّي بِكُمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى، فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلاَّ في أَوَّلِ مَرَّةٍ»(١٧- أخرجه أبو داود: (1/477)، والترمذي: (2/40)، والنسائي: (2/182)، وأحمد: (1/441)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/224)، وابن حزم في «المحلى»: (4/87)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن، وصحَّحه ابن حزم في «المحلى»: (4/88)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: (1/216). [انظر: «نصب الراية» للزيلعي: (1/394)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/222)، تعليق أحمد شاكر وتصحيحه للحديث في «سنن الترمذي»: (2/41)].)
، فهذا يدلُّ على أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كان لا يرفع يديه إلاَّ عند افتتاح الصلاة فقط، وبترجيح حديث ابن عمر رضي الله عنهما على حديث ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه ذهب جمهور العلماء خلافًا لأبي حنيفة(١٨- انظر مسألة رفع اليدين في الصلاة في: «المحلى» لابن حزم: (4/87)، «بداية المجتهد» لابن رشد: (1/133)، «المغني» لابن قدامة: (1/497)، «المجموع» للنووي: (3/399)، «فتح الباري» لابن حجر: (2/219)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (3/13).)، وعِلة الترجيح كثرة رواة رفع اليدين في ثلاثة مواطن، ولهذا يقول البخاري: «يُروَى هذا الرفعُ عن سبعة عشر نفسًا من أصحاب النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم»(١٩- «المجموع» للنووي: (3/399)، «فتح الباري» لابن حجر: (2/220).)، ونقل ابنُ حجر عن مشايخه: «أنَّ الرفعَ قد رويت عن خمسين صحابيًّا بينهم العشرةُ المبشَّرين بالجنة»(٢٠- «فتح الباري» لابن حجر: (2/220).)، وكذا عن الحافظ العراقي مثله(٢١- «طرح التثريب» للعراقي: (2/254).)، قال الشافعي: «وبهذه الأحاديث تركنا ما خالفها من حديث؛ لأنها أثبت إسنادًا، وأنها حديث عدد، والعدد أولى بالحفظ»(٢٢- «الأم» للشافعي: (1/104).)، فضلاً عن أنَّ أحاديث الرفع مُثبِتَةٌ وتضمَّنَتْ زيادةً غير منافية، والأحاديث المخالفة نافية، و«المُثْبِتُ مَقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي»(٢٣- «فتح الباري»: (2/220).)، وزيادة العدل غير المنافية مقبولة بالإجماع(٢٤- «المحلى» لابن حزم: (4/93)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (3/15).).



• وقال المصنِّف في (ص 332): «وَالرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ رَاوِي أَحَدِ الخَبَرَيْنِ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، وَالآخَرُ يَقُولُ: «كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صّلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فَيُقَدَّمُ خَبَرُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأَنَّ السَّمَاعَ مِنَ العَالِمِ أَقْوَى مِنَ الأَخْذِ بِكِتَابَهِ الوَارِدِ».

[م] وهذا النوع من الترجيح والذي قبله معدودٌ من الترجيح باعتبار قُوَّةِ السَّنَدِ في مجموعه، وقد مثَّل له المصنِّف في «إحكام الفصول» بحديث عبد الله بنِ عُكَيمٍ قال: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لاَ يَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ»(٢٥- العصب: هي أطناب المفاصل القوية: أي العروق التي تشد المفاصل. [«النهاية» لابن الأثير: (3/245)].)، وفي لفظٍ: «قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَيْنِ»(٢٦- أخرجه أبو داود: (3/470)، والترمذي: (4/222)، والنسائي: (7/175)، وابن ماجه: (2/1194)، وأحمد: (4/310)، والبيهقي: (6/113)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/468)، وابن حزم في «المحلى»: (1/121)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى»: (6/113) من حديث عبد الله بن عكيم.)، فإنه يدلُّ على تحريم الانتفاع بجِلد الميتة مُطلقًا سواء كان مدبوغًا أم لا، ويعارضه حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاَةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَلاَّ أَخَذَتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ، فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا»(٢٧- أخرجه البخاري: (3/355، 4/413، 9/658)، ومسلم: (4/51)، وأبو داود: (4/366)، والترمذي: (4/220)، والنسائي: (7/171)، وابن ماجه: (2/1193)، ومالك في «الموطأ»: (2/44) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.)، وفي لفظٍ: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ»(٢٨- أخرجه مسلم: (4/53)، والترمذي: (4/221)، والنسائي: (7/173)، وابن ماجه: (2/1193)، وأحمد: (1/219)، ومالك في «الموطأ»: (2/44)، والدارمي: (2/85)، والبيهقي: (1/16)، والدارقطني: (1/46)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/469)، وابن حزم في «المحلى»: (1/119)، وابن عدي في «الكامل»: (2/566)، والبغوي في «شرح السُّنَّة»: (2/97) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.)، الذي يدلُّ على أنَّ الدِّباغَ مُطهِّرٌ لجِلد الميتة، وأنه يجوز بعد الدِّباغ الانتفاعُ به. وقد رَجَّحَ الجمهورُ حديثَ ابنِ عباس رضي الله عنهما بعِدَّةِ مُرجِّحاتٍ منها:

- أنَّ حديثَ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما سماعٌ، وحديثَ ابنِ عُكَيم كتابٌ، فترجيحُ ما كان مسموعًا من النبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم على ما كان مكتوبًا عنه(٢٩- «إحكام الفصول» للباجي: (739)، «المنهاج» للباجي: (224)، وهذا ما عليه الجمهور، وظاهر كلام أحمد أنّ كتابه وما سمع منه سواء، وبه قال القاضي أبو يعلى وتبعه ابن البناء، وفي المسألة قول ثالث يرى تقديم الكتابة على الحفظ على ما نقله الشوكاني. [انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (333)].) لما يتخلل الكتابةَ والوجادة والمناولة من شُبهة الانقطاع لعدم المشافهة(٣٠- «الاعتبار» للحازمي: (64).).

- ولأنَّ حديثَ ابنِ عباسٍ سَلِيمٌ من الاضطرابِ، بينما حديث ابن عُكَيم مُرسلٌ ومضطربُ المتن والإسنادِ، ويظهر إرساله من جهة أنَّ ابنَ عُكَيمٍ لم يلقَ النبيَّ صَلَّى الله عليه وله وسَلَّم وإنما هو حِكايةٌ عن كتابٍ أتاهم، وأمَّا اضطرابُ المتنِ فإنه رُوِيَ تارةً بتقييد بشهر أو شهرين وبأربعين يومًا أو بثلاثةِ أيام، وتارةً من غير تقييد، وأمَّا اضطرابه من جهة الإسناد فتارةً يرويه ابنُ عُكَيم عن كتابِ النبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم، وتارةً عن مشيخة من جهينة، وتارةً عمَّن قرأ الكتاب(٣١- «نصب الراية» للزيلعي: (1/120)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/47)، «المجموع» للنووي: (1/219).).

- كما يُرجَّح حديثُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما لكثرةِ الرواة فيه، فقد رواه عددٌ كثيرٌ غيرُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما(٣٢- «المجموع» للنووي: (1/217)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (1/105).)، فضلاً عن أنه إذا سُلِّم بموجب حديث ابن عكيم في تحريم إهاب الميتة؛ فإنَّ الإهاب مخصوصٌ بما لم يُدبغ ولا يُسمَّى الجِلد بعد الدباغ إهابًا(٣٣- «الاعتبار» للحازمي: (178)، «النهاية» لابن الأثير: (1/83)، «الفائق» للزمخشري: (1/67)، «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني: (525).)؛ لأنَّ الأصلَ في الألفاظ التبايُن، وإذا أمكن التوفيق بين الحديثين بحمل العموم على خصوص التطهير، أو بحمل النهي لما قبل الدباغ والجواز لما بعده، فَيُقَدَّم على النسخ الذي ذهب إليه مالك في روايةٍ وأحمد في المشهور، حيث رأوا أنَّ حديث عبد الله بن عكيم ناسخٌ لأحاديث جواز الانتفاع بإهاب الميتة إذا دبغ لتأخُّره كما ورد التصريح فيه؛ لأنَّ الجمع مقدَّم على النسخ الاحتمالي(٣٤- تأثير الدباغ بالطهارة في جلود ميتات الحيوان مطلقًا هو مذهب الظاهرية وبعض المالكية واختاره الشوكاني ونسبه للجمهور. [انظر: «المحلى» لابن حزم: (1/118)، «المنتقى» للباجي: (3/135)، «المجموع» للنووي: (1/217)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (1/102)]. والمشهور عند المالكية أنه نجس وإن دبغ غير أنه يجوز استعماله في اليابسات، وفي الماء خاصَّة، ولا يجوز بيعه ولا الصلاة عليه. [«القوانين الفقهية» لابن جزي]، وفي المسألة أقوال أخرى. انظر: «المهذب» للشيرازي: (1/17)، «بداية المجتهد» لابن رشد: (1/78)، «المغني» لابن قدامة: (1/71)، «المجموع» للنووي: (1/217)، «شرح مسلم» للنووي: (4/54)، «المعلم» للمازري: (1/381)، «الاختيار» لابن مودود: (1/16)، «سبل السلام» للصنعاني: (1/30)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (1/101).).



• قال الباجي -رحمه الله- في (ص 333): «وَالخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ مُتَّفَقًا عَلىَ رَفْعِهِ إِلىَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَالآخَرُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَيُقَدَّمُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الخَطَأِ وَالسَّهْوِ»… يتبع.


--------------------------------------------------------------------------------
١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (332).
٢- أخرجه البخاري في «المساجد»: (1/565) باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ومسلم في «المساجد»: (5/68) باب السهو في الصلاة والسجود له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ونصُّ حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وسلم إِحْدَى صَلاَتَي العَشِيِّ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتِ الصَّلاَةُ. وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِى القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟ قَالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ». فَقَالَ: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟». فَقَالُوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ.
٣- أخرجه البخاري في «الديات»: (12/247) باب جنين المرأة، ومسلم في «القسامة»: (11/179) باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، ونصُّ هذه الرواية: «عن المسور بن مخرمة قال: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي إِمْلاَصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ».
٤- أخرجه البخاري في «الاستئذان»: (11/26-27) باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم في «الآداب»: (14/130) باب الاستئذان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ونصُّ الرواية: «يقول أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الأَنْصَارِ فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا. قُلْنَا: مَا شَأْنُكَ، قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلاَثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا، فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلاَثًا فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ». فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ البَيِّنَةَ وَإِلاَّ أَوْجَعْتُكَ. فَقَالَ أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ لاَ يَقُومُ مَعَهُ إِلاَّ أَصْغَرُ القَوْمِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ قُلْتُ أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ. قَالَ فَاذْهَبْ بِهِ».

٥- أخرجه البخاري في «الجنائز»: (3/192) باب فضل اتباع الجنائز، ومسلم في «الجنائز»: (7/15) باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها. ونصُّه: «حدثنا نافع قال: قيل لابن عمر إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الأَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَبَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ».
٦- البقرة: (282).
٧- انظر: «ميزان الأصول» للسمرقندي: (733)، «أصول السرخسي»: (2/24)، «فواتح الرحموت» للأنصاري: (2/210).
٨- «كشف الأسرار» للبخاري: (4/79-80).
٩- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (332).
١٠- انظر: «البرهان» للجويني: (2/1168)، «المسودة» لآل تيمية: (274)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (276).
١١- «المنخول» للغزالي: (430).
١٢- أخرجه أبو داود: (1/127)، والترمذي: (1/131)، والنسائي: (1/101)، وابن ماجه: (1/163)، وأحمد: (4/22-23)، والدارقطني: (1/149)، والبيهقي: (1/134)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/76)، وابن حزم في «المحلى»: (1/238)، من حديث طلق ابن علي رضي الله عنه، قال الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب، وصحَّحه ابن حبان والطبراني وابن حزم وعمرو بن علي الفلاسي وغيرهم. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي: (1/60)، «الدراية» لابن حجر: (1/41)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/125)، «طريق الرشد» لعبد اللطيف: (33)].
١٣- «إحكام الفصول» للباجي: (737)، «المنهاج» للباجي: (223)، «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني: (629).
١٤- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (21/241).
١٥- انظر تفصيل هذه المسألة في: «المنتقى» للباجي: (1/89)، «المحلى» لابن حزم: (1/235)، «بداية المجتهد» لابن رشد: (1/39)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي: (1/35)، «المغني» لابن قدامة: (1/178)، «المجموع» للنووي: (2/41)، «تبيين الحقائق» للزيلعي: (1/12)، «الإنصاف» للمرداوي: (2/27)، «الاختيار» لابن مودود: (1/10)، «القوانين الفقهية» لابن جزي: (32).
١٦- أخرجه البخاري في «الآذان»: (2/218) باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الاستفتاح سواء، ومسلم في «الصلاة»: (4/93) باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، وأبو داود: (1/463)، والترمذي: (2/35)، والنسائي: (2/182)، وابن ماجه: (1/279)، وأحمد: (2/8-18-62-100) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
١٧- أخرجه أبو داود: (1/477)، والترمذي: (2/40)، والنسائي: (2/182)، وأحمد: (1/441)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/224)، وابن حزم في «المحلى»: (4/87)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن، وصحَّحه ابن حزم في «المحلى»: (4/88)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: (1/216). [انظر: «نصب الراية» للزيلعي: (1/394)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/222)، تعليق أحمد شاكر وتصحيحه للحديث في «سنن الترمذي»: (2/41)].
١٨- انظر مسألة رفع اليدين في الصلاة في: «المحلى» لابن حزم: (4/87)، «بداية المجتهد» لابن رشد: (1/133)، «المغني» لابن قدامة: (1/497)، «المجموع» للنووي: (3/399)، «فتح الباري» لابن حجر: (2/219)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (3/13).
١٩- «المجموع» للنووي: (3/399)، «فتح الباري» لابن حجر: (2/220).
٢٠- «فتح الباري» لابن حجر: (2/220).
٢١- «طرح التثريب» للعراقي: (2/254).
٢٢- «الأم» للشافعي: (1/104).
٢٣- «فتح الباري»: (2/220).
٢٤- «المحلى» لابن حزم: (4/93)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (3/15).
٢٥- العصب: هي أطناب المفاصل القوية: أي العروق التي تشد المفاصل. [«النهاية» لابن الأثير: (3/245)].
٢٦- أخرجه أبو داود: (3/470)، والترمذي: (4/222)، والنسائي: (7/175)، وابن ماجه: (2/1194)، وأحمد: (4/310)، والبيهقي: (6/113)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/468)، وابن حزم في «المحلى»: (1/121)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى»: (6/113) من حديث عبد الله بن عكيم.
والحديث ضعَّفه الزيلعي في «نصب الراية»: (1/120)، وابن حجر في «التلخيص الحبير»: (1/46)، وبضعفه جزم أحمد شاكر في تعليقه على تصحيح ابن حزم له في «المحلى»: (1/121)، وسبب التضعيف إنما هو الإعلال بالإرسال والانقطاع والاضطراب في سنده ومتنه، ومع ذلك فقد حسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن حزم، وفنَّد صاحب الإرواء العلل المضافة للحديث وصحَّحه. [انظر: «إرواء الغليل» للألباني: (1/76-79)].
٢٧- أخرجه البخاري: (3/355، 4/413، 9/658)، ومسلم: (4/51)، وأبو داود: (4/366)، والترمذي: (4/220)، والنسائي: (7/171)، وابن ماجه: (2/1193)، ومالك في «الموطأ»: (2/44) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٢٨- أخرجه مسلم: (4/53)، والترمذي: (4/221)، والنسائي: (7/173)، وابن ماجه: (2/1193)، وأحمد: (1/219)، ومالك في «الموطأ»: (2/44)، والدارمي: (2/85)، والبيهقي: (1/16)، والدارقطني: (1/46)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»: (1/469)، وابن حزم في «المحلى»: (1/119)، وابن عدي في «الكامل»: (2/566)، والبغوي في «شرح السُّنَّة»: (2/97) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٢٩- «إحكام الفصول» للباجي: (739)، «المنهاج» للباجي: (224)، وهذا ما عليه الجمهور، وظاهر كلام أحمد أنّ كتابه وما سمع منه سواء، وبه قال القاضي أبو يعلى وتبعه ابن البناء، وفي المسألة قول ثالث يرى تقديم الكتابة على الحفظ على ما نقله الشوكاني. [انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة»: (333)].
٣٠- «الاعتبار» للحازمي: (64).
٣١- «نصب الراية» للزيلعي: (1/120)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (1/47)، «المجموع» للنووي: (1/219).
٣٢- «المجموع» للنووي: (1/217)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (1/105).
٣٣- «الاعتبار» للحازمي: (178)، «النهاية» لابن الأثير: (1/83)، «الفائق» للزمخشري: (1/67)، «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني: (525).
٣٤- تأثير الدباغ بالطهارة في جلود ميتات الحيوان مطلقًا هو مذهب الظاهرية وبعض المالكية واختاره الشوكاني ونسبه للجمهور. [انظر: «المحلى» لابن حزم: (1/118)، «المنتقى» للباجي: (3/135)، «المجموع» للنووي: (1/217)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (1/102)]. والمشهور عند المالكية أنه نجس وإن دبغ غير أنه يجوز استعماله في اليابسات، وفي الماء خاصَّة، ولا يجوز بيعه ولا الصلاة عليه. [«القوانين الفقهية» لابن جزي]، وفي المسألة أقوال أخرى. انظر: «المهذب» للشيرازي: (1/17)، «بداية المجتهد» لابن رشد: (1/78)، «المغني» لابن قدامة: (1/71)، «المجموع» للنووي: (1/217)، «شرح مسلم» للنووي: (4/54)، «المعلم» للمازري: (1/381)، «الاختيار» لابن مودود: (1/16)، «سبل السلام» للصنعاني: (1/30)، «نيل الأوطار» للشوكاني: (1/101).


__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-02-2009, 12:28 AM   #24
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"



بَابُ أَحْكَامِ التَّرْجِيحِ

[التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةِ سَنَدِ الحَدِيثِ
]
(تابع)

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 333]:

«وَالخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ مُتَّفَقًا عَلىَ رَفْعِهِ إِلىَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وَالآخَرُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَيُقَدَّمُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الخَطَأِ وَالسَّهْوِ».


[م] ويدخل هذا النوع في الترجيح باعتبار قوّة السند في مجموعه، وقد مثَّل له المصنِّف بحديث ابن عمر رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ العَدْلِ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»(١- أخرجه البخاري في «العتق» (5/151) باب إذا عتق عبدًا بين اثنين، أو أَمَة بين الشركاء، ومسلم في «العتق» (10/135)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما)،
الذي يدلُّ على أنَّه لا يعتق نصيب شريكه إلاَّ مع يسار المعتق وذلك بدفع القيمة لا مع إعساره وهو مذهب الجمهور وهو المشهور من مذهب مالك(٢- انظر: «المعلم» للمازري (2/220)، «شرح مسلم» للنووي (10/138)، «فتح الباري» لابن حجر (5/159)، «سبل السلام» للصنعاني (4/271)، «نيل الأوطار» للشوكاني (7/240))، ويعارضه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا(٣- الشِّقْصُ والشَّقيصُ: النصيب في العين المشتركة من كلِّ شيء. [«النهاية» لابن الأثير (2/490)]) لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلاَصُهُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»(٤- أخرجه البخاري في «العتق» (5/156) باب إذا عتق نصيبًا في عبد وليس له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة، ومسلم في «العتق» (10/137)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)، الذي يدلُّ على أنَّه يعتق العبد جميعه وإن لم يكن للمعتق مال فإنه يستسعي العبد في حصَّة الشريك، وهو مذهب أبي حنيفة وسائر الكوفيِّين(٥- انظر: «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (6/1074)، والمصادر الحديثية السابقة)، وعند الجمهور أنَّ زيادة «اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» مختلف في رفعها ووقفها فيقدَّم حديث ابن عمر رضي الله عنهما بدون تلك الزيادة؛ لأنَّه خبر متفق على رفعه إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم(٦- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (333)).

هذا والمسألة خلافية(٧- وقد ذهب بعضُ أهل التحقيق إلى الجمع بين الروايتين على وجهين:
الأول: أنَّ المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه، بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرِّق، ثمَّ يستسعي العبد في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء لشريك سيده، ويدفعه إليه ويعتق وجعلوه في ذلك كالمكاتب وبه جزم البخاري. [«فتح الباري» لابن حجر (5/156)، «سبل السلام» للصنعاني (4/273)، «نيل الأوطار» للشوكاني (7/239-240)].
الثاني: أنَّ العبد يستمر في خدمة سيِّده الذي لم يعتق رقيقًا بقدر ماله من الرِّق، ومعنى غير مشقوق عليه أن لا يكلِّفه سيده من الخدمة فوق ما يطيقه ولا فوق حصته من الرق. [«سبل السلام» للصنعاني (4/273)]. ويصار إلى هذا الجمع لأنَّ العتق حصل بإعتاق السيد شقصه وليس فيه تعرّض لنفي الاستسعاء وعتق الباقي، والحديث صريح في الاستسعاء. [«العدة» للصنعاني (4/486)] )،
ومثاله –أيضًا- في حكم الأضحية ما استدلَّ به الجمهور بحديث أم سلمة رضي الله عنها أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلاَلَ ذِي الحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ»(٨- أخرجه مسلم في «الأضاحي» (13/138)، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة -وهو مريد التضحية- أن يأخذ من شعره، وأبو داود في «الأضاحي» (3/228) باب الرجل يأخذ من شعره في العشر وهو يريد أن يضحي، والترمذي في «الأضاحي» (4/102)، باب ترك أخذ الشعر لمن أراد أن يضحي، والنسائي في أول كتاب «الأضاحي» (7/211)، من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها.)،
الذي ليس فيه دلالة على وجوب الأضحية بل غاية ما يدلُّ عليه استحبابها، ويعارضه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا»(٩- أخرجه ابن ماجه في «الأضاحي» (2/1044)، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ وأحمد في «المسند» (2/321)، والدارقطني في «الأشربة» وغيرها (4/189)، والبيهقي في «الضحايا» (9/260)، والحاكم في «الضحايا» (4/232) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. والحديث حسَّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (3/82) وفي «تخريج مشكلة الفقر» (102)، وفي «التعليق الرغيب» (2/103). [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (4/207)].)،

وقد استدلَّ به الأحنافُ وبعضُ المالكية على أنَّ الأضحيةَ واجبةٌ على الموسِرِ(١٠- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (1/429)، «المحلى» لابن حزم (7/355)، «المغني» لابن قدامة (8/617)، «المجموع» للنووي (8/385)، «فتح الباري» لابن حجر (10/463)، «شرح فتح القدير» لقاضي زادة (9/519)، «سبل السلام» للصنعاني (4/178).)، وقد رجَّح الجمهورُ بحديث أُمِّ سلمةَ رضي الله عنها؛ لأنَّه متَّفقٌ على رفعِهِ، بينما حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه مُختلَفٌ في رفعه ووقفه، قال ابن حجر: «صحَّحه الحاكم، ورجَّح الأئمَّةُ غيرهُ وقفَه»(١١- «بلوغ المرام» لابن حجر (4/178) (ومعه سبل السلام).)، وقال –أيضًا-: «رجالُه ثقاتٌ، لكن اختُلِفَ في رفعه ووَقْفِهِ، والموقوفُ أَشْبَهُ بالصواب»(١٢- «فتح الباري» لابن حجر (10/3).)(١٣- ولعلَّ أظهر القولين مذهب القائلين بوجوب الأضحية على الموسر الذي يقدر عليها فاضلاً عن حوائجه الأصلية عملاً بحديث أبي هريرة رضي الله عنه ويؤيِّده ما رواه مِخْنَفُ بنُ سُلَيْمٍ أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال بعرفة: «يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَةً وَعَتِيرَةً». [أخرجه أبو داود في «الضحايا» (3/226)، والترمذي في «الأضاحي» (4/99) باب العتيرة، والنسائي في «الفرع والعتيرة» (7/167)، مقدّمة الفرع والعتيرة، وابن ماجه في «الأضاحي» (2/1045) باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ من حديث مِخنف بن سليم رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «صحيح أبي داود» (2287)، وفي المشكاة (1478) التحقيق الثاني]. وقد نسخت العتيرة بقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ». [أخرجه البخاري في «العقيقة» (9/596) باب الفرع والعتيرة، ومسلم في «الأضاحي» (13/135) باب الفرع والعتيرة، وأبو داود في «الأضاحي» (3/256) باب في العتيرة، والترمذي في «الأضاحي» (4/95) باب الفرع والعتيرة، والنسائي في «الفرع والعتيرة» (7/167)، وابن ماجه في «الذبائح» (2/1058) باب الفرع والعتيرة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

ولا يلزم من نسخ العتيرة نسخ الأضحية إذ لا تلازم بين الحكمين حتى يلزم من رفع أحد الحكمين رفع للآخر، وممَّا يرجِّح هذا القول ما رواه جُندَبُ بنُ سفيان البَجَلي قال: شهدت النبيَّ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يوم النحر قال: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ». [أخرجه البخاري في «الذبائح والصيد» (9/630) باب قول النبيِّ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»، ومسلم في «الأضاحي» (13/109) باب وقتها، والنسائي في «الضحايا» (7/224) باب الضحية قبل الإمام، وابن ماجه في «الأضاحي» (2/53)، باب النهي عن الأضحية قبل الصلاة من حديث جُندب البَجَليِّ رضي الله عنه].
وهو ظاهر الوجوب، لا سيما مع الأمر بالإعادة. [«السيل الجرار» للشوكاني (4/74)]. قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» [23/162-163]: «وأمَّا الأضحية فالأظهر وجوبها، فإنَّها من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك مقرون بالصلاة في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وقد قال تعالى:﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، فأمر بالنَّحر كما أمر بالصلاة…

ثمَّ قال: ونفاة الوجوب ليس معهم نصّ، فإنَّ عمدتهم قولُه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ وَدَخَلَ العَشْرُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ»، قالوا: والواجب لا يُعلَّق بالإرادة، وهذا كلام مجمل، فإنَّ الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد، فيقال: إن شئت فافعله، بل يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ [آية: 6 من سورة المائدة]، وقد قدَّروا فيه: إذا أردتم القيام، وقدَّروا: إذا أردت القراءة فاستعذ، والطهارة واجبة، والقراءة في الصلاة واجبة، وقد قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ، لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28]، ومشيئة الاستقامة واجبة». قلت: وأمَّا الاستدلال بالآثار المروية عن أبي بكر وعمر وابن مسعود رضي الله عنهم؛ [فقد أخرج عبد الرزاق في «مصنفه» (4/293) برقم (8170)، والبيهقي (9/269) عن أبي سُرَيْحَةَ قال: «رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان»، كما أخرج عبد الرزاق (4/295) برقم (8180) والبيهقي (9/265) عن أبي وائل قال: قال أبو مسعود الأنصاري: «إنِّي لا أدع الأضحى وإنِّي لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم عليَّ»]، في سقوط وجوب الأضحية فإنَّه -فضلاً عن اختلاف الصحابة في حكمها- إلاَّ أنَّها معارضة للنصوص المرفوعة المتقدِّمة وهي تشهد للقائلين بالوجوب على الموسر. ).



• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 334]:

«وَالسَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ رَاوِيهِ فَيُرْوَى عَنْهُ إِثْبَاتُ الحُكْمِ وَنفْيُهُ، وَرَاوِي الخَبَرِ الآخَرِ لاَ تَخْتَلِفُ الرُّوَاةُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْهُ أَحَدُ الأَمْرَيْنِ، فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ».


[م] وهذا النوعُ معدودٌ من الترجيح باعتبار حال الراوي، فالرواية التي لا تختلف عن راوي الخبر مُقدَّمةٌ عند الجمهور عن الرِّواية مَن يختلف الرواة عنه(١٤- انظر: «العدة» لأبي يعلى (3/1031)، «المعونة في الجدل» للشيرازي (275)، «إحكام الفصول» للباجي (741)، «المنهاج» للباجي (226)، «شرح الفصول» للقرافي (423)، «المسودة» لآل تيمية (306)، «تقريب الوصول» لابن جزي (165)، «مفتاح الوصول» للتلمساني (633).)، لسلامته من الاضطراب، ولعناية الرُّواة بحفظ ما رواه فكان أَوْلَى بالتقديم، وعند بعض الشافعية وجهان: الأَوَّل: تتعارض الروايتان وتسقطان، وتبقى روايةُ من لم يختلف عنه الرواية. وقريبًا من هذا قولُ ابنِ عقيلٍ من الحنابلة، والثاني: يرجّح إحدى الروايتين عمَّن اختلف عنه الرواية الأخرى بمعاضدة رواية من لم تختلف عنه الرواية(١٥- انظر: «المعونة في الجدل» للشيرازي (275)، «المسودة» لآل تيمية (306).).

هذا، وقد مثَّل له المصنِّف في «إحكام الفصول» بما روى عمر رضي الله عنه عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنَّه قال: «لاَ صَلاَةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتىَّ تَغْرُبَ الشَّمْسُ»(١٦- أخرجه البخاري في «الصلاة» (2/58)، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ومسلم في «صلاة المسافرين» باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها (6/111)، وأبو داود في «الصلاة» (2/56)، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها (1/396)، باب النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر من حديث عمر رضي الله عنه.)، الذي يدلُّ على أنَّه لَا نافلةَ بعد العصر، ويعارضُه ابنُ حزم بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ العَصْرِ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»(١٧- أخرجه البخاري في «الصلاة» (2/64)، باب ما يصلِّي بعد العصر، ومسلم في «صلاة المسافرين» (6/122)، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وأبو داود في «الصلاة» (2/58)، باب من رخّص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة من حديث عائشة رضي الله عنها.)،
وقد روى عنها رضي الله عنها ما يوافق الروايةَ الأُولى في النهي عن الصلاة حتى تغرب الشمس، أي: أنَّه رُوِيَ عنها النفيُ والإثبـاتُ بخلافِ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه فلم يُرْوَ عنه إلاَّ النفي فقط، فكان الأخذ به أَولى؛ لأنَّه أبعد من الاضطراب(١٨- «إحكام الفصول» للباجي (741)، «المنهاج» للباجي (226).)(١٩- هذا من حيث التمثيل، وإلاَّ فبإمكان الجمع بين الروايتين بحمل عموم النهي الوارد في حديث عمر رضي الله عنه على خصوص زمن بداية اصفرار الشمس دون ما قبله الذي تصحُّ الصلاة فيه «لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ العَصْرِ إِلاَّ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». [أخرجه أبو داود في «الصلاة» (2/55) باب من رخَّص فيهما إذا كانت الشمسُ مرتفعةً، والنسائي في «المواقيت» (1/280)، باب الرخصة في الصلاة بعد العصر، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/458)، وأحمد (1/129، 141) من حديث علي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه ابن حزم في «المحلى» (3/31)، والألباني في «الصحيحة» (1/1/181 (200)]، ويؤيِّده حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تُصَلُّوا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ عَلَى قَرْنِ شَيْطَانٍ وَصَلُّوا بَيْنَ ذَلِكَ مَا شِئْتُمْ». [رواه أبو يعلى في «مسنده» (2/200)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/2/16)]، وقد روى ابن حزم عن بلال مؤذّن رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلاَةِ إِلاَّ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ». [أخرجه ابن حزم في «المحلى» (3/4)، وصحَّح إسناده الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/1/184)].).

ومثاله -أيضًا- ترجيح حديث ابن عمر رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «إِذَا زَادَتِ الإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْت لَبُونٍ(٢٠- بنت لبون: ولد الناقة ما أتى عليه سنتان واستكملها ودخل في الثالثة. [«النهاية» لابن الأثير (4/228)].)، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ(٢١- الحِقَّة: ولد الناقة الداخلة في السنة الرابعة إلى آخرها، وسمي بذلك لأنَّه استحق الركوب والتحميل. [«النهاية» لابن الأثير (7/415)].)»(٢٢- هو قطعة من حديث طويل: أخرجه أبو داود (2/224)، والترمذي (3/17)، وابن ماجه (1/573)، وأحمد (2/14، 15)، والدارمي (1/381)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (3/121)، والدارقطني في «سننه» (2/112)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/88) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم في «المستدرك» (1/393)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/431 (1568). [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (2/338)، «الدراية» لابن حجر (1/250)، «التلخيص الحبير» ابن حجر (2/151)]. )، على حديث عمرو بن حزم أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «إِذَا زَادَتِ الإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ اسْتُؤْنِفَتِ الفَرِيضَةُ»(٢٣- أخرجه أبو داود في «المراسيل» (111)، والنسائي (8/59)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/35)، والحاكم في «المستدرك» (1/395)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/89)، والحديث صحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (1/158، 7/268)، والمشكاة (465/ التحقيق الثاني)، وفي «صحيح الموارد» (1/349) (793).)، فإنه يروى عن عمرو بن حزم رضي الله عنه مثل رواية ابن عمر رضي الله عنهما(٢٤- «مفتاح الوصول» للتلمساني (633).).



[في ترجيح خبر صاحب القصة]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 334]:

«وَالسَّابعُ: أَنْ يَكُونَ رَاوِي أَحَدِ الخَبَرَيَنِ هُوَ صَاحِبُ القِصَّةِ، وَالمُتَلَبِّسُ بهَا، وَرَاوِي الخَبَرِ الآخَرِ أَجْنَبِيًّا فَيُقَدَّمُ خَبَرُ صَاحِبِ القِصَّةِ، لأَنَّهُ أَعْلَمُ بظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، وَأَشَدُّ إِتْقَانًا بِحِفْظِ حُكْمِهَا».


[م] فهذا يندرج في الترجيح باعتبار حال الراوي، وقد مثَّل له المصنِّف في «إحكام الفصول»(٢٥- «إحكام الفصول» للباجي (742)، «المنهاج» للباجي (226).) بحديث ميمونة رضي الله عنها: «أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلاَلٌ»(٢٦- أخرجه مسلم (9/196)، وأبو داود (2/422)، والترمذي (3/201)، وابن ماجه (1/632)، وأحمد (6/333)، والدارمي في «سننه» (2/38)، والدارقطني في «سننه» (3/261)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (5/66) من حديث ميمونة رضي الله عنها.)،
ويعارضه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ»(٢٧- أخرجه البخاري (4/51، 7/509، 9/165)، ومسلم (9/196)، وأبو داود (2/423)، والترمذي (3/201)، والنسائي (5/191)، وابن ماجه (1/632)، والدارقطني في «سننه» (3/263) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.)،

وقد رجَّح جمهور العلماء حديث ميمونة رضي الله عنها؛ لأنَّها صاحبة القصَّة، والمباشرة لها فقد حدَّثت بنفسها أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم تزوَّجها وهو حلال، وصاحب الواقعة أعلم بشأنه وأدرى بحاله من غيره(٢٨- هذا ما عليه جمهور العلماء، وخالف في ذلك الجرجاني من أصحاب أبي حنيفة، انظر المصادر المثبتة على هامش «الإشارة» (334-335).)، وأيَّد الجمهور ذلك بحديث عثمان رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «لاَ يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ وَلاَ يَخْطُبُ»(٢٩- أخرجه مسلم في «النكاح» (9/ 193)، وأبو داود (2/421)، والترمذي (3/199)، والنسائي (5/192)، وابن ماجه (1/632)، وأحمد (1/57، 68، 69، 73)، ومالك في «الموطإ» (1/321)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/268)، والدارقطني في «سننه» (2/267)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (5/65)، والبغوي في «شرح السُّنَّة» (7/250)، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.)، وهو قولٌ يُرجَّح على الفعل لتعدِّي القول إلى الغير(٣٠- «شرح مسلم» للنووي (9/194)، «نيل الأوطار» للشوكاني (6/96).)، وخالف في ذلك الأحناف، وقدَّموا حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛
لأنَّه أقوى سَنَدًا من معارضه، وأوَّلوا حديث عثمان رضي الله عنه بأنَّ المراد بالنكاح الوطء لا العقد(٣١- «فتح القدير» لابن همام (3/223)، «المغني» لابن قدامة (3/332))، والأظهر في هذه المسألة مذهب الجمهور؛ لأنَّ رواية «تزوَّجها وهو حلال» رواها أكثر الصحابة رضي الله عنهم ولم يَرْوِ أنَّها تزوجها وهو مُحْرِمٌ إلاَّ ابن عباس وحده وقد كان صغيرًا غير مباشر للقصة(٣٢- «شرح مسلم» للنووي (9/194)، «المغني» لابن قدامة (3/332))، ومع ذلك يمكن تأويله «تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ» أي: في الحرم أو في الشهر الحرام وهذا شائع في اللغة والعرف(٣٣- المصدر السابق، «المجموع» للنووي (7/289)، «نيل الأوطار» للشوكاني (6/95))، وأمَّا تأويل الحنفية النكاح بالوطء لا بالعقد فقد تقدَّم بيانه في أقسام الحقيقة من باب بيان الأسماء العرفية(٣٤- التهميش)، ومع ذلك يمكن حمل حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه من خصائص النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فيكون فِعلُه مخصِّصًا له من عموم التحريم(٣٥- «المغني» لابن قدامة (3/333)، «شرح مسلم» للنووي (9/194)، «نيل الأوطار» للشوكاني (6/96)).



[في الترجيح بموافقة عمل أهل المدينة لأحد الخبرين]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 335]:

«وَالثَّامِنُ: إِطْبَاقُ أَهْلِ المَدِينَةِ عَلَى العَمَلِ بمُوجبِ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ، فَيَكُونُ أَوْلىَ مِنْ خَبَرِ مَنْ يُخَالِفُ عَمَلَ أَهْلِ المَدِينَةِ، لأَنَّهَا مَوْضِعُ الرِّسَالَةِ، وَمُجْتَمَعُ الصَّحَابَةِ فَلاَ يَتَّصِلُ العَمَلُ فيهَا إِلاَّ بأَصَحِّ الرِّوَايَاتِ».


[م] هذا الوجه من الترجيح بدليلٍ خارجيٍّ الذي لا يتعلَّق بالسند ولا بالمتن وإنَّما هو خارج عنهما، وله أثر في ترجيح أحد الخبرين عند تعارضهما، ويتمثَّل الدليل الخارجي في هذا الوجه بترجيح ما عمل به أهل المدينة، وهو ما ذهب إليه جمهور الأصوليِّين من ترجيح أحدِ الدليلين بموافقة عمل أهل المدينة وإن لم يكن حُجَّة، معلِّلين ذلك بأنَّ المدينة دار الحديث، وموطن الأثر، ومستقرّ رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وأصحابه، وقد أتيح لأهلها ما لم يتح لغيرهم، وقد خالف في ذلك ابن حزم وأبو يعلى وابن عقيل والمجد بن تيمية والطوفي وبعض الحنفية بالنظر إلى أنَّ المدينة بلد فلا يرجّح بأهله كسائر البلدان، وقد أجيب بأنَّه لا يتصل العمل فيها إلَّا بأصحِّ الروايات بالنسبة إلى خصوصيات المدينة المتقدِّمة(٣٦- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (335))، وقد مثَّل له المصنِّف في «إحكام الفصول» بصفة الأذان، فقد روى مسلم عن أبي محذورة رضي الله عنه تثنية الأذان(٣٧- رواية أبي محذورة في سبع عشرة جملة بتثنية التكبير في أوله، أخرجها مسلم في «الصلاة» (4/80) في صفة الأذان، وأبو داود في «الصلاة» (1/341) باب كيف الأذان، والترمذي في «الصلاة» (1/366) باب ما جاء في الترجيع في الأذان، والنسائي في «الأذان» (2/3) باب خفض الصوت في الترجيع في الأذان من حديث أبي محذورة رضي الله عنه.)، كما روى أصحاب السنن عنه تربيعه(٣٨- رواية أبي محذورة في تسع عشرة جملة بتربيع الأذان في أوله وزيادة الترجيع في الشهادتين أخرجها أبو داود في «الصلاة» (1/340) باب كيف الأذان، والترمذي في «الصلاة» مختصرًا (1/367) باب ما جاء في الترجيع في الأذان، والنسائي في «الأذان» (2/4) باب كم الأذان من كلمة، وابن ماجه في «الأذان» (1/335) باب الترجيع في الأذان من حديث أبي محذورة رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (1/201)، وصحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/148) رقم (500).)، فرجّحت رواية التثنية لإجماع أهل المدينة على العمل عليها(٣٩- «إحكام الفصول» للباجي (742)، «المنهاج» للباجي (226))، وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى ترجيح رواية تربيع التكبير التي أخذ بها الشافعي(٤٠- «الأم» للشافعي (1/85)) وغيره(٤١- انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (1/220)، «المغني» لابن قدامة (1/404)، «شرح مسلم» للنووي (4/81)، «نيل الأوطار» للشوكاني (2/101).)؛ لأنَّها زيادة مقبولة لعدم منافاتها وصحة مخرجها ولموافقتها لروايـة «عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً…»(٤٢- التهميش)، وأظهر القولين الجمع والتوفيق بين الأخبار بحملها على التنوُّع وهو أولى من الترجيح، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «والصواب في هذا كُلِّه أنَّ كُلَّ ما جاءت به السُّنَّة فلا كراهة لشيء منه، بل هو جائز»(٤٣- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (22/337).).

مثال آخر لترجيح ما عمل به أهل المدينة:

في مسألة القضاء باليمين والشاهد، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلىَ المُدَّعَى عَلَيْهِ»(٤٤- أخرجه البخاري في «الرهن» (5/145) باب إذا اختلف الراهن والمرتهن، ومسلم في «الأقضية» (12/2) باب اليمين على المدَّعى عليه، والترمذي في «الأحكام» (3/626)، باب البينة على المدعي والنسائي في «القضاء» (8/248) باب عظة الحاكم على اليمين، وابن ماجه في «الأحكام» (2/778) باب البيِّنة على المدَّعي واليمين على المدَّعَى عليه، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.)، فإنَّه يدلُّ على عدم جواز الحكم بيمين غير المدعى عليه عملاً بمفهوم المخالفة، ويعارضه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ»(٤٥- أخرجه مسلم في «الأقضية» (12/4)، باب القضاء باليمين والشاهد، وأبو داود في «الأقضية» (4/32) باب القضاء باليمين والشاهد، وابن ماجه في «الأحكام» (2/793)، باب القضاء باليمين والشاهد، وأحمد في «المسند» (1/323) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.)،
الذي يفيد بإطلاقه جواز الحكم بيمين المدعي ومعها شاهد كما هو مصرّح بمنطوقه، وقد ذهب الجمهور إلى ترجيح حديث ابن عباس رضي الله عنهما الخاصّ بجواز القضاء بالشاهد واليمين؛ لأنَّه عمل به أهل المدينة(٤٦- «الكافي» لابن عبد البر (471).)، وأنَّه منطوقٌ مقدَّم على المفهوم عند التعارض؛ ولأنَّه رواه أكثر من عشرين صحابيًّا(٤٧- «فتح الباري» لابن حجر (5/282)، «بدائع الصنائع» للكاساني (6/344)، «سبل السلام» للصنعاني (4/252)، «نيل الأوطار» للشوكاني (10/282). هذا،
والجمهور الذين ذهبوا إلى جواز الحكم بشاهد ويمين خصُّوا ذلك بالأموال لقول ابن عباس رضي الله عنهما في الحديث المتقدِّم: «نعم في الأموال»، قال الخطابي في «معالم السنن» (4/33): «وهذا خاصٌّ في الأموال دون غيرها؛ لأنَّ الراوي وقفه عليها، والخاصُّ لا يتعدَّى به محله، ولا يقاس عليه غيره واقتضاء العموم منه غير جائز؛ لأنه حكاية فعل، والفعل لا عموم له، فوجب صرفه إلى أمر خاصٍّ، فلمَّا قال الراوي: «هو في الأموال» كان مقصورًا عليه». قال الصنعاني في «سبل السلام» (4/253) معقِّبًا على الخطابي: «والحقُّ أنه لا يخرج من الحكم بالشاهد واليمين إلاَّ الحدّ والقصاص للإجماع أنهما لا يثبتان بذلك». )، خلافًا للأحناف الذين يمنعون العمل بالقضاء بشاهد ويمين؛ لأنَّه زيادة على النَّص القرآني في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282]، والزيادة على النصِّ نسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز(٤٨- انظر: «فتح الباري» لابن حجر (5/281)، «نيل الأوطار» للشوكاني (10/282).)، ومذهب الجمهور أقوى لما تقدَّم من وجوه الترجيح؛ ولأنَّ الناسخ والمنسوخ يلزم وروردهما على محلٍّ واحد وهذا غير متحقِّق في الزِّيادة على النَّصِّ إذا سُلِّم جَدَلًا أنَّ الزيادة على النَّصِّ نسخٌ، وقد تقدَّمت المسألة في حكم نسخ ما يتوقّف عليه صِحة العبادة(٤٩- التهميش)، وكذا نسخ القرآن والخبر المتواتر بخبر الآحاد(٥٠- التهميش).



[في ترجيح الخبر بحسن النسق ودقة التقصي]

• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 336]:

«وَالتَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَشَدَّ تَقَصِّيًا لِلْحَدِيثِ وَأَحْسَنَ نَسَقًا لَهُ مِنَ الآخَرِ، فَيُقَدَّمُ حَدِيثُهُ عَلَيْهِ …». "يتبع".



--------------------------------------------------------------------------------

١- أخرجه البخاري في «العتق» (5/151) باب إذا عتق عبدًا بين اثنين، أو أَمَة بين الشركاء، ومسلم في «العتق» (10/135)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
٢- انظر: «المعلم» للمازري (2/220)، «شرح مسلم» للنووي (10/138)، «فتح الباري» لابن حجر (5/159)، «سبل السلام» للصنعاني (4/271)، «نيل الأوطار» للشوكاني (7/240).
٣- الشِّقْصُ والشَّقيصُ: النصيب في العين المشتركة من كلِّ شيء. [«النهاية» لابن الأثير (2/490)].
٤- أخرجه البخاري في «العتق» (5/156) باب إذا عتق نصيبًا في عبد وليس له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة، ومسلم في «العتق» (10/137)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال ابن حجر في «الفتح» (5/158): «والذي يظهر أنَّ الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقًا لعمل صاحبي الصحيح، قال ابن دقيق العيد: حسبك بما اتفق عليه الشيخان، فإنَّه أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء تعلّلوا في تضعيفه بتعليلات لا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليها مثل هذه التعليلات». [بتصرف].
٥- انظر: «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (6/1074)، والمصادر الحديثية السابقة.
٦- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (333).
٧- وقد ذهب بعضُ أهل التحقيق إلى الجمع بين الروايتين على وجهين:
الأول: أنَّ المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه، بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرِّق، ثمَّ يستسعي العبد في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء لشريك سيده، ويدفعه إليه ويعتق وجعلوه في ذلك كالمكاتب وبه جزم البخاري. [«فتح الباري» لابن حجر (5/156)، «سبل السلام» للصنعاني (4/273)، «نيل الأوطار» للشوكاني (7/239-240)].الثاني: أنَّ العبد يستمر في خدمة سيِّده الذي لم يعتق رقيقًا بقدر ماله من الرِّق، ومعنى غير مشقوق عليه أن لا يكلِّفه سيده من الخدمة فوق ما يطيقه ولا فوق حصته من الرق. [«سبل السلام» للصنعاني (4/273)].
ويصار إلى هذا الجمع لأنَّ العتق حصل بإعتاق السيد شقصه وليس فيه تعرّض لنفي الاستسعاء وعتق الباقي، والحديث صريح في الاستسعاء. [«العدة» للصنعاني (4/486)].

٨- أخرجه مسلم في «الأضاحي» (13/138)، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة -وهو مريد التضحية- أن يأخذ من شعره، وأبو داود في «الأضاحي» (3/228) باب الرجل يأخذ من شعره في العشر وهو يريد أن يضحي، والترمذي في «الأضاحي» (4/102)، باب ترك أخذ الشعر لمن أراد أن يضحي، والنسائي في أول كتاب «الأضاحي» (7/211)، من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها.
٩- أخرجه ابن ماجه في «الأضاحي» (2/1044)، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ وأحمد في «المسند» (2/321)، والدارقطني في «الأشربة» وغيرها (4/189)، والبيهقي في «الضحايا» (9/260)، والحاكم في «الضحايا» (4/232) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. والحديث حسَّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (3/82) وفي «تخريج مشكلة الفقر» (102)، وفي «التعليق الرغيب» (2/103). [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (4/207)].
١٠- انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (1/429)، «المحلى» لابن حزم (7/355)، «المغني» لابن قدامة (8/617)، «المجموع» للنووي (8/385)، «فتح الباري» لابن حجر (10/463)، «شرح فتح القدير» لقاضي زادة (9/519)، «سبل السلام» للصنعاني (4/178).
١١- «بلوغ المرام» لابن حجر (4/178) (ومعه سبل السلام).
١٢- «فتح الباري» لابن حجر (10/3).
١٣- ولعلَّ أظهر القولين مذهب القائلين بوجوب الأضحية على الموسر الذي يقدر عليها فاضلاً عن حوائجه الأصلية عملاً بحديث أبي هريرة رضي الله عنه ويؤيِّده ما رواه مِخْنَفُ بنُ سُلَيْمٍ أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال بعرفة: «يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَةً وَعَتِيرَةً». [أخرجه أبو داود في «الضحايا» (3/226)، والترمذي في «الأضاحي» (4/99) باب العتيرة، والنسائي في «الفرع والعتيرة» (7/167)، مقدّمة الفرع والعتيرة، وابن ماجه في «الأضاحي» (2/1045) باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ من حديث مِخنف بن سليم رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «صحيح أبي داود» (2287)، وفي المشكاة (1478) التحقيق الثاني]. وقد نسخت العتيرة بقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ». [أخرجه البخاري في «العقيقة» (9/596) باب الفرع والعتيرة، ومسلم في «الأضاحي» (13/135) باب الفرع والعتيرة، وأبو داود في «الأضاحي» (3/256) باب في العتيرة، والترمذي في «الأضاحي» (4/95) باب الفرع والعتيرة، والنسائي في «الفرع والعتيرة» (7/167)، وابن ماجه في «الذبائح» (2/1058) باب الفرع والعتيرة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].
ولا يلزم من نسخ العتيرة نسخ الأضحية إذ لا تلازم بين الحكمين حتى يلزم من رفع أحد الحكمين رفع للآخر، وممَّا يرجِّح هذا القول ما رواه جُندَبُ بنُ سفيان البَجَلي قال: شهدت النبيَّ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يوم النحر قال: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ». [أخرجه البخاري في «الذبائح والصيد» (9/630) باب قول النبيِّ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»، ومسلم في «الأضاحي» (13/109) باب وقتها، والنسائي في «الضحايا» (7/224) باب الضحية قبل الإمام، وابن ماجه في «الأضاحي» (2/53)، باب النهي عن الأضحية قبل الصلاة من حديث جُندب البَجَليِّ رضي الله عنه]. وهو ظاهر الوجوب، لا سيما مع الأمر بالإعادة. [«السيل الجرار» للشوكاني (4/74)].
قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» [23/162-163]: «وأمَّا الأضحية فالأظهر وجوبها، فإنَّها من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك مقرون بالصلاة في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وقد قال تعالى:﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، فأمر بالنَّحر كما أمر بالصلاة… ثمَّ قال: ونفاة الوجوب ليس معهم نصّ، فإنَّ عمدتهم قولُه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ وَدَخَلَ العَشْرُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ»، قالوا: والواجب لا يُعلَّق بالإرادة، وهذا كلام مجمل، فإنَّ الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد، فيقال: إن شئت فافعله، بل يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ [آية: 6 من سورة المائدة]، وقد قدَّروا فيه: إذا أردتم القيام، وقدَّروا: إذا أردت القراءة فاستعذ، والطهارة واجبة، والقراءة في الصلاة واجبة، وقد قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ، لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28]، ومشيئة الاستقامة واجبة».
قلت: وأمَّا الاستدلال بالآثار المروية عن أبي بكر وعمر وابن مسعود رضي الله عنهم؛ [فقد أخرج عبد الرزاق في «مصنفه» (4/293) برقم (8170)، والبيهقي (9/269) عن أبي سُرَيْحَةَ قال: «رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان»، كما أخرج عبد الرزاق (4/295) برقم (8180) والبيهقي (9/265) عن أبي وائل قال: قال أبو مسعود الأنصاري: «إنِّي لا أدع الأضحى وإنِّي لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم عليَّ»]، في سقوط وجوب الأضحية فإنَّه -فضلاً عن اختلاف الصحابة في حكمها- إلاَّ أنَّها معارضة للنصوص المرفوعة المتقدِّمة وهي تشهد للقائلين بالوجوب على الموسر.
١٤- انظر: «العدة» لأبي يعلى (3/1031)، «المعونة في الجدل» للشيرازي (275)، «إحكام الفصول» للباجي (741)، «المنهاج» للباجي (226)، «شرح الفصول» للقرافي (423)، «المسودة» لآل تيمية (306)، «تقريب الوصول» لابن جزي (165)، «مفتاح الوصول» للتلمساني (633).
١٥- انظر: «المعونة في الجدل» للشيرازي (275)، «المسودة» لآل تيمية (306).
١٦- أخرجه البخاري في «الصلاة» (2/58)، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ومسلم في «صلاة المسافرين» باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها (6/111)، وأبو داود في «الصلاة» (2/56)، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها (1/396)، باب النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر من حديث عمر رضي الله عنه.
١٧- أخرجه البخاري في «الصلاة» (2/64)، باب ما يصلِّي بعد العصر، ومسلم في «صلاة المسافرين» (6/122)، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وأبو داود في «الصلاة» (2/58)، باب من رخّص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة من حديث عائشة رضي الله عنها.
١٨- «إحكام الفصول» للباجي (741)، «المنهاج» للباجي (226).
١٩- هذا من حيث التمثيل، وإلاَّ فبإمكان الجمع بين الروايتين بحمل عموم النهي الوارد في حديث عمر رضي الله عنه على خصوص زمن بداية اصفرار الشمس دون ما قبله الذي تصحُّ الصلاة فيه «لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ العَصْرِ إِلاَّ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». [أخرجه أبو داود في «الصلاة» (2/55) باب من رخَّص فيهما إذا كانت الشمسُ مرتفعةً، والنسائي في «المواقيت» (1/280)، باب الرخصة في الصلاة بعد العصر، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/458)، وأحمد (1/129، 141) من حديث علي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه ابن حزم في «المحلى» (3/31)، والألباني في «الصحيحة» (1/1/181 (200)]، ويؤيِّده حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تُصَلُّوا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ عَلَى قَرْنِ شَيْطَانٍ وَصَلُّوا بَيْنَ ذَلِكَ مَا شِئْتُمْ». [رواه أبو يعلى في «مسنده» (2/200)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/2/16)]، وقد روى ابن حزم عن بلال مؤذّن رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلاَةِ إِلاَّ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ». [أخرجه ابن حزم في «المحلى» (3/4)، وصحَّح إسناده الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/1/184)].
٢٠- بنت لبون: ولد الناقة ما أتى عليه سنتان واستكملها ودخل في الثالثة. [«النهاية» لابن الأثير (4/228)].
٢١- الحِقَّة: ولد الناقة الداخلة في السنة الرابعة إلى آخرها، وسمي بذلك لأنَّه استحق الركوب والتحميل. [«النهاية» لابن الأثير (7/415)].
٢٢- هو قطعة من حديث طويل: أخرجه أبو داود (2/224)، والترمذي (3/17)، وابن ماجه (1/573)، وأحمد (2/14، 15)، والدارمي (1/381)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (3/121)، والدارقطني في «سننه» (2/112)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/88) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم في «المستدرك» (1/393)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/431 (1568).
[انظر: «نصب الراية» للزيلعي (2/338)، «الدراية» لابن حجر (1/250)، «التلخيص الحبير» ابن حجر (2/151)].
٢٣- أخرجه أبو داود في «المراسيل» (111)، والنسائي (8/59)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/35)، والحاكم في «المستدرك» (1/395)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/89)، والحديث صحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (1/158، 7/268)، والمشكاة (465/ التحقيق الثاني)، وفي «صحيح الموارد» (1/349) (793).
٢٤- «مفتاح الوصول» للتلمساني (633).
٢٥- «إحكام الفصول» للباجي (742)، «المنهاج» للباجي (226).
٢٦- أخرجه مسلم (9/196)، وأبو داود (2/422)، والترمذي (3/201)، وابن ماجه (1/632)، وأحمد (6/333)، والدارمي في «سننه» (2/38)، والدارقطني في «سننه» (3/261)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (5/66) من حديث ميمونة رضي الله عنها.
٢٧- أخرجه البخاري (4/51، 7/509، 9/165)، ومسلم (9/196)، وأبو داود (2/423)، والترمذي (3/201)، والنسائي (5/191)، وابن ماجه (1/632)، والدارقطني في «سننه» (3/263) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٢٨- هذا ما عليه جمهور العلماء، وخالف في ذلك الجرجاني من أصحاب أبي حنيفة، انظر المصادر المثبتة على هامش «الإشارة» (334-335).
٢٩- أخرجه مسلم في «النكاح» (9/ 193)، وأبو داود (2/421)، والترمذي (3/199)، والنسائي (5/192)، وابن ماجه (1/632)، وأحمد (1/57، 68، 69، 73)، ومالك في «الموطإ» (1/321)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/268)، والدارقطني في «سننه» (2/267)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (5/65)، والبغوي في «شرح السُّنَّة» (7/250)، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
٣٠- «شرح مسلم» للنووي (9/194)، «نيل الأوطار» للشوكاني (6/96).
٣١- «فتح القدير» لابن همام (3/223)، «المغني» لابن قدامة (3/332).
٣٢- «شرح مسلم» للنووي (9/194)، «المغني» لابن قدامة (3/332).
٣٣- المصدر السابق، «المجموع» للنووي (7/289)، «نيل الأوطار» للشوكاني (6/95).
٣٤- انظر: (المقال الخامس)، و«المجموع» للنووي (7/288).
٣٥- «المغني» لابن قدامة (3/333)، «شرح مسلم» للنووي (9/194)، «نيل الأوطار» للشوكاني (6/96).
٣٦- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (335).
٣٧- رواية أبي محذورة في سبع عشرة جملة بتثنية التكبير في أوله، أخرجها مسلم في «الصلاة» (4/80) في صفة الأذان، وأبو داود في «الصلاة» (1/341) باب كيف الأذان، والترمذي في «الصلاة» (1/366) باب ما جاء في الترجيع في الأذان، والنسائي في «الأذان» (2/3) باب خفض الصوت في الترجيع في الأذان من حديث أبي محذورة رضي الله عنه.
٣٨- رواية أبي محذورة في تسع عشرة جملة بتربيع الأذان في أوله وزيادة الترجيع في الشهادتين أخرجها أبو داود في «الصلاة» (1/340) باب كيف الأذان، والترمذي في «الصلاة» مختصرًا (1/367) باب ما جاء في الترجيع في الأذان، والنسائي في «الأذان» (2/4) باب كم الأذان من كلمة، وابن ماجه في «الأذان» (1/335) باب الترجيع في الأذان من حديث أبي محذورة رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (1/201)، وصحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/148) رقم (500).
٣٩- «إحكام الفصول» للباجي (742)، «المنهاج» للباجي (226).
٤٠- «الأم» للشافعي (1/85).
٤١- انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (1/220)، «المغني» لابن قدامة (1/404)، «شرح مسلم» للنووي (4/81)، «نيل الأوطار» للشوكاني (2/101).
٤٢- تقدم تخريجه في تربيع الأذان.٤٣- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (22/337).
٤٤- أخرجه البخاري في «الرهن» (5/145) باب إذا اختلف الراهن والمرتهن، ومسلم في «الأقضية» (12/2) باب اليمين على المدَّعى عليه، والترمذي في «الأحكام» (3/626)، باب البينة على المدعي والنسائي في «القضاء» (8/248) باب عظة الحاكم على اليمين، وابن ماجه في «الأحكام» (2/778) باب البيِّنة على المدَّعي واليمين على المدَّعَى عليه، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٤٥- أخرجه مسلم في «الأقضية» (12/4)، باب القضاء باليمين والشاهد، وأبو داود في «الأقضية» (4/32) باب القضاء باليمين والشاهد، وابن ماجه في «الأحكام» (2/793)، باب القضاء باليمين والشاهد، وأحمد في «المسند» (1/323) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٤٦- «الكافي» لابن عبد البر (471).
٤٧- «فتح الباري» لابن حجر (5/282)، «بدائع الصنائع» للكاساني (6/344)، «سبل السلام» للصنعاني (4/252)، «نيل الأوطار» للشوكاني (10/282).
هذا، والجمهور الذين ذهبوا إلى جواز الحكم بشاهد ويمين خصُّوا ذلك بالأموال لقول ابن عباس رضي الله عنهما في الحديث المتقدِّم: «نعم في الأموال»، قال الخطابي في «معالم السنن» (4/33): «وهذا خاصٌّ في الأموال دون غيرها؛ لأنَّ الراوي وقفه عليها، والخاصُّ لا يتعدَّى به محله، ولا يقاس عليه غيره واقتضاء العموم منه غير جائز؛ لأنه حكاية فعل، والفعل لا عموم له، فوجب صرفه إلى أمر خاصٍّ، فلمَّا قال الراوي: «هو في الأموال» كان مقصورًا عليه».
قال الصنعاني في «سبل السلام» (4/253) معقِّبًا على الخطابي: «والحقُّ أنه لا يخرج من الحكم بالشاهد واليمين إلاَّ الحدّ والقصاص للإجماع أنهما لا يثبتان بذلك».

٤٨- انظر: «فتح الباري» لابن حجر (5/281)، «نيل الأوطار» للشوكاني (10/282).
٤٩- انظر هذه المسألة مع مصادرها الأصولية في المقال السادس.
٥٠- انظر هذه المسألة مع مصادرها الأصولية في المقال السابع.
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-02-2009, 12:45 AM   #25
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"




الجزء الثامن عشر

[التَّرْجِيحُ مِنْ جِهَةِ سَنَدِ الحَدِيثِ
]
(تابع)



[ في ترجيح الخبر بحسن النسق ودقة التقصي ]



• قال الباجي –رحمه الله- في [ص 336]:

«وَالتَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَشَدَّ تَقَصِّيًا لِلْحَدِيثِ وَأَحْسَنَ نَسَقًا لَهُ مِنَ الآخَرِ، فَيُقَدَّمُ حَدِيثُهُ عَلَيْهِ لأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ اهْتِبَالِهِ بحُكْمِهِ وَبحِفْظِ جَمِيعِ أَمْرِهِ».


[م] وهذا الوجه يتعلَّق بالترجيح باعتبار حال الراوي، وهو أن يكون راوي أحد الخبرين أحسن سياقًا للحديث، وأبلغ استقصاءً فيه من غيره؛ لأنَّ حسن السياق دليلٌ على اهتمام الراوي بما يرويه، الأمر الذي يجعله راجحًا على معارضه(١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (336))، قال الحازمي: «لأنَّه يحتمل أن يكون الراوي الآخر -أي: غير المتقصي- سمع بعض القصّة فاعتقد أنَّ ما سمعه مستقلٌّ بالإفادة، ويكون مرتبطًا بحديثٍ آخر لا يكون هذا قد تنبَّه له»(٢- «الاعتبار» للحازمي (67)).

وقد مثَّل المصنِّف في: «إحكام الفصول» لهذا الترجيح بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بِحَجٍّ مُفْرَدٍ»(٣- أخرجه مسلم في «الحج» (8/158) باب وجوه الإحرام، وأبو داود في «المناسك» (2/384) باب في إفراد الحجّ، والنسائي في «الحج» (5/164) باب في المهلة بالعمرة من حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما، غير أنَّ صفة الإفراد المعروفة اليوم بأن يحرم بالحجّ ثمّ يفرغ منه، ثمّ يخرج إلى أدنى حلٍّ فيحرم منه بالعمرة، فهذا الإفراد لم يفعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ولا أحد من الصحابة الذين حَجُّوا معه، بل ولا غيرهم كما نصَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (26/86))،
وتقديمه على القِرَان في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يُلَبِّي بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ جَمِيعًا»(٤- أخرجه مسلم في «الحج» (8/216) باب الإفراد والقران وأبو داود في «المناسك» (2/391) باب الإقران، والترمذي في «الحجِّ» (3/184)، باب الجمع بين الحجّ والعمرة، والنسائي في «الحج» (5/150) باب القران وابن ماجه في «المناسك» (2/989) باب من قرن الحجّ والعمرة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه)؛
لأنَّ جابرًا تقصَّى صفةَ الحجِّ من ابتدائه إلى انتهائه، فدلَّ ذلك على اهتمامه وحفظه وضبطه وعمله بتفاصيل الحادث المنقول وأسبابه، ومن نقل لفظة واحدة من الحجِّ يجوز له أنه لم يعلم سببها(٥- «إحكام الفصول» للباجي (742)، «المنهاج للباجي» (227). [انظر: «الاعتبار» للحازمي (67)])(٦- وفي مسألة أفضلية أنواع الحجّ، فإنه إذا أفرد الحج بسفرة، والعمرة بسفرة فهو أفضل من القران والتمتّع الخاصّ بسفرة واحدة، قال ابن تيمية: «وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر، وعمر، وكان يختاره للناس، وكذلك علي رضي الله عنه» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (26/85)]، أمَّا إن أراد أن يجمع بين النسكين (الحج والعمرة) بسفرة واحدة، وقَدِم إلى مكة في أشهر الحجّ ولم يسق الهدي فالتمتّع أفضل له؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أمر أصحابه الذين حَجُّوا معه أن يفسخوا الحجّ إلى عمرة، ويتحلَّلوا فنقلهم من الإفراد إلى التمتّع ولا ينقلهم إلاَّ إلى الأفضل؛ لأنَّهم أفضل الأُمَّة بعده، أمَّا إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة، ويسوق الهدي فالقران أفضل؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ساق الهديَ وقَرَنَ، وفِعْلُ الأفضل اقتداءً به صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم؛ لأنَّ اللهَ اختار له الأفضل، وهذا التفصيل من شيخ الإسلام ابن تيمية يزيل الاضطراب الحاصل بين الفقهاء، وفيه تجتمع كلُّ الأدلة، فقدَّم أفضل النسك باعتبار المشقّة والصعوبة، ثمَّ بحسب سَوْق الهدي من عدمه، فلكلِّ واحدٍ أفضليته في موضعه ومناسبته. [المصدر السابق الجزء نفسه/86]).

ومثال آخر لتقديم رواية الأحسن سياقًا ونسقًا في مسألة الأذان والإقامة في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة فقد تعارض حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الذي روى: «أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أَتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ»(٧- أخرجه مسلم في «الحج» (8/170) باب حَجَّة النبيِّ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وأبو داود في «المناسك» (2/455) باب صفة حَجَّة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، والنسائي في «الأذان» (2/16)، باب الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منها، وابن ماجه في «المناسك» (2/1022)، باب حجّة رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما)،
مع حديث أسامة رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا»(٨- أخرجه البخاري في «الحج» (3/523) باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة من حديث أسامة ابن زيد رضي الله عنهما)،
فإنه أثبت إقامتين فقط ولم يذكر الأذانَ، ويعارِضُهما حديثُ عبد الرحمن بن يزيد قال: «حَجَّ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ أَوِْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ رَجُلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ»(٩- أخرجه البخاري في «الحج» (3/524)، باب من أذَّن وأقام لكلِّ واحدة منهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.)،
فقد أثبت أذانين وإقامتين، وقد دفع الجمهور وجه التعارض بترجيح حديث جابرٍ بن عبدِ الله رضي الله عنهما على غيره؛ لأنَّ جابرًا كان أكثر الناس استقصاءً في روايته لحجِّ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وأحسن نسقًا، فجاءت روايته منتظمة، وارتبط بعض ألفاظها ببعض، فقد استوفى حَجَّة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وأتقنها فهو أولى بالاعتماد(١٠- انظر: «المحلى» لابن حزم (7/126)، «المغني» لابن قدامة (3/419)، «المجموع للنووي» (3/86).)،
وهذا بخلاف مذهب مالك –رحمه الله- حيث رجَّح حديث ابن مسعود رضي الله عنه على غيره لاشتماله على زيادة غير منافية فتعيَّن قَبولها، ولأنَّه قد روى عن عمر رضي الله عنه فعله لذلك قال بأنَّه يجمع بينهما بأذانين وإقامتين(١١- «شرح مسلم» للنووي (8/188)، «فتح الباري» لابن حجر (3/525)، «المغني» لابن قدامة (3/419))، وقد جمع بعضهم بين هذه الروايات بالتخيير. ولعلَّ أرجح الأقوال مذهب الجمهور لما اشتملت عليه رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه من وفاء الألفاظ بالمعنى كما تضمَّنت رواية جابر زيادة الأذان وهي زيادة غير منافية فتعيَّن قَبولها، لذلك تُرجح على رواية أسامة رضي الله عنه، أمَّا رواية ابن مسعود رضي الله عنه فهي موقوفة عليه، وهي من رواية الكوفيِّين فلا يُصار إليها مع ما ثبت مرفوعًا من رواية أهل المدينة(١٢- «فتح الباري» لابن حجر (3/525))، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لم يَحُجَّ إلاَّ مَرَّة واحدة لذلك لا يصار إلى التخيير بين الروايات، فضلاً عن عدم تكافئها.



[ في الترجيح بسلامة سند الخبر من الاضطراب ]


• قال الباجي –رحمه الله- في [ص 336]:

«وَالعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الإِسْنَادَيْنِ سَالِمًا مِنَ الاِضْطِرَابِ وَالآخَرُ مُضْطَرِبًا، فَيَكُونُ السَّالِمُ أَوْلَى؛ لأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلىَ اتِّفَاقِ رُوَّاتِهِ، وَحِفْظِ جُمْلَتِهِ».




[م] وهذا وجهٌ من وجوه الترجيح باعتبار مجموعِ السَّنَد وهو الترجيح بسلامة السند من الاضطراب والاختلاف(١٣- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» للباجي (336))، والحديث المضطرب هو ما رواه واحدٌ أو أكثر على أوجهٍ مختلفة متساوية بحيث لا يمكن الجمع بينهما ولا التوفيق، ولم يعلم لأحدهما مرجِّح، وقد يقع الاضطراب في السند كما يكون في المتن، وقد يقع فيهما(١٤- انظر: حقيقة المضطرب أنواعه وحكمه في «توضيح الأفكار» للصنعاني (2/34))، وقد قدَّم الجمهور ما سَلِمَ سندُه من الاختلاف والاضطراب على ما اختُلف فيه واضطُرب، لما في المضطرب من تنافر الألفاظ واختلافها بالزيادة والنقصان، الأمر الذي لا تنتظم فيه الرواية ولا ترتبط ألفاظها بعضها ببعض.

وقد مثَّل له المصنِّف في «إحكام الفصول» بنفس مثال الترجيح السادس(١٥- انظر (ص 164)، وفي «إحكام الفصول» (743)، «المنهاج للباجي» (227))، ويمكن إيراد مثال آخر في مسألة لحوم الحُمُر الأهلية، فقد ثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ»(١٦- أخرجه البخاري في «الذبائح والصيد» (9/653) باب لحوم الحمر الإنسية، ومسلم في «الصيد والذبائح» (13/91)، باب تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما)،
الذي يفيد تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية، ويعارضه حديث غَالِبِ بن أَبْجَرَ قال: «أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْءٌ أُطْعِمُ أَهْلِي إِلاَّ شَيْءٌ مِنْ حُمُرٍ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم حَرَّمَ لُحُومَ الحُمُرُ الأَهْلِيَةِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَصَابَتْنَا السَّنَةُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إِلاَّ سِمَانُ الحُمُرِ، وَإِنَّكَ حَرَّمْتَ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ القَرْيةِ»(١٧- أخرجه أبو داود في «الأطعمة» (4/163) باب في أكل لحوم الحمر الأهلية، والبيهقي في «السنن الكبرى» في «الضحايا» (9/332) باب ما جاء في أكل لحوم الحمر الأهلية والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/203) من حديث غالب بن أبحر رضي الله عنه. والحديث ضعَّفه ابن حجر في «الفتح» (9/656) والألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (305) رقم (3809))، والحديث يفيد جواز أكل لحوم الحمر الإنسية
، وقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى العمل بأحاديث النهي لصِحَّتها، وكثرة رواتها، وسلامتها من الاضطراب، بينما حديث غالب بن أَبْجَرَ ضعيف لاضطرابه والاختلاف في سنده، قال البيهقي: «هذا حديث مختلف في إسناده»(١٨- «السنن الكبرى» للبيهقي (9/332))، وقال الخطابي(١٩- هو أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي البستي الشافعي، كان إمامًا في الفقه والحديث، أديبًا محقِّقًا، له تصانيف مفيدة منها: «معالم السنن»، و«غريب الحديث»، و«إصلاح غلط المحدثين»، توفي سنة 388ﻫ. انظر ترجمته في: «معجم الأدباء» لياقوت (4/246)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (2/214)، «اللباب» لابن الأثير (1/452)، «البداية والنهاية» لابن كثير (11/236)، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (1/156)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (17/23)، «طبقات الإسنوي» (1/223)، «بغية الواعة» للسيوطي (239)، «طبقات الحافظ» للسيوطي (404)، «شذرات الذهب» لابن العماد (3/127)، «الرسالة المستطرفة» للكتاني (44). ):«حديث ابن أَبْجَرَ اختلف في إسناده»(٢٠- «معالم السنن» للخطابي (4/162))، وقال النووي: «هذا الحديث مضطرب مختلف الإسناد شديد الاختلاف لو صحَّ حمل على الأكل منها في حال الاضطرار»(٢١- «شرح على صحيح مسلم» للنووي (13/92))، وقال -أيضًا-: «واتفق الحفاظ على تضعيفه»(٢٢- «المجموع» للنووي (9/6))، وقال ابن حجر: «إسناده ضعيف، ومتنه شاذٌّ مخالف للأحاديث الصحيحة بالاعتماد عليها»(٢٣- «فتح الباري» لابن حجر (9/656))، فكان الأخذ بما ضبط وحفظ أولى.



[ في الترجيح بموافقة القرآن لأحد الخبرين ]


• قال الباجي –رحمه الله- في [ص 336]:

«وَالحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الحَدِيثَيْنِ يُوَافِقُ ظَاهِرَ الكِتَابِ وَالآخَرُ يُخَالِفُهُ، فَيَكُونُ المُوَافِقُ لِظَاهِرِ الكِتَابِ أَوْلَى».




[م] وهذا من وجوه الترجيح بأمرٍ خارجيٍّ وهو:
أن يوافقَ أحدُ الخبرين دليلاً آخر، واكتفى المصنِّف بذكر موافقة ظاهرِ الكتاب له، وإن تقدَّم في الوجه الثامن ترجيح خبر من يوافقه عملُ أهلِ المدينةِ، وبهذا الوجه من الترجيح بأمرٍ خارجيٍّ بما يوافق الحديث دليلًا آخر على معارضه ذهب جمهور العلماء(٢٤- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (336-337)، وجوه الترجيح بأمر خارجيٍّ لا علاقة لها بالسند ولا بالمتن وإنما هي خارجة عنها، ولها أثر في ترجيح أحد الدَّليلين عند التعارض، ومن وجوه الترجيح بأمرٍ خارجيٍّ موافقةُ أحدِ النصَّيْنِ دليلَ آخر من كتابٍ أو سُنَّة أو إجماعٍ أو قياسٍ، أو يكون أحد النَّصين قد عمل به أكثر الأُمَّة من السلف أو أكثر الصحابة أو الخلفاء أو أهل المدينة أو راوي الحديث أو اقترنت به أمارات التأخّر. [انظر: «العدة» لأبي يعلى (3/1046)، «المنخول» للغزالي (431)، «التمهيد» للكلوذاني (3/217)، «المستصفى» للغزالي (2/396)، «المحصول» للرازي (2/2/534، 591)، «الإبهاج» للسبكي (3/216)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (280)].) خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف فلا يرجّح بالدليل الخارجي، وإنَّما تتساقط الأدلة عند تعذُّر وجود ما يرجّح به أحد الدليلين ويترك العمل بها، بمعنى أنه لا يرجّح بكثرة الأدلة في أحد الجانبين المتعارضين(٢٥- شهدت فروع الأحناف بعدم التزامهم بترك الترجيح بكثرة الأدلّة، بل صرَّح بعضُ الحنفية بأنَّه يرجَّح أحدُ الدليلين المتعارضين إذا وافقه القياسُ. [«كشف الأسرار» للبخاري (4/80)]. انظر: مذهب الأحناف في هذه المسألة في «فتح الغفار» لابن نجيم (3/53)، «كشف الأسرار» للبخاري (4/78، 89)، «تيسير التحرير» لباداشاه (3/154، 169)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (2/204، 210، 328) )، ومذهب الجمهور أقوى؛ لأنَّ الظنَّ الحاصلَ من دليلين أقوى من الظنِّ الحاصلِ من دليلٍ واحدٍ، فيعمل بالأقوى لكونه أقرب إلى القطع؛ ولأنَّ الغرض من الترجيح حصول قوّة في الظنِّ بمضمون أحد الدليلين المتعارضين، ولمَّا كان المرجح به يصحُّ أن يكون وصفًا زائدًا في الدليل الراجح أو دليلاً مستقلاًّ، تحقَّقت القُوَّة في الدليل الذي وافقه دليلٌ آخر، فوجب ترجيحُه على معارضه وهو معنى الترجيح بكثرة الأدلة.

ومثاله: مسألة الاستعانةِ بكافرٍ لقتال كافرٍ، فقد ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال لرجلٍ مُشرك يريد أن يصيب معه: «تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»(٢٦- أخرجه مسلم في «الجهاد والسير» (12/198)، باب كراهة الاستعانة في الغزو بالكافر، وأبو داود في «الجهاد» (3/172)، باب في المشرك يسهم له، والترمذي في «السير» (4/127)، باب ما جاء في أهل الذِّمَّة يغزون مع المسلمين، وابن ماجه في «الجهاد» (2/945)، باب الاستعانة بالمشركين من حديث عائشة رضي الله عنها.)،
الذي يدلُّ على أنه لا يجوز للإمام الاستعانة في الغزو بالكافر، ويعارضه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم اسْتَعَانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعٍ فَرَضَخَ لَهُمْ وَلَمْ يُسْهِمْ لَهُمْ»(٢٧- أخرجه البيهقي في «السير» (9/53) باب الرضخ لمن يستعان به من أهل الذِّمَّة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال البيهقي: «تفرَّد بهذا الحسن بن عمارة وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح»)، وروي: «أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم اسْتَعَانَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ سَنَةَ ثَمَانِ بِصَفْوَانَ ابنِ أُمَيَّةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ»(٢٨- قال البيهقي في «السنن الكبرى» (9/37): «وشهود صفوان بن أمية معه حُنَيْنًا، وصفوان مشرك فإنَّه معروف فيما بين أهل المغازي». [انظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/110، 4/100)، و«الاعتبار» للحازمي (503)])، فإنه يدلُّ على جواز استعانة الإمام في الغزو بالكافر.

وقد ذهبت جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم جواز استعانة المسلمين بالكفار في قتال الكفار(٢٩- انظر: «المغني» لابن قدامة (8/414)، «المحلى» لابن حزم (11/113)، «شرح مسلم» للنووي (12/189)، «سبل السلام» للصنعاني (4/97)، «نيل الأوطار» للشوكاني (9/120))، ترجيحًا لحديث عائشة رضي الله عنها على حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأنَّ ظاهر القرآن الكريم يؤيِّده في قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141]،
وقد ذهبت الأحناف، والهادوية إلى العمل بالنسخ لدفع التعارض، ورأوا أنَّ حديث ابن عباس رضي الله عنه ناسخ لحديث عائشة رضي الله عنها لذلك أجازوا الاستعانة بالمشركين في القتال(٣٠- قال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (4/100): «الاستعانة كانت ممنوعة، ثمَّ رخّص فيها، وهذا أقربها، وعليه نصَّ الشافعي»)، ويؤيِّدون ذلك بقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا وَتُغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدوًا مِنْ وَرَائِكُمْ»(٣١- أخرجه أبو داود في «الجهاد» (3/210) باب في صلح العدو، وابن ماجه في «الفتن» (2/1369) باب الملاحم من حديث ذي مِخْبر رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (2/177) برقم: (2767))، ويُقوِّي ذلك أنَّ خزاعة خرجت مع رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم على قريش عامَ الفتح، وفسَّروا «السبيل» باليد، أي: أن تكون اليد -وهو كناية عن الظهور والغلبة والتسليط- للإمام الذي يستعين بالكافر(٣٢- انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (9/120)).

والظاهرُ من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مُشركًا مُطلقًا لحديث عائشة رضي الله عنها وموافقته لظاهر القرآن، ويؤيِّده ما رواه خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدِّه، قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم -وَهُوَ يُرِيدُ غَزْوًا- أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي وَلَمْ نُسْلِمْ، فَقُلْنَا: إِنَّا نَسْتَحِي أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ، فَقَالَ: أَأَسْلَمْتُمَا ؟ فَقَالَ: لاَ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالمُشْرِكِينَ عَلىَ المُشْرِكِينَ فَأَسْلَمْنَا وَشَهِدْنَا مَعَهُ»(٣٣- أخرجه أحمد (3/454)، والحاكم في «المستدرك» في «الجهاد» (2/121-122)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (9/37) والطحاوي في «المشكل» (3/239)، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (3/92) برقم: (1101))،
وقد أخرج الشيخان عن البراء قال: «جَاءَ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ أُقَاتِلُ أَوْ أُسْلِمُ؟ فَقَالَ: أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: عَمِلَ قَلِيلاً وَأُجِرَ كَثِيرًا»(٣٤- أخرجه البخاري في «الجهاد» (6/24) باب عمل صالح قبل القتال، ومسلم في «الإمارة» برقم (5023) باب كثرة الأجر على القتال، وأحمد في «مسنده» (4/291) من حديث البراء ابن عازب رضي الله عنه. ٣٥- «الاعتبار» للحازمي (502) )؛
ولأنَّ حديث عائشة رضي الله عنها ثبتت صِحَّته، وما يعارضه فدونه في الصِّحة والثبوت فتعذَّر ادعاء النسخ(٣٥- «الاعتبار» للحازمي (502))، أمَّا الأدلة الأخرى فقابلة للتأويل، فهي إمَّا محمولة على خروج المشرك طوعًا من غير إذن، أو لإظهاره الإسلام أو يحمل على الحاجة أو شدَّة الضرورة(٣٦- قال ابن حزم في «المحلى» (11/113): «ما دام في أهل العدل منعة فإن أشفوا على الهلكة واضطروا ولم يكن لهم حيلة فلا بأس بأن يلجئوا إلى أهل الحرب وأن يمتنعوا بأهل الذِّمة ما أيقنوا أنهم في استنصارهم لا يؤذون مسلمًا ولا ذمِّيًّا في دم أو مال أو حرمة ممَّا لا يحل، برهان ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، وهذا عموم لكلِّ من اضطرّ إليه إلاَّ ما منع منه نصّ أو إجماع». قال النووي في «شرح مسلم» (12/199): «قال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرَّأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به وإلاَّ فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين» ).

بـاب
ترجيحات المتون



تنقسم وجوهُ الترجيح باعتبار متن الحديث إلى ما يتعلَّق بلفظ الحديث أوّلاً، وما يتعلَّق بدلالة الحديث ثانيًا، وما يتعلَّق بمدلول الحديث ثالثًا..."يتبع".

--------------------------------------------------------------------------------

١- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (336).
٢- «الاعتبار» للحازمي (67).
٣- أخرجه مسلم في «الحج» (8/158) باب وجوه الإحرام، وأبو داود في «المناسك» (2/384) باب في إفراد الحجّ، والنسائي في «الحج» (5/164) باب في المهلة بالعمرة من حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما، غير أنَّ صفة الإفراد المعروفة اليوم بأن يحرم بالحجّ ثمّ يفرغ منه، ثمّ يخرج إلى أدنى حلٍّ فيحرم منه بالعمرة، فهذا الإفراد لم يفعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ولا أحد من الصحابة الذين حَجُّوا معه، بل ولا غيرهم كما نصَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (26/86).
٤- أخرجه مسلم في «الحج» (8/216) باب الإفراد والقران وأبو داود في «المناسك» (2/391) باب الإقران، والترمذي في «الحجِّ» (3/184)، باب الجمع بين الحجّ والعمرة، والنسائي في «الحج» (5/150) باب القران وابن ماجه في «المناسك» (2/989) باب من قرن الحجّ والعمرة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
٥- «إحكام الفصول» للباجي (742)، «المنهاج للباجي» (227). [انظر: «الاعتبار» للحازمي (67)].
٦- وفي مسألة أفضلية أنواع الحجّ، فإنه إذا أفرد الحج بسفرة، والعمرة بسفرة فهو أفضل من القران والتمتّع الخاصّ بسفرة واحدة، قال ابن تيمية: «وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر، وعمر، وكان يختاره للناس، وكذلك علي رضي الله عنه» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (26/85)]، أمَّا إن أراد أن يجمع بين النسكين (الحج والعمرة) بسفرة واحدة، وقَدِم إلى مكة في أشهر الحجّ ولم يسق الهدي فالتمتّع أفضل له؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أمر أصحابه الذين حَجُّوا معه أن يفسخوا الحجّ إلى عمرة، ويتحلَّلوا فنقلهم من الإفراد إلى التمتّع ولا ينقلهم إلاَّ إلى الأفضل؛ لأنَّهم أفضل الأُمَّة بعده، أمَّا إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة، ويسوق الهدي فالقران أفضل؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ساق الهديَ وقَرَنَ، وفِعْلُ الأفضل اقتداءً به صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم؛ لأنَّ اللهَ اختار له الأفضل، وهذا التفصيل من شيخ الإسلام ابن تيمية يزيل الاضطراب الحاصل بين الفقهاء، وفيه تجتمع كلُّ الأدلة، فقدَّم أفضل النسك باعتبار المشقّة والصعوبة، ثمَّ بحسب سَوْق الهدي من عدمه، فلكلِّ واحدٍ أفضليته في موضعه ومناسبته. [المصدر السابق الجزء نفسه/86].

٧- أخرجه مسلم في «الحج» (8/170) باب حَجَّة النبيِّ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وأبو داود في «المناسك» (2/455) باب صفة حَجَّة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، والنسائي في «الأذان» (2/16)، باب الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منها، وابن ماجه في «المناسك» (2/1022)، باب حجّة رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
٨- أخرجه البخاري في «الحج» (3/523) باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة من حديث أسامة ابن زيد رضي الله عنهما.
٩- أخرجه البخاري في «الحج» (3/524)، باب من أذَّن وأقام لكلِّ واحدة منهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
١٠- انظر: «المحلى» لابن حزم (7/126)، «المغني» لابن قدامة (3/419)، «المجموع للنووي» (3/86).
١١- «شرح مسلم» للنووي (8/188)، «فتح الباري» لابن حجر (3/525)، «المغني» لابن قدامة (3/419).
١٢- «فتح الباري» لابن حجر (3/525).
١٣- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» للباجي (336).
١٤- انظر: حقيقة المضطرب أنواعه وحكمه في «توضيح الأفكار» للصنعاني (2/34).
١٥- انظر (ص 164)، وفي «إحكام الفصول» (743)، «المنهاج للباجي» (227).
١٦- أخرجه البخاري في «الذبائح والصيد» (9/653) باب لحوم الحمر الإنسية، ومسلم في «الصيد والذبائح» (13/91)، باب تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
١٧- أخرجه أبو داود في «الأطعمة» (4/163) باب في أكل لحوم الحمر الأهلية، والبيهقي في «السنن الكبرى» في «الضحايا» (9/332) باب ما جاء في أكل لحوم الحمر الأهلية والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/203) من حديث غالب بن أبحر رضي الله عنه. والحديث ضعَّفه ابن حجر في «الفتح» (9/656) والألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (305) رقم (3809).
١٨- «السنن الكبرى» للبيهقي (9/332).
١٩- هو أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي البستي الشافعي، كان إمامًا في الفقه والحديث، أديبًا محقِّقًا، له تصانيف مفيدة منها: «معالم السنن»، و«غريب الحديث»، و«إصلاح غلط المحدثين»، توفي سنة 388ﻫ.
انظر ترجمته في: «معجم الأدباء» لياقوت (4/246)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (2/214)، «اللباب» لابن الأثير (1/452)، «البداية والنهاية» لابن كثير (11/236)، «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (1/156)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (17/23)، «طبقات الإسنوي» (1/223)، «بغية الواعة» للسيوطي (239)، «طبقات الحافظ» للسيوطي (404)، «شذرات الذهب» لابن العماد (3/127)، «الرسالة المستطرفة» للكتاني (44).
٢٠- «معالم السنن» للخطابي (4/162).
٢١- «شرح على صحيح مسلم» للنووي (13/92).
٢٢- «المجموع» للنووي (9/6).
٢٣- «فتح الباري» لابن حجر (9/656).
٢٤- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (336-337)، وجوه الترجيح بأمر خارجيٍّ لا علاقة لها بالسند ولا بالمتن وإنما هي خارجة عنها، ولها أثر في ترجيح أحد الدَّليلين عند التعارض، ومن وجوه الترجيح بأمرٍ خارجيٍّ موافقةُ أحدِ النصَّيْنِ دليلَ آخر من كتابٍ أو سُنَّة أو إجماعٍ أو قياسٍ، أو يكون أحد النَّصين قد عمل به أكثر الأُمَّة من السلف أو أكثر الصحابة أو الخلفاء أو أهل المدينة أو راوي الحديث أو اقترنت به أمارات التأخّر. [انظر: «العدة» لأبي يعلى (3/1046)، «المنخول» للغزالي (431)، «التمهيد» للكلوذاني (3/217)، «المستصفى» للغزالي (2/396)، «المحصول» للرازي (2/2/534، 591)، «الإبهاج» للسبكي (3/216)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (280)].
٢٥- شهدت فروع الأحناف بعدم التزامهم بترك الترجيح بكثرة الأدلّة، بل صرَّح بعضُ الحنفية بأنَّه يرجَّح أحدُ الدليلين المتعارضين إذا وافقه القياسُ. [«كشف الأسرار» للبخاري (4/80)].
انظر: مذهب الأحناف في هذه المسألة في «فتح الغفار» لابن نجيم (3/53)، «كشف الأسرار» للبخاري (4/78، 89)، «تيسير التحرير» لباداشاه (3/154، 169)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (2/204، 210، 328).
٢٦- أخرجه مسلم في «الجهاد والسير» (12/198)، باب كراهة الاستعانة في الغزو بالكافر، وأبو داود في «الجهاد» (3/172)، باب في المشرك يسهم له، والترمذي في «السير» (4/127)، باب ما جاء في أهل الذِّمَّة يغزون مع المسلمين، وابن ماجه في «الجهاد» (2/945)، باب الاستعانة بالمشركين من حديث عائشة رضي الله عنها.
٢٧- أخرجه البيهقي في «السير» (9/53) باب الرضخ لمن يستعان به من أهل الذِّمَّة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال البيهقي: «تفرَّد بهذا الحسن بن عمارة وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح».
٢٨- قال البيهقي في «السنن الكبرى» (9/37): «وشهود صفوان بن أمية معه حُنَيْنًا، وصفوان مشرك فإنَّه معروف فيما بين أهل المغازي». [انظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/110، 4/100)، و«الاعتبار» للحازمي (503)].
٢٩- انظر: «المغني» لابن قدامة (8/414)، «المحلى» لابن حزم (11/113)، «شرح مسلم» للنووي (12/189)، «سبل السلام» للصنعاني (4/97)، «نيل الأوطار» للشوكاني (9/120).
٣٠- قال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (4/100): «الاستعانة كانت ممنوعة، ثمَّ رخّص فيها، وهذا أقربها، وعليه نصَّ الشافعي».
٣١- أخرجه أبو داود في «الجهاد» (3/210) باب في صلح العدو، وابن ماجه في «الفتن» (2/1369) باب الملاحم من حديث ذي مِخْبر رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (2/177) برقم: (2767).
٣٢- انظر: «نيل الأوطار» للشوكاني (9/120).
٣٣- أخرجه أحمد (3/454)، والحاكم في «المستدرك» في «الجهاد» (2/121-122)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (9/37) والطحاوي في «المشكل» (3/239)، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (3/92) برقم: (1101).
٣٤- أخرجه البخاري في «الجهاد» (6/24) باب عمل صالح قبل القتال، ومسلم في «الإمارة» برقم (5023) باب كثرة الأجر على القتال، وأحمد في «مسنده» (4/291) من حديث البراء ابن عازب رضي الله عنه.
٣٥- «الاعتبار» للحازمي (502).
٣٦- قال ابن حزم في «المحلى» (11/113): «ما دام في أهل العدل منعة فإن أشفوا على الهلكة واضطروا ولم يكن لهم حيلة فلا بأس بأن يلجئوا إلى أهل الحرب وأن يمتنعوا بأهل الذِّمة ما أيقنوا أنهم في استنصارهم لا يؤذون مسلمًا ولا ذمِّيًّا في دم أو مال أو حرمة ممَّا لا يحل، برهان ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، وهذا عموم لكلِّ من اضطرّ إليه إلاَّ ما منع منه نصّ أو إجماع».
قال النووي في «شرح مسلم» (12/199): «قال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرَّأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به وإلاَّ فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين».



منقول من موقع الشيخ الرسمي

__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-04-2009, 08:57 PM   #26
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي Re: الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"



الجزء التاسع عشر

[ بـاب ترجيحات المتـون ]




تنقسم وجوهُ الترجيح باعتبار متن الحديث إلى ما يتعلَّق بلفظ الحديث أوّلًا، وما يتعلَّق بدلالة الحديث ثانيًا، وما يتعلَّق بمدلول الحديث ثالثًا.

[ في الترجيح بسلامة متن الخبر من الاضطراب ]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 337]:

«أَحَدُهَا: أَنْ يَسْلَمَ أَحَدُ المَتْنَيْنِ مِنَ الاضْطِرَاب وَالاِخْتِلاَفِ، وَيَكُونَ مَتْنُ الحَدِيثِ الثَّانِي المُعَارِضِ لَهُ مُضْطَرِبًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَيَكُونُ السَّالِمُ مِنَ الاضْطِرَابِ أَوْلَى؛ لأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الحفْظِ وَالإِتْقَانِ».




[م] فهذا وجهٌ من وجوه الترجيح باعتبار المتن يتعلَّق بلفظ الحديث حيث رُجِّح ما سلم لفظه وتيقَّن حفظه على المضطرب، لما في المضطرب من تنافر الألفاظ واختلافها بالزيادة والنقصان، الأمر الذي لا تنتظم فيه الرواية ولا ترتبط ألفاظها بعضها ببعض، لذلك كان الظنُّ بصِحَّة ما سلم من الاضطراب يقوى ويغلب، ويضعف في النفس ما اختلف لفظه؛ لأنَّ اختلاف اللفظ يؤدِّي إلى اختلاف المعاني، ويدلُّ على قِلَّة ضبط الراوي وضعفه وكثرة تساهله في الرواية(١- «إحكام الفصول» (746)، «المنهاج» كلاهما للباجي (228))، ويصلح لتمثيل هذا الوجه من الترجيح ما تقدَّم من حديث عبد الله بن عُكَيْم قال: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لاَ تَنْتَفِعُوا مِنْ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ»(٢- تقدّم تخريجه)، الذي يدلُّ على تحريم الانتفاع بجِلد الميتة مُطلقًا، ويعارضه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ»(٣- تقدّم تخريجه)، الذي يدلُّ على جواز الانتفاع بجِلد الميتة بعد الدباغ، وقد رجَّح الجمهور حديث ابن عباس رضي الله عنهما لعِدَّة مرجّحات ذُكِرَتْ في الوجه الرابع من الترجيح بالسند، ومنها: اضطراب متن حديث ابن عكيم، فإنه روي تارةً بالتقييد بشهر أو شهرين وبأربعين يومًا، وبثلاثة أيام، وتارة من غير تقييد، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما سالم من الاضطراب، وهو أولى بالتقديم؛ لأنَّ ذلك دليلُ الحفظ والإتقان(٤- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (ص 338)، والمصادر المذكورة في الوجه الرابع من الترجيح بالسند. وحريٌّ بالتنبيه إلى أَنَّ الزيادة في متن الحديث لا توجب اضطرابًا حتى يُقدَّم عليها الحديثُ المجرَّدُ عن الزيادة؛ لأنَّ الزيادة في المتن في معنى خبرين منفصلين؛ لأنَّ ما اتفقَا عليه لم يقع فيه اضطراب ولا اختلاف، وإنما انفراد أحدهما بزيادة على صاحبه، فهو بمثابة انفراد بخبر آخر. [«إحكام الفصول» (746)]).



[ في ترجيح الخبر المتضمن حكمًا منطوقًا به ]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 338]:

«وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ مِنَ الحُكْمِ مَنْطُوقًا بهِ، وَالآخَرُ مُحْتَمَلاً، فَيُقَدَّمُ مَا يُنْطَقُ بحُكْمِهِ؛ لأَنَّ الغَرَضَ فِيهِ أَبْيَنُ، وَالمَقْصُودَ فِيهِ أَجْلَى».




[م] وهذا وجهٌ آخَرُ من وجوه الترجيح باعتبار المتن يتعلَّق بلفظ الحديث، وقد مثَّل له المصنِّف بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَفِي الرِّقَةِ(٥- المراد بالرِّقَة الفضّة والدراهم المضروبة منها، وأصل اللفظة الوَرِق، وهي الدراهم المضروبة خاصّة، فحذفت الواو وعوض منها الهاء، وتجمع الرِّقة على رقات، ورقين. [«النهاية» لابن الأثير (2/254)]) رُبْعُ العُشْرِ»(٦- أخرجه البخاري في «الزكاة» (3/317) باب زكاة الغنم، وأبو داود في «الزكاة» (2/214) باب في زكاة السائمة، والنسائي في «الزكاة» (5/27) باب زكاة الغنم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه)، الذي يدلُّ على وجوب الزكاة في مال الصبي(٧- مسألة وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون مختلف فيها، ويرجع سبب اختلافهم إلى مفهوم الزكاة الشرعية، هل هي عبادة كالصلاة والصيام، أم هي حقٌّ واجب للفقراء على الأغنياء ؟ فمن قال: إنها عبادة، اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها حقّ واجب للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، لم يعتبر في ذلك البلوغ من غيره. [«بداية المجتهد» لابن رشد (1/245)])، ويعارضه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يَفِيقَ»(٨- أخرجه أبو داود في «الحدود» (4/558) باب المجنون يسرق أو يصيب حدًّا، والترمذي في «الحدود» (4/32) باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحدّ، وابن ماجه في «الطلاق» (1/658) باب طلاق المعتوه والصغير والنائم من حديث علي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (3/179)، وفي «إرواء الغليل» (2/5))، الذي يدلُّ على عدم تكليف الصبي(٩- «إحكام الفصول» (746)، «المنهاج» كلاهما للباجي (228)، وانظر المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (338))، وخبر أنسٍ بن مالك رضي الله عنه مُقدَّم عليه؛ لأنَّ فيه إيجاب الزكاة في المال، وأنَّ حُكمَه منطوق به غير محتمل، وخبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليس فيه نفي الزكاة عن المال وإنما فيه نفي وجوبها على الصبي، وإنما تجب الزكاة في مال الصبي على وليِّه من أبٍ أو وَصِيٍّ أو حاكِمٍ، فكان المقصود في حديث أنسٍ رضي الله عنه الدالِّ على وجوب الزكاة في مال الصبي أجلى، والغرض منه أوضح.


[ في ترجيح الخبر المستقل بنفسه ]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 338]:

«وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ مُسْتَقِلاًّ بنَفْسِهِ، وَالآخَرُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بنَفْسِهِ، فَيَكُونُ المُسْتَقِلُّ بنَفْسِهِ مُتَعَيِّنًا أَوْلَى؛ لأَنَّ المُسْتَقِلَّ بنَفْسِهِ يُتَيَقَّنُ المُرَادَ بهِ، وَغَيْرَ المُسْتَقِلِّ بنَفْسِهِ لاَ يُتَيَقَّنُ المُرَادُ بهِ إِلاَّ بَعْدَ نَظَرٍ وَاسْتِدْلاَلٍ».




[م] وهذا الوجه من الترجيح يتعلَّق بدلالة الحديث، حيث يُرجَّح ما كان مُستقلًّا بنفسه مُستغنِيًا عن الضمير فيه على الآخر المفتقر إليه؛ لأنّ الإضمار خلافُ الأصل، فالأصلُ استقلالُ كُلِّ نصٍّ بالإفادة؛ ولأنَّ المستقِلَّ بنفسه معلوم المراد منه، والمحذوف منه قد يلتبس فيه ما هو المضمر منه، ولأنَّ الاستقلالَ حقيقةٌ والإضمارَ مجازٌ، والحقيقةُ مُقدَّمةٌ على المجاز(١٠- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (338))، ومَثَّلَ له المصنِّف بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ [البقرة: 196]، حيث إنَّ المالكيةَ يستدلُّون بها على أنَّ المحصر بمرض لا يتحللُّ دون البيت(١١- المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة هو مذهب ابن عمر رضي الله عنه، وإليه ذهب مالك والشافعي. [«المنتقى» للباجي (2/276)])، فيعارضهم الأحناف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، فيُجيب المالكية: بأنّ آيتنا لا تحتاج إلى ضمير، وآيتكم تفتقر إلى ضمير يَتمُّ الكلام بها، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ فتحللتم ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وما لا يفتقر إلى ضميرٍ أَوْلَى بالتقديم ممَّا يفتقر إليه؛ لأنّ المستقِلَّ بنفسه متيقّن المراد منه، بخلاف المحذوف ربما التبس واختلف فيما هو مقدّر فيه، فوجب تقديم المستقِلِّ بنفسه؛ لأنه لا يحتمل التأويل(١٢- «إحكام الفصول» (747)، «المنهاج» كلاهما للباجي (228)).



[ في الجمع بين الخبرين باعتبار الحال ]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 339]:

«وَالرَّابعُ: أَنْ يُسْتَعْمَلَ الخَبَرَانِ فِي مَوْضِعِ الخِلاَفِ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا وَاطِّرَاحِ الآخَرِ؛ لأَنَّ فِي ذَلِكَ اطِّرَاحَ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ، وَاسْتِعْمَالَهُمَا أَوْلَى مِن اطِّرَاحِ أَحَدِهِمَا».




[م] لا يندرج هذا الوجه ‑في حقيقة الأمر‑ تحت باب الترجيح، وإنما هو من أوجه الجمع بين الدليلين المتعارضين، ويظهر ذلك بما مَثَّل به المصنِّفُ في استدلال المالكي بأنَّ المرأة لا يصحُّ أن تنكح نفسها إلاَّ بوليٍّ(١٣- مذهب مالك اشتراط الولاية على الزواج، وهو مرويٌّ عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم، وإليه ذهب سعيد بن المسيِّب والحسن وعمر بن عبد العزيز والشافعي وأحمد وغيرهم خلافًا لأبي حنيفة فإنه لم يشترطه في العقد. [انظر: «الأم» للشافعي (5/13)، «المهذب» للشيرازي (2/36)، «المقدمات الممهِّدات» لابن رشد (1/471)، «المنتقى» للباجي (3/267)، «المغني» لابن قدامة (6/449)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (2/117)])، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ»(١٤- أخرجه أبو داود في «النكاح» (2/568)ﺑ، باب في الولي، والترمذي في «النكاح» (3/407) باب ما جاء لا نكاح إلاَّ بولي، وابن ماجه في «النكاح» (1/605) باب لا نكاح إلاَّ بولي، وأحمد (4/494، 413، 418)، والدارمي (2/137)، والدارقطني (3/219)، والبيهقي (7/107)، والخطيب البغدادي في «الكفاية» (449) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. والحديث صحيح بطرقه وشواهده. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (3/183)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/156)، «إرواء الغليل» للألباني (6/235)])، فيعارِضُه الحنفيُّ بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا»(١٥- أخرجه مسلم في «النكاح» (9/204) باب استئذان الثيِّب في النكاح، وأبو داود في «النكاح» (2/577) باب في الثيِّب، والترمذي في «النكاح» (3/416) باب ما جاء في استئمار البكر والثيِّب، والنسائي في «النكاح» (6/84) باب استئذان البكر في نفسها، وابن ماجه في «النكاح» (1/601) باب استئمار البكر والثيِّب من حديث ابن عباس رضي الله عنهما)، فيُجيب المالكيُّ: «إنَّ معنى كونها «أَحقّ بنفسها من وليها» أنه ليس له إجبارها على النكاح ولا إنكاحها بغير إذنها، وإنما له أن يزوِّجَها بإذنها ممَّن ترضاه، وليس لها هي أن تعقد على نفسها نكاحًا، ولا تباشره، ولا أن تضع نفسها عند غير كفءٍ، ولا أن تُوَلي ذلك غير وليها(١٦- «المنتقى» للباجي (3/266))، بمعنى أنه يحمل دليل المالكي على صِحَّة العقد، ويحمل دليل الحنفي على الإرادة دون العقد، فيستعمل الخبران جميعًا(١٧- «إحكام الفصول» (748)، «المنهاج» كلاهما للباجي (226)، والأحناف لا يصار عندهم إلى الجمع إلاَّ إذا تعذّر الترجيح ويكون الجمع بقدر الإمكان للضرورة. [انظر: المصادر المثبتة على هامش «الإشارة» (339)]).

ومن هذا المثال يظهر أنَّ هذا الوجه من قبيل الجمع بين خبرين متعارضين وردَا على شيءٍ واحدٍ بحُكمين مختلفين، فيُجمع بينهما بتنزيل كُلِّ واحدٍ من الحُكمين على حالٍ يختلف عن حالِ الآخَر، وهذا النوع من الجمع يسمى ﺑ «الجمع باختلاف الحال»(١٨- وقد تقدم بيان هذا النوع من الجمع) يرتفع فيه التعارض بين الحُكمين المختلفين كليهما، قال الباجي في «المنتقى»: «فلكُلِّ واحدٍ منهما حقّ في عقد النكاح، ووجه كونها أحقّ به أنها إن كرهت النكاح لم ينعقد بوجه، وإن كرهه الوليُّ ورغبته الأيم عرض على الولي العقد، فإن أبى عَقَدَهُ غيرُه من الأولياء أو السلطان، فهذا وجهُ كونها أحقّ به من وليها(١٩- «المنتقى» للباجي (3/266))»، وعليه يكون العمل بالدليلين كلاًّ في موضعه، ويتمُّ ذلك من خلال القرائن والأدلَّة التي ترشد إلى موضع كلٍّ منهما.

ومن أمثلة هذا النوع من الجمع: قولُه صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا»(٢٠- أخرجه مسلم في «الأقضية» (12/17) باب بيان خير الشهود، وأبو داود في «الأقضية» (4/21) باب في الشهادات، والترمذي في «الشهادات» (4/544) باب ما جاء في الشهداء أيهم خير، وابن ماجه «الأحكام» (2/792) باب الرجل عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها، وأحمد في «المسند» (4/115، 5/192) من حديث خالد الجُهَنِيِّ رضي الله عنه)، ويعارضه حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلاَ يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ»(٢١- أخرجه البخاري في «الشهادات» (5/258) باب لا يشهد على شهادة جَوْر إذا شهد، ومسلم في «فضائل الصحابة» (16/87) باب الصحابة ثمَّ الذين يلونهم، والترمذي في «الفتن» (4/500) باب ما جاء في القرن الثالث، وأحمد في «المسند» (4/426، 436، 440))، فهو يدلُّ على ذمّ من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها على خلاف الحديث الأوَّل الذي امتدحه بأنه خير الشهداء، وقد جمع جماهير العلماء بين الحديثين باختلاف الحال، وذلك بإنزال كُلِّ واحدٍ منهما على حالة تخالف الحالة الأخرى، فحديث عمران بن حصين رضي الله عنه يُنَزَّلُ الذمُّ فيه على من سارع بالشهادة في حقِّ آدميٍّ وهو عالم بها قبل أن يَسْأَلَ الشهادةَ صاحبُ الحقِّ، بينما المدح يُنَزَّلُ على حالة من كانت عنده شهادة لآدمي ولا يعلم بها صاحبها فيخبره بها ليستشهده عند القاضي إن أراد(٢٢- قال النووي في «شرح مسلم» (16/87): «ويلتحق به من كانت عنده شهادة حسبة وهي الشهادة بحقوق الله تعالى، فيأتي القاضي ويشهد بها وهذا ممدوح إلاَّ إذا كانت الشهادة بحدّ ورأى المصلحة في الستر، هذا الذي ذكرناه من الجمع بين الحديثين هو مذهب أصحابنا ومالك وجماهير العلماء وهو الصواب»)، أو بموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدّث عنهم فيعلمهم بذلك، وقال ابن حجر: «وهذا أحسن الأجوبة»(٢٣- «فتح الباري» لابن حجر (5/260)، قال النووي في «شرح مسلم» (12/17): «وقد تأوّل العلماء هذا تأويلات أصحّها تأويل أصحابنا أنه محمول على من معه شهادة لآدمي عالم بها فيأتي فيشهد بها قبل أن تطلب منه، والثاني: أنه محمول على شاهد الزور فيشهد بما لا أصل له ولم يستشهد، والثالث: أنه محمول على من ينتصب شاهدًا وليس هو من أهل الشهادة، والرابع: أنه محمول على من يشهد لقوم بالجنّة أو بالنار من غير توقّف وهذا ضعيف». [انظر: «معالم السنن» للخطابي (4/22)، «فتح الباري» لابن حجر (5/260)]).



[ في ترجيح الخبر العام المحفوظ ]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 339]:

«وَالخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ العُمُومَيْنِ مُتَنَازَعًا فِي تَخْصِيصِهِ، وَالآخَرُ مُتَّفَقًا عَلَى تَخْصِيصِهِ، فَيَكُونُ التَّعَلُّقُ بعُمُومٍ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَخْصِيصِهِ أَوْلَى».




[م] وهذا وجهٌ آخَرُ من وجوه الترجيح باعتبار المتن يتعلَّق بلفظ الحديث، وهو أن يُرجَّحَ العامُّ المحفوظُ الذي لم يخصَّص على الذي خُصِّص، أو يكون العامُّ اخْتُلِفُ في تخصيصه فإنه يُرجَّحُ على العموم المتفق على تخصيصه، وبهذا قال الجمهور(٢٤- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (339))، وتظهر أولويةُ العموم الذي لم يُجمَع على تخصيصه من وجهين:

الأول: إنَّ الذي دخله التخصيصُ قد أُزيل عن تمام مسمَّاه فكان مجازًا، بخلاف الذي لم يدخله التخصيصُ فلم يزل عن تمام مسمَّاه فكان حقيقةً، والحقيقةُ مقدَّمةٌ على المجاز.

الثاني: إنَّ الذي دخله التخصيصُ ضعيفٌ بالنظر إلى الاختلاف الحاصل في حُجِّية العموم بعد تخصيصه، هل يبقى حُجَّةً فيما بقي من العموم أم لا ؟(٢٥- فمذهب الجمهور أنه إذا خُصَّ العَامُّ بقي حُجَّةً بعد التخصيص إذا كان التخصيص بمُبيَّن، أمَّا إذا خُصَّ بمُبْهَمٍ فلا يكون حُجَّةً، وذهب عيسى بن إبان وأبو ثور إلى أنه لم يبق حُجَّةً بعد التخصيص، وقال آخرون إذا خُصَّ بمُتَّصلٍ يكون حُجَّةً، وإذا خُصَّ بمنفصلٍ فلا يكون حُجَّةً وبه قال الكرخي، وفي المسألة أقوال أخرى. [انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (1/286)، «التبصرة» للشيرازي (187)، «العدة» لأبي يعلى (2/539)، «إحكام الفصول» للباجي (247)، «سلاسل الذهب» للزركشي (244)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (137)])، والذي لم يخصَّص أرجح للاتفاق على حُجِّيَّتِه بخلاف المخصَّص، ففيه خلاف(٢٦- «الإبهاج» للسبكي (3/230)، «جمع الجوامع والمحلي عليه» (2/367)).

وخالف في هذه المسألة صفي الدِّين الهندي والسُّبكي ومَن وافقَهما، حيث يقرِّرون أنَّ العامَّ المخصَّص مُقدَّمٌ على الذي لم يدخله التخصيص لاعتبارين:

1- إنَّ الذي دخله التخصيصُ من العامِّ هو الغالب والكثيرُ، والذي لم يدخله التخصيص نادرٌ، والغالب أرجح من النادر.

2- إنَّ العامَّ المخصَّصَ قد قلَّت أفراده حتى قارب النصَّ، إذ كُلُّ عامٍّ لا بُدَّ أن يكون نصًّا في أقلّ متناولاته، وإذا قرب من الأقلِّ فقد قرب من التنصيص، والنصُّ أَوْلَى بالتقديم من الظاهر.

ومذهبُ الجمهور أقوى؛ لأنَّ العامَّ إذا دخله التخصيصُ وإن كان غالبًا أو قلَّت أفرادُه حتى قارب النصَّ فإنه يصير مجازًا ويضعف لفظُه، والعامُّ الذي لم يدخله التخصيصُ وإن كان نادرًا في الشريعة إلاَّ أنه باقٍ على قُوَّتِهِ للاتفاق على حُجِّيَّته؛ ولأنَّ دلالةَ العامِّ غيرِ المخصوصِ قطعيةٌ على الصحيح، بينما دلالةُ العامِّ المخصوصِ ظنِّيةٌ فيُرجَّحُ القطعيُّ على الظنِّيِّ، ولو كان العامُّ المخصوصُ قد قَلَّتْ أفرادُه حتى قارب النصَّ، فإنَّ العامَّ غيرَ المخصوصِ نصٌّ في جميع متناولاته قطعًا بالأصالة إذا خلا من ورود احتمال، بخلاف العامِّ المخصوصِ، فلذلك كان العامُّ الذي لم يقترن بما يمنع اعتبارَ عمومِهِ أَوْلَى مِن المقترن بما يمنع اعتبارَ عمومه.

وقد مثّل له المصنِّف بآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3]، فإنها ليست باقيةً على عمومها بإجماع المسلمين؛ لأنَّ الأُخت من الرضاع لا تحلُّ بملك اليمين بالاتفاق، للإجماع الحاصل في أنَّ عمومَ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يخصِّصُه عمومُ ﴿وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23]، وموطوءةُ الأب لا تحلُّ بمِلك اليمين بالاتفاق للإجماع على أنَّ عمومَ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يخصِّصُه عمومُ ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22]، أمَّا عمومُ آية ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23]، فإنها لم يدخلها تخصيصُ، فتقدَّم على الآية التي دخلها تخصيصٌ، وعليه فلا يجوز الجمع بين الأُختين بملك اليمين في التسري(٢٧- «إحكام الفصول» (749)، «المنهاج» كلاهما للباجي (229)، ذكر الشنقيطي في «أضواء البيان» (5/762‑763) خمسةَ أوجهٍ في ترجيح عموم ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ردَّ بها استدلالَ داود الظاهري ومَن تبعه على إباحته جمع الأختين بملك اليمين، فراجعه).

هذا، والمثالُ الذي ساقه المصنِّفُ غيرُ واردٍ في تعارُضِ خبرين عامَّين، وإنما أورد تعارض عامين من جهة الكتاب(٢٨- ولعلَّ تصدير المصنِّف للترجيح الخامس بإطلاق العمومين من غير تقييد هو الوجه المراد ليطابق المثال الذي أورده).



[ في ترجيح الخبر الذي يقصد به تشريع الحكم ]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 339]:

«وَالسَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ يُقْصَدُ بهِ بَيَانُ الحُكْمِ، وَالآخَرُ لاَ يُقْصَدُ بهِ بَيَانُ الحُكْمِ، فَيَكُونُ مَا قُصِدَ بهِ بَيَانُ الحُكْمِ أَوْلَى؛ لأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الاِحْتِمَالِ».




[م] وهذا الوجه من الترجيح يتعلَّق بدلالة الحديث، حيث يُرجَّح الخبر الذي يُقصد به تشريعُ الحكم على الخبر الذي لا يُقصد به بيان الحكم؛ لأنه أبلغ في المقصود وأبعدُ من الاحتمال، ومَثَّلَ له المصنِّف بما استدلَّ به الجمهور على طهارة جلود السباع(٢٩- تقدمت مسألة تأثير الدباغ بالطهارة في جلود ميتات الحيوان)، بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»(٣٠- تقدم تخريجه في)، الذي يعارضه ما استدلَّ به الأحنافُ على نهي النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ»(٣١- أخرجه أبو داود في «اللباس» (4/374) باب جلود النمور والسباع، والنسائي في «الفرع» (7/176) باب النهي عن الانتفاع بجلود السباع، والترمذي في «اللباس» (4/241) باب النهي عن جلود السباع، واللفظ له بزيادة: «أن تفترش» من حديث أسامة بن عُمير الهذليّ ‑والد أبي المليح‑. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (3/9) وفي «صحيح سنن أبي داود» (2/527)، وفي «صحيح الترمذي» (2/286))، فجوابُه: أنَّ الخبرَ الأوَّلَ قصد به شرع الحكم، أمَّا خبر الحنفية لم يكن واردًا على بيان الحكم، وإنما النهي تقرَّر لما في افتراشها من الخُيَلاء والسَّرَفِ والتشبُّه بالأعاجم، ويحتمل أن يكون نهيه عن افتراشها تعبُّدًا محضًا، وإن كانت طاهرة، فكان خبرُ الجمهور أبلغَ في الدلالة على المقصود، وأبعدَ من الاحتمال(٣٢- «إحكام الفصول» (749)، «المنهاج» كلاهما للباجي (230)، و«المستصفى» للغزالي (2/397)، انظر هذه المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (340)).

ومثالٌ آخَرُ ساقَهُ التلمسانيُّ في ترجيح حديث جبريل في أنه: «صَلَّى بِهِ العَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ»(٣٣- هو جزء من حديث طويلٍ أخرجه أبو داود في «الصلاة» (1/274) باب ما جاء في المواقيت، والترمذي في «الصلاة» (1/278) باب ما جاء في مواقيت الصلاة، وأحمد في «مسنده» (1/333)، والحاكم في «المستدرك» (1/193)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/364)، وابن خزيمة في « صحيحه» (1/168)، والدارقطني في «سننه» (1/258)، والطحاوي في «شرح معاني الأثار» (1/146) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/115-116)، وحديث إمامة جبريل رواه جمع من الصحابة رضي الله عنهم. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (1/222) وما بعدها])، على الحديث الذي تمسَّكت به الحنفيةُ من أنَّ أوَّلَ الوقت أن يصيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْه(٣٤- وهو إحدى الروايات عن أبي حنيفة رواها محمّد بن الحسن. [انظر: «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (1/178)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (1/80)، «الاختيار» لابن مودود (1/38)])، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابِ قَبْلَكُمْ مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ مَا بَيْنَ غَدْوَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ، فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلْ فِيمَا بَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ، فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلْ فِيمَا بَيْنَ العَصْرِ وَالمَغْرِبِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ، فَعَمِلْتُمْ أَنْتُمْ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، فَقَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا ؟ فَقَالُوا: لاَ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ»(٣٥- أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» (2/38) باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، والترمذي في «الأمثال» (5/153) باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله، وأحمد في «مسنده» (2/6، 111، 121، 129)، والبغوي في «شرح السنّة» (14/218) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما).

ووجه استدلال الحنفية: أنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ ما بين العصر والمغرب أقلّ ممَّا بين الزوال والعصر، ولا يصحُّ ذلك إلاَّ إذا كان أول وقت العصر أن يصير ظلُّ كُلِّ شيء مثليه(٣٦- انظر: «تبيين الحقائق» للزيلعي (1/79)). فجوابه: أنّ هذا الحديثَ قصد به ضرب المثل ولم يقصد به شرع الحكم، وأمَّا حديث جبريل فهو مقصود بنفسه في شرع الحكم(٣٧- «مفتاح الوصول» للتلمساني (639-641). وضمن هذا المعنى الترجيحي قال بعضُ الحنفية: تُرجَّحُ العبارة على الإشارة، فإنَّ حديث الإجارة سِيقَ لبيان فضيلة هذه الأُمَّة، وفيه الإشارة إلى أنَّ وقت الظهر أكثر من وقت العصر، بأن يبقى الظهر إلى أن يصير ظِلُّ كلِّ شيء مثليه، كما قال أبو حنيفة؛ لأنه لو انتهى عند ظِلِّ كُلِّ شيء مثله لكان وقت العصر أكثر من وقت الظهر، لكنه معارض بصلاة جبريل، وهو عبارة ترجَّحت على الإشارة. [«البحر المحيط» للزركشي (6/177)]).



[ في ترجيح الخبر المؤثر في الحكم ]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 340]:

«وَالسَّابعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ مُؤَثِّرًا فِي الحُكْمِ وَالآخَرُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِيهِ، فَيَكُونُ المُؤَثِّرُ أَوْلَى». …




… (يتبع)




--------------------------------------------------------------------------------

١- «إحكام الفصول» (746)، «المنهاج» كلاهما للباجي (228).

٢- تقدّم تخريجه.

٣- تقدّم تخريجه.

٤- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (ص 338)، والمصادر المذكورة في الوجه الرابع من الترجيح بالسند. وحريٌّ بالتنبيه إلى أَنَّ الزيادة في متن الحديث لا توجب اضطرابًا حتى يُقدَّم عليها الحديثُ المجرَّدُ عن الزيادة؛ لأنَّ الزيادة في المتن في معنى خبرين منفصلين؛ لأنَّ ما اتفقَا عليه لم يقع فيه اضطراب ولا اختلاف، وإنما انفراد أحدهما بزيادة على صاحبه، فهو بمثابة انفراد بخبر آخر. [«إحكام الفصول» (746)].

٥- المراد بالرِّقَة الفضّة والدراهم المضروبة منها، وأصل اللفظة الوَرِق، وهي الدراهم المضروبة خاصّة، فحذفت الواو وعوض منها الهاء، وتجمع الرِّقة على رقات، ورقين. [«النهاية» لابن الأثير (2/254)].

٦- أخرجه البخاري في «الزكاة» (3/317) باب زكاة الغنم، وأبو داود في «الزكاة» (2/214) باب في زكاة السائمة، والنسائي في «الزكاة» (5/27) باب زكاة الغنم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

٧- مسألة وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون مختلف فيها، ويرجع سبب اختلافهم إلى مفهوم الزكاة الشرعية، هل هي عبادة كالصلاة والصيام، أم هي حقٌّ واجب للفقراء على الأغنياء ؟ فمن قال: إنها عبادة، اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها حقّ واجب للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، لم يعتبر في ذلك البلوغ من غيره. [«بداية المجتهد» لابن رشد (1/245)].

٨- أخرجه أبو داود في «الحدود» (4/558) باب المجنون يسرق أو يصيب حدًّا، والترمذي في «الحدود» (4/32) باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحدّ، وابن ماجه في «الطلاق» (1/658) باب طلاق المعتوه والصغير والنائم من حديث علي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (3/179)، وفي «إرواء الغليل» (2/5).

٩- «إحكام الفصول» (746)، «المنهاج» كلاهما للباجي (228)، وانظر المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (338).

١٠- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (338).

١١- المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة هو مذهب ابن عمر رضي الله عنه، وإليه ذهب مالك والشافعي. [«المنتقى» للباجي (2/276)].

١٢- «إحكام الفصول» (747)، «المنهاج» كلاهما للباجي (228).

١٣- مذهب مالك اشتراط الولاية على الزواج، وهو مرويٌّ عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم، وإليه ذهب سعيد بن المسيِّب والحسن وعمر بن عبد العزيز والشافعي وأحمد وغيرهم خلافًا لأبي حنيفة فإنه لم يشترطه في العقد. [انظر: «الأم» للشافعي (5/13)، «المهذب» للشيرازي (2/36)، «المقدمات الممهِّدات» لابن رشد (1/471)، «المنتقى» للباجي (3/267)، «المغني» لابن قدامة (6/449)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (2/117)].

١٤- أخرجه أبو داود في «النكاح» (2/568)ﺑ، باب في الولي، والترمذي في «النكاح» (3/407) باب ما جاء لا نكاح إلاَّ بولي، وابن ماجه في «النكاح» (1/605) باب لا نكاح إلاَّ بولي، وأحمد (4/494، 413، 418)، والدارمي (2/137)، والدارقطني (3/219)، والبيهقي (7/107)، والخطيب البغدادي في «الكفاية» (449) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. والحديث صحيح بطرقه وشواهده. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (3/183)، «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/156)، «إرواء الغليل» للألباني (6/235)].

١٥- أخرجه مسلم في «النكاح» (9/204) باب استئذان الثيِّب في النكاح، وأبو داود في «النكاح» (2/577) باب في الثيِّب، والترمذي في «النكاح» (3/416) باب ما جاء في استئمار البكر والثيِّب، والنسائي في «النكاح» (6/84) باب استئذان البكر في نفسها، وابن ماجه في «النكاح» (1/601) باب استئمار البكر والثيِّب من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

١٦- «المنتقى» للباجي (3/266).

١٧- «إحكام الفصول» (748)، «المنهاج» كلاهما للباجي (226)، والأحناف لا يصار عندهم إلى الجمع إلاَّ إذا تعذّر الترجيح ويكون الجمع بقدر الإمكان للضرورة. [انظر: المصادر المثبتة على هامش «الإشارة» (339)].

١٨- وقد تقدم بيان هذا النوع من الجمع.

١٩- «المنتقى» للباجي (3/266).

٢٠- أخرجه مسلم في «الأقضية» (12/17) باب بيان خير الشهود، وأبو داود في «الأقضية» (4/21) باب في الشهادات، والترمذي في «الشهادات» (4/544) باب ما جاء في الشهداء أيهم خير، وابن ماجه «الأحكام» (2/792) باب الرجل عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها، وأحمد في «المسند» (4/115، 5/192) من حديث خالد الجُهَنِيِّ رضي الله عنه.

٢١- أخرجه البخاري في «الشهادات» (5/258) باب لا يشهد على شهادة جَوْر إذا شهد، ومسلم في «فضائل الصحابة» (16/87) باب الصحابة ثمَّ الذين يلونهم، والترمذي في «الفتن» (4/500) باب ما جاء في القرن الثالث، وأحمد في «المسند» (4/426، 436، 440).

٢٢- قال النووي في «شرح مسلم» (16/87): «ويلتحق به من كانت عنده شهادة حسبة وهي الشهادة بحقوق الله تعالى، فيأتي القاضي ويشهد بها وهذا ممدوح إلاَّ إذا كانت الشهادة بحدّ ورأى المصلحة في الستر، هذا الذي ذكرناه من الجمع بين الحديثين هو مذهب أصحابنا ومالك وجماهير العلماء وهو الصواب».

٢٣- «فتح الباري» لابن حجر (5/260)، قال النووي في «شرح مسلم» (12/17): «وقد تأوّل العلماء هذا تأويلات أصحّها تأويل أصحابنا أنه محمول على من معه شهادة لآدمي عالم بها فيأتي فيشهد بها قبل أن تطلب منه، والثاني: أنه محمول على شاهد الزور فيشهد بما لا أصل له ولم يستشهد، والثالث: أنه محمول على من ينتصب شاهدًا وليس هو من أهل الشهادة، والرابع: أنه محمول على من يشهد لقوم بالجنّة أو بالنار من غير توقّف وهذا ضعيف». [انظر: «معالم السنن» للخطابي (4/22)، «فتح الباري» لابن حجر (5/260)].

٢٤- انظر: المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (339).

٢٥- فمذهب الجمهور أنه إذا خُصَّ العَامُّ بقي حُجَّةً بعد التخصيص إذا كان التخصيص بمُبيَّن، أمَّا إذا خُصَّ بمُبْهَمٍ فلا يكون حُجَّةً، وذهب عيسى بن إبان وأبو ثور إلى أنه لم يبق حُجَّةً بعد التخصيص، وقال آخرون إذا خُصَّ بمُتَّصلٍ يكون حُجَّةً، وإذا خُصَّ بمنفصلٍ فلا يكون حُجَّةً وبه قال الكرخي، وفي المسألة أقوال أخرى. [انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (1/286)، «التبصرة» للشيرازي (187)، «العدة» لأبي يعلى (2/539)، «إحكام الفصول» للباجي (247)، «سلاسل الذهب» للزركشي (244)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (137)].

٢٦- «الإبهاج» للسبكي (3/230)، «جمع الجوامع والمحلي عليه» (2/367).

٢٧- «إحكام الفصول» (749)، «المنهاج» كلاهما للباجي (229)، ذكر الشنقيطي في «أضواء البيان» (5/762‑763) خمسةَ أوجهٍ في ترجيح عموم ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ردَّ بها استدلالَ داود الظاهري ومَن تبعه على إباحته جمع الأختين بملك اليمين، فراجعه.

٢٨- ولعلَّ تصدير المصنِّف للترجيح الخامس بإطلاق العمومين من غير تقييد هو الوجه المراد ليطابق المثال الذي أورده.

٢٩- تقدمت مسألة تأثير الدباغ بالطهارة في جلود ميتات الحيوان.

٣٠- تقدم تخريجه في.

٣١- أخرجه أبو داود في «اللباس» (4/374) باب جلود النمور والسباع، والنسائي في «الفرع» (7/176) باب النهي عن الانتفاع بجلود السباع، والترمذي في «اللباس» (4/241) باب النهي عن جلود السباع، واللفظ له بزيادة: «أن تفترش» من حديث أسامة بن عُمير الهذليّ ‑والد أبي المليح‑. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (3/9) وفي «صحيح سنن أبي داود» (2/527)، وفي «صحيح الترمذي» (2/286).

٣٢- «إحكام الفصول» (749)، «المنهاج» كلاهما للباجي (230)، و«المستصفى» للغزالي (2/397)، انظر هذه المسألة في المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (340).

٣٣- هو جزء من حديث طويلٍ أخرجه أبو داود في «الصلاة» (1/274) باب ما جاء في المواقيت، والترمذي في «الصلاة» (1/278) باب ما جاء في مواقيت الصلاة، وأحمد في «مسنده» (1/333)، والحاكم في «المستدرك» (1/193)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/364)، وابن خزيمة في « صحيحه» (1/168)، والدارقطني في «سننه» (1/258)، والطحاوي في «شرح معاني الأثار» (1/146) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصحَّحه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1/115-116)، وحديث إمامة جبريل رواه جمع من الصحابة رضي الله عنهم. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (1/222) وما بعدها].

٣٤- وهو إحدى الروايات عن أبي حنيفة رواها محمّد بن الحسن. [انظر: «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (1/178)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (1/80)، «الاختيار» لابن مودود (1/38)].

٣٥- أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» (2/38) باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، والترمذي في «الأمثال» (5/153) باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله، وأحمد في «مسنده» (2/6، 111، 121، 129)، والبغوي في «شرح السنّة» (14/218) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

٣٦- انظر: «تبيين الحقائق» للزيلعي (1/79).

٣٧- «مفتاح الوصول» للتلمساني (639-641). وضمن هذا المعنى الترجيحي قال بعضُ الحنفية: تُرجَّحُ العبارة على الإشارة، فإنَّ حديث الإجارة سِيقَ لبيان فضيلة هذه الأُمَّة، وفيه الإشارة إلى أنَّ وقت الظهر أكثر من وقت العصر، بأن يبقى الظهر إلى أن يصير ظِلُّ كلِّ شيء مثليه، كما قال أبو حنيفة؛ لأنه لو انتهى عند ظِلِّ كُلِّ شيء مثله لكان وقت العصر أكثر من وقت الظهر، لكنه معارض بصلاة جبريل، وهو عبارة ترجَّحت على الإشارة. [«البحر المحيط» للزركشي (6/177)].
من موقع الشيخ حفظه الله
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-03-2010, 09:02 AM   #27
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي

[ في ترجيح الخبر المؤثر في الحكم ]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 340]:
«وَالسَّابعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ مُؤَثِّرًا فِي الحُكْمِ وَالآخَرُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِيهِ، فَيَكُونُ المُؤَثِّرُ أَوْلَى».
[م] وهذا وجهٌ من وجوه الترجيح باعتبار المتن يتعلَّق بلفظ الحديث، حيث يتضمَّن أحدُ الخبرين إثباتَ ما ظهر تأثيرُه في الحكم دون الآخر.
وقد مثَّل له المصنِّف بما يَستدلُّ به الحنفيُّ في إثباتِ الخيار للأَمَة إذا أُعتقت تحت الحُرِّ برواية الأسود بن يزيد(١- هو أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، الإمام القدوة، كان مخضرمًا أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكان رأسًا في العلم والعمل، وهو معدود من كبار التابعين، ومن أعيان ابن مسعود رضي الله عنه، ومن كبار أهل الكوفة توفي سنة (75ﻫ). [انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (6/70)، «التاريخ الكبير» للبخاري (1/449)، «المعارف» لابن قتيبة (432)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (2/291)، «طبقات الفقهاء» للشيرازي (79)، «الاستيعاب» لابن عبد البر(1/92)، «أسد الغابة» لابن الأثير (1/88)، «البداية والنهاية» لابن كثير (9/12)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (1/55)، «الإصابة» لابن حجر (1/106)، «طبقات الحفاظ» للسيوطي (22)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/82)].) عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ بَرِيرَةَ(٢- هي بريرة مولاة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، كانت مولاة لقوم من الأنصار فكاتبوها، ثمّ باعوها من عائشة رضي الله عنه فأعتقتها تحت زوج لها يسمى مغيثًا، فخيَّرها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فاختارت فِراقه وكان يُحبُّها، وقصتها مشهورة في الصحيحين، وفي شأنها ورد حديث: «إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وعاشت إلى زمن يزيد بن معاوية. [انظر ترجمتَها في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (8/256)، «المستدرك» للحاكم (4/71)، «الاستيعاب» لابن عبد البر (4/1795)، «أسد الغابة» لابن الأثير (5/409)، «سير أعلام» النبلاء للذهبي (2/297)، «الإصابة» لابن حجر (4/251)، «أعلام النساء» لكحالة (1/129)].) عُتِقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ»(٣- أخرجه البخاري (12/40)، وأبو داود (2/672)، والترمذي (3/461)، والنسائي (6/163)، وابن ماجه (1/670)، وأحمد في «مسنده» (6/42، 170، 175، 186)، والدارمي في «سننه» (2/169)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (7/223)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/82) من رواية الأسود عن عائشة رضي الله عنها.)، فيعارضه المالكيُّ برواية القاسم بن محمَّد(٤- هو أبو محمَّد القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي البكري المدني، الإمام الحافظ الحُجَّة من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة، وأفضل أهل زمانه علمًا وأدبًا وفقهًا، وله مناقب وجملة من الأحاديث توفي سنة (107ﻫ). [انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (5/187)، «التاريخ الكبير» للبخاري (7/157)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (7/118)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (4/59)، «البداية والنهاية» لابن كثير (9/250)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (5/53)، «طبقات الحفاظ» للسيوطي (44)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/135)].) وعروة بن الزبير(٥- هو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني، من أجلِّ علماء التابعين، وأحد الفقهاء السبعة، كان ثِقةً فقيهًا عالِمًا ثَبْتًا حُجَّةً كثيرَ الحديث، عالِمًا بالسِّيَرِ، توفي سنة (94ﻫ). [انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» لابن سعد (5/178)، «التاريخ الكبير» للبخاري (7/31)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (6/395)، «طبقات الفقهاء» للشيرازي (58)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (3/255)، «البداية والنهاية» لابن كثير (6/101)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (4/421)، «طبقات الحفاظ» للسيوطي (29)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/103)].) عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ بَرِيرَةَ عُتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ»(٦- أمَّا رواية ابن القاسم عن عائشة رضي الله عنها فقد أخرجها مسلم (10/146)، وأبو داود (2/672)، والنسائي (6/165)، وابن ماجه (1/670)، وأحمد (6/180)، والدارمي (2/169)، والبيهقي (7/220)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/82). وأمَّا رواية عروة فقد أخرجها مسلم (10/147)، وأبو داود (2/672)، والترمذي (3/461)، والنسائي (6/164)، والدارقطني (3/22)، والبيهقي (7/221)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/82).)، فخيَّرها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، والرواية الثانية أقوى؛ لأنَّ ضرر الرِّقِّ في الخيار قد ظهر أثره، فالعبودية مؤثِّرة في الخيار وتختصُّ به، ولا يجري ذلك في الحرِّ؛ لأنَّ الحرية لا تؤثِّر في الخيار ولا تختصُّ به، فالتعلُّق بالرواية المؤثِّرة أولى(٧- «إحكام الفصول» (750)، «المنهاج» كلاهما للباجي (230)، «المستصفى» للغزالي (2/398).).
ومن جهة أخرى فإنَّ القاسم وعروة سمعا الحديث من غير حجاب، فروايتهما مُقدَّمةٌ على رواية الأسود بن يزيد(٨- أخرجه البخاري (12/40)، وأبو داود (2/672)، والترمذي (3/461)، والنسائي (6/163)، وابن ماجه (1/670)، وأحمد (6/43، 170)، والدارمي (2/169)، والبيهقي (7/223)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/82).) مع ما فيها من انقطاع(٩- جعل الإمام البخاري لفظ «كان حرًّا» من قول الأسود لا من كلام عائشة رضي الله عنها وتعقَّبه بقوله: «قول الأسود منقطع»، وقول ابن عباس رضي الله عنهما: «رأيته عبدًا» أصحّ. [«صحيح البخاري» (12/41)]. [انظر هذا الاختلاف بين نقل أهل المدينة وأهل العراق في «شرح السُّنَّة» للبغوي (9/110)، «فتح الباري» لابن حجر (9/407)].).

[ في ترجيح الخبر الوارد على غير سبب ]

قالالباجي -رحمهالله- في [ص 340]:
«وَالثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَالآخَرُ وَرَدَ عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ، فَيُقَدَّمُ مَا وَرَدَ عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ عَلَى الوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ؛ لأَنَّ مُعَارَضَةَ الخَبَرِ الآخَرِ لَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى سَبَبهِ».
[م] وهذا الوجه من الترجيح يتعلَّق بدلالة الحديث، بحيث يُقدَّمُ الخبرُ الواردُ على غيرِ سببٍ على الوارد على سببٍ، كما يُقدَّمُ الخبرُ الواردُ على سببٍ على الوارد على غير سبب، فإنّ الوارد على غير سببٍ أرجحُ في غير السبب، والوارد على سبب أرجحُ في السبب(١٠- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (340).).
ومثَّل لذلك المصنِّف -رحمه الله- باستدلال المالكية في قتل المرتدَّة(١١- مذهب الجمهور أنه لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل عند حدوث الرِّدَّة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وهو مرويٌّ عن أبي بكر وعلي، وبه قال الزهري والنخعي ومكحول وغيرُهم، وذهب أبو حنيفة وأصحابُه إلى أنّ المرتدّة لا تقتل بل تجبر على الإسلام بالحبس والضرب، وذهب رأي ثالث إلى أنها تسترق ولا تقتل. [انظر تفصيل هذه المسألة في: «التفريع» لابن الجلاب (2/231)، «المهذب» للشيرازي (2/223)، «بداية المجتهد» لابن رشد (2/459)، «المغني» لابن قدامة (8/123)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (3/530)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (3/284)، «الاختيار» لابن مودود (4/149)، «القوانين الفقهية» لابن جزي (350)، «مغني المحتاج» للشربيني (4/139)].) بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»(١٢- تقدم تخريجه.)، فيُعارضُهم الأحناف بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ»(١٣- أخرجه البخاري في «الجهاد» (6/148) باب قتل الصبيان في الحرب، باب قتل النساء في الحرب، ومسلم في «الجهاد والسير» (12/48) باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، وأبو داود في «الجهاد» (3/121) باب في قتل النساء، والترمذي في «السير» (4/136) باب ما جاء في النهي عن قتل النساء والصبيان، وابن ماجه في «الجهاد» (2/947) باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.)، فيقول المالكية: حديثنا أَوْلَى بالتقديم؛ لأنَّ حديثَكم ورد على سببٍ، وهو «أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ فِي غَزَوَاتِهِ امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ»، فهو وارد على سببٍ وهو تحريم قتلها في الحرب(١٤- قال النووي في «شرح مسلم» (12/48): «أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون».)، هو أرجحُ في السبب، بينما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإنه وارد على غير سببٍ فكان أرجح فيه، فمعارضة الخبر الآخر له يدلُّ على قصره على سببه(١٥- «إحكام الفصول» (751)، «المنهاج» كلاهما للباجي (230).).
ومثاله -أيضًا- ما ذكره التلمسانيُّ بقوله: «ترجيح ما روي أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَرَّ بِشَاةِ مَيْمُونَةَ فقال: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»(١٦- تقدم تخريجه.)، على قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ»(١٧- تقدم تخريجه.)، فإنَّ الخبر الأوَّل أرجحُ في جِلد ما يُؤكل لحمُه؛ لأنه كالنصِّ فيه إذ هو السبب، وترجيح الحديث الثاني على الأَوَّل في أنَّ ما لا يُؤكل لحمه لا يُنتفع بجِلده وإن دُبِغَ؛ لأنه قد اختلف في العمل بالعامِّ الوارد على سببٍ في غير السبب(١٨- إذا ورد اللفظ العامُّ ابتداءً على سببٍ فإن كان مُستقِلًّا بنفسه فإنَّ العبرة فيه -عند جمهور الأصوليِّين- بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعليه أكثرُ المالكية، أمَّا إذا لم يستقلَّ بنفسه فلا خلاف بين أهل العلم في تبعية الجواب غير المستقِلِّ للسؤال أو الحادثة في عمومه اتفاقًا، وأمَّا في الاعتبار في خصوصه فقيل: إنه لا نزاع في ذلك، والصحيح أنه محلُّ خلافٍ بين الأصوليِّين، ويتبع السؤال في خصوصه في أحد قولي العلماء، وهو المختار عند الجمهور، وفي هذه المسألة آراء أخرى، وقد تقدَّمت هذه المسألة. [انظر: (ص 145)].)»(١٩- «مفتاح الوصول» للتلمساني (642).).
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-03-2010, 09:04 AM   #28
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي

[ في ترجيح الخبر المقضي به في موضع ]
قالالباجي -رحمهالله- في [ص 341]:
«وَالتَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ قَدْ قُضِيَ بهِ عَلَىالآخَرِ فِي مَوْضِعٍ مِنَ المَوَاضِعِ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْهُ فِيسَائِرِ المَوَاضِعِ».
[م] وهذا الوجه من الترجيح يتعلَّق اعتباره بلفظ الحديث، بحيث تظهر أولوية الخبر الذي يترجَّحُ على الخبر الآخر في موضعٍ فيكون مُقدَّمًا عليه في سائر المواضع، وقد مَثَّل له المصنِّف باستدلال المالكي في وجوب قضاء الفوائت في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها(٢٠- ما عليه جمهور الصحابة والتابعين جواز قضاء الفوائت المكتوبة في أوقات النهي وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد واستدلُّوا بما ذكره المصنِّف وبحديث: «إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلاَةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتِ الأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّ حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا». [أخرجه مسلم في «المساجد» (5/186) باب قضاء الفائتة واستحباب تعجيله من حديث أبي قتادة رضي الله عنه]، وهذا بخلاف ما عليه أهل الرأي والأحناف، فلا يجوز قضاء الفائتة عندهم في أوقات النهي للحديث الذي أورده المصنِّف، كما احتجُّوا بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم «لَـمَّا نَامَ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَخَّرَهَا حَتَّى ابْيَضَّتْ». [أخرجه البخاري في «التيمم» (1/447) باب الصعيد الطيب، ومسلم في «المساجد» (5/190) باب قضاء الفائتة من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه]. وكذلك استدلُّوا بجُملةٍ من الآثار، والصحيح في ذلك قضاءُ الفوائت في أوقات النهي وغيرِها لما تقدَّم من الأحاديث الدالَّة على الأمر بالصلاة حين ذكرها أو الاستيقاظ لها من غير استثناء لأوقات النهي، أمَّا تأخير النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الصلاةَ حتى ابيضَّتِ الشمسُ فجوابه: أنه أيقظهم حَرُّ الشمس من جهة، وقد عَلَّل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ المانع من الصلاة في الحال أنه مكان حضره الشيطانُ، فجعل المانعَ من الصلاة المكانَ لا الزمان، أمَّا النهيُّ فمخصوصٌ في الوقتين الآخرين، وبعصر يومه، ويلحق محلّ النِّزاع على المخصوص، أمَّا الآثار الواردة فغاية ما تدلُّ عليه جوازُ التأخير لا تحريمُ الفعل. [انظر: «المدونة» لابن القاسم (1/130)، «الأم» للشافعي (1/148)، «الكافي» لابن عبد البر (53)، «المبسوط» للسرخسي (1/150)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (286)، «المغني» لابن قدامة (2/107)]. وكذلك يُشرع قضاءُ السُّنن الرواتبِ إذا فات وقتها في الأوقات المنهي عنها في أصحِّ أقوال العلماء، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لمذهب مالك والأحناف. [انظر: «الكافي» لابن عبد البر (53)، المهذب للشيرازي (1/99)، «بداية المجتهد» لابن رشد (1/103)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (1/314)، «المغني» لابن قدامة (2/117)، «المجموع» للنووي (4/168)، «فتح الباري» لابن حجر (2/59)].) بحديث: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»(٢١- متفق عليه، تقدم تخريجه.)، فيُعارضه الحنفيُّ «بنَهْيِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ»(٢٢- متفق عليه، تقدم تخريجه.)، فيقول المالكي: خَبرُنا أَوْلَى بالتقديم؛ لأنه قد قضى به على حديثكم في عصر يومه، فثبت تقديمه عليه(٢٣- «إحكام الفصول» (751)، «المنهاج» كلاهما للباجي (231).).

[ في ترجيح الخبر الوارد بألفاظ مختلفة متحدة المعنى ]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 341]:
«وَالعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ المَعْنَيَيْنِ وَارِدًا بأَلْفَاظٍ مُتَغَايرَةٍ وَعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَيَكُونُ أَوْلَى مِمَّا رُوِيَ مِنَ أَخْبَارِ الآحَادِ بلَفْظٍ وَاحِدٍ؛ لأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالتَّحْرِيفِ».
[م] وهذا وجهٌ من وجوه الترجيح باعتبار المتن يتعلَّق بلفظ الحديث، حيث يُرجَّحُ ما ورد بألفاظٍ مُتغايِرةٍ وعباراتٍ مُختلفةٍ على ما روي بلفظٍ واحدٍ من طريق واحدٍ(٢٤- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (ص 341).)، ومثَّل له المصنِّف باستدلال المالكي على صِحَّة صلاة من صَلَّى خلف الصفِّ بحديث أبي بكرة رضي الله عنه(٢٥- هو أبو بكرة نُفَيع بن الحارث، وقيل: نُفيع بن مَسروح الثقفي الطائفي، تدلَّى في حصار الطائف بِبَكرة فاشتهر بأبي بكرة، وكان من فضلاء الصحابة، وسكن البصرة وأنجب أولادًا لهم شهرة، وروى عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عنه أولادُه، وتوفي سنة (51ﻫ). [انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» (7/15)، «المعارف» لابن قتيبة (288)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (8/489)، «الاستيعاب» لابن عبد البر (4/1614)، «أسد الغابة» لابن الأثير (5/151)، «الكامل» لابن الأثير (3/489)، «البداية والنهاية» لابن كثير (8/57)، «الإصابة» لابن حجر (3/571)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (3/5)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/58)].) أنه أحرم خَلْفَ الصَّفِّ بمفرده ثمَّ تقدَّم فدخل في الصفِّ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد فراغه من صلاته: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ(٢٦- وَلاَ تَعُدْ: من العود، أي: لا تفعل مثل ما فعلت ثانيًا، وروي: «لاَ تَعْدُ» من العدو، أي: لا تسرع المشي إلى الصلاة، واصبر حتى تصل إلى الصفِّ، ثمَّ اشرع في الصلاة، وقيل: «لا تُعِدْ» من الإعادة، أي: لا تُعِدِ الصلاةَ التي صلَّيتها، وحكى النووي الأقوال الثلاثة وقال: الأنسب لا تعد إلى الإحرام خلف الصفِّ، والأجمع ما قال العسقلاني: ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضمِّ العين من العود أي: لا تَعُدْ إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثمَّ من الركوع دون الصفِّ، ثمَّ من المشي إلى الصف. [انظر: «مرقاة المفاتيح» للقاري (3/184)]، قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/64) رقم (230) -بعد تحقيق مفصّل-: «ويتلخَّص ممَّا تقدَّم أنَّ النهيَ لا يشمل الاعتداد بالركعة ولا الركوع دون الصفِّ، وإنما هو خاصٌّ بالإسراع لمنافاته للسكينة والوقار -كما تقدَّم التصريحُ بذلك من حديث أبي هريرة- وبهذا فسَّره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «قوله: لا تعد يشبه قولَه: لا تأتوا الصلاةَ تسعون»، ذكره البيهقي في «سننه»: (2/90)].)»(٢٧- أخرجه البخاري في «الأذان» (2/190) باب يقدم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين، ومسلم في «صلاة المسافرين» (6/44) باب صلاة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ودعائه بالليل، وأبو داود في «الصلاة» (1/407) باب الرجلين يؤم أحدُهما صاحبَه كيف يقومان، والترمذي في «الصلاة» (1/451) باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجلٌ، والنسائي في «الإمامة» (2/86) باب موقف الإمام إذا كان معه صبي وامرأة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.)، ولم يأمره بالإعادة، وحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه وقف عن يسار النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فأداره عن يمينه(٢٨- أخرجه البخاري في «الأذان» (2/190)، باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء، ومسلم في «صلاة المسافرين» (6/44)، باب صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعائه بالليل، وأبو داود في «الصلاة» (1/407)، باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان، والترمذي في «الصلاة» (1/451)، باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل، والنسائي في «الإمامة» (2/86)، باب موقف الإمام إذا كان معه صبي وامرأة من حديث ابن عباس رضي الله عنها.).
فيعارضه الحنبلي(٢٩- وعند الحنابلة أنَّ مَن ركع دون الصفِّ ثمَّ دخل فيه لا يخلو من ثلاثة أحوال ذكرها ابن قدامة في «المغني» (2/234)، قال: «إمَّا أن يصلي ركعةً كاملةً فلا تصح صلاته لقول النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ صَلاَةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، والثاني: أن يدب راكعًا حتى يدخلَ في الصفِّ قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، أو يأتي آخَرُ فيقف معه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فإنَّ صلاته تصحٌّ؛ لأنه أدرك مع الإمام في الصفِّ ما يدرك به الركعة… والحال الثالث: إذا رفع رأسه من الركوع، ثمَّ دخل في الصفِّ، أو جاء آخر فوقف معه قبل إتمام الركعة، فمتى كان جاهلًا بتحريم ذلك صَحَّت صلاتُه، وإن علم لم تصحَّ، وروى أبو داود عن أحمد: أنه يصحُّ ولم يفرق، وهذا مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنَّ أبا بكرة فعل ذلك، وفَعَله من ذكرنا من الصحابة». قلت: والرأي الأخير للإمام أحمد ذكره أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» (ص 35)، قال: سمعت أحمد عن رجلٍ رَكَعَ دون الصفِّ ثمَّ مشى حتى دخل في الصفِّ، وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصفّ ؟ قال تجزيه ركعة، وإن صلى خلف الصف وحده أعاد الصلاة»، قال أحمد شاكر في «سنن الترمذي» (1/451): «والذي قال أحمد هو الجواب الراجح والجمع الصحيح بين حديث وابصة وبين حديث أبي بكرة».)، بحديث وَابِصَةَ(٣٠- هو أبو سالم وَابِصَة بن مَعْبَد بن عتبة بن مالك الأسدي، وفد على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم سنة تسع وروى عنه وعن ابن مسعود. [انظر ترجمته في: «الاستيعاب» لابن عبد البر (4/1563)، «أسد الغابة» لابن الأثير (5/76)، «الإصابة» (3/626)، «تهذيب التهذيب» كلاهما لابن حجر (11/100)].) أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم رآه صَلَّى وحده خلف الصفِّ فقال له: «أَعِدْ صَلاَتَكَ فَإِنَّهُ لاَ صَلاَةَ لِمُنْفَرِدٍ»(٣١- أخرجه أبو داود في «الصلاة» (1/439) باب الرجل يصلي وحده خلفَ الصف، والترمذي في «الصلاة» (1/445) باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده، وابن ماجه في «إقامة الصلاة» (1/321) باب صلاة الرجل خلف الصف وحده من حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه، والحديث صححَّه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» برقم: (682).).
فيقول المالكيُّ: ما رويناه أَوْلَى؛ لأنه ورد بألفاظٍ متغايِرَةٍ مختلفةٍ، مُتَّفقةِ المعنى، وهذا يمنع من تأويلها على غير هذا الوجه، ويُؤمن فيه الغلط والسهو والتحريف، بخلاف ما رويتموه، فإنه منقولٌ بلفظٍ واحدٍ، فيحتمل التغيير والتحريف، ويجوز عليه السهو والغلط»(٣٢- «إحكام الفصول» (452)، «المنهاج» كلاهما للباجي (231).).
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-03-2010, 09:05 AM   #29
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي

[ في ترجيح الخبر نافي النقص عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم]
• قال الباجي -رحمه الله- في [ص 341]:
«وَالحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الخَبَرَيْنِ يَنْفِي النَّقْصَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَالآخَرُ يُضِيفُهُ إِلَيْهِمْ، فَيَكُونُ النَّافِي أَوْلَى؛ لأَنَّهُ أَشْبَهُ بفَضْلِهِمْ وَدِينِهِمْ وَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ».
[م] وهذا الوجه من الترجيح يتعلَّق بدلالة الحديث، حيث يتضمَّن أحد الخبرين نفي النَّقص عن الصحابة رضي الله عنهم بينما يُضيفُ الخبرُ المعارِض النَّقصَ إليهم، فيكون الذي ينفيه عنهم أَوْلَى بالتقديم من الذي يُوجِب غضًّا من منصب الصحابة رضي الله عنهم الذين زكَّاهمُ اللهُ تعالى ورسوله وأثنى عليهم(٣٣- انظر: «المستصفى» للغزالي (2/397)، «الإحكام» للآمدي (3/279)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (4/707)، والمصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (341).).
وقد مثَّل له المصنِّف باستدلال المالكية على أنَّ الضحك في الصلاة لا ينقض الوضوء(٣٤- وعدم نقض الوضوء من الضحك، هو مذهب جمهور العلماء؛ لأنَّ الوجوب من الشارع ولم ينصَّ الشارع في إيجاب الوضوء من الضحك ولا يلحقه شيءٌ بالقياس، وما استدلّ به الأحناف والهادوية وأصحاب الرأي من الأحاديث في نقض الوضوء به فهي أسانيد ضعاف لا يثبت منها شيء. [انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (1/40)، «المغني» لابن قدامة (1/177)، «بدائع الصنائع» للكاساني (1/48)، «المجموع» للنووي (2/60)، «شرح فتح القدير» لابن الهمام (1/52)، «السيل الجرار» للشوكاني (1/100)].) بحيث: «لاَ وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ»(٣٥- تقدم تخريجه.)، فيُعارضهم الحنفيةُ بحديث: «بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ ضَرِيرٌ، فَوَقَعَ فِي حُفْرَةٍ، فَضَحِكْنَا مِنْهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِإِعَادَةِ الوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ»(٣٦- أخرجه الدارقطني في «الطهارة» (1/169) باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها، وابن الجوزي في «التحقيق» (1/195)، وفي «العلل» له (1/369)، من حديث أبي مليح بن أسامة عن أبيه رضي الله عنه، والحديث ضعيف الإسناد. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (1/49)، «الدراية» لابن حجر (1/36)، «طريق الرشد» للشيخ عبد اللطيف (1/36)]. قال النووي في «المجموع» (2/61): «وأمَّا ما نقلوه عن أبي العالية ورفقته، وعن عمران وغير ذلك ممَّا رووه فكلّها ضعيفة واهية باتفاق أهل الحديث، قالوا: ولم يصحَّ في هذه المسألة حديث، وقد بيَّن البيهقي وغيرُه وجوه ضعفها بيانًا شافيًا».).
فجواب المالكية: أنَّ خبرنا أولى بالتقديم؛ لأنَّ خبركم -بغضِّ النظر عن ضعفه- فيه إضافة نقصٍ وقسوةٍ إلى الصحابة رضي الله عنهم بأنهم يضحكون في الصلاة من رجلٍ أعمى، فهذا الجفاء ينافي حرصهم على الإقبال على الصلاة، والخشوع فيها من جهة، كما يضادُّه -من جهة أخرى- ما وصفهم الله به من التراحم والتعاطف بينهم كما قال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 48](٣٧- «إحكام الفصول» (753)، «المنهاج» كلاهما للباجي (232).).
بـاب
ترجيح المعاني
المرادُ بترجيح المعاني هو ترجيح العِلل والأقيسة، وهي كبقية الأدلة على مراتبَ متفاوتةٍ، في القُوَّة والضعف بالنظر إلى اتساع الاجتهادات ومنافسة القائسين، وطريق دفع التعارض بين قِيَاسَين: النظر إن كان لأحدهما مزية أو فضل فإنه يُقدَّمُ على ما دونه، سواء كان الفضل واردًا من طريق الأصل وهو المقيس عليه المنصوص على حكمه، أو بحَسَبِ الفرع وهو المقيس الذي سكت الشارع عنه، أو بحسَب العِلَّة التي هي الوصفُ الجامع بين الأصل والفرع، أو بحسَب حكم الأصل، وقد تكون المرجِّحاتُ بحسَب الأمر الخارجيِّ عن الأركان الأربعة للقياس... (يتبع).

١- هو أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، الإمام القدوة، كان مخضرمًا أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكان رأسًا في العلم والعمل، وهو معدود من كبار التابعين، ومن أعيان ابن مسعود رضي الله عنه، ومن كبار أهل الكوفة توفي سنة (75ﻫ).
[انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (6/70)، «التاريخ الكبير» للبخاري (1/449)، «المعارف» لابن قتيبة (432)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (2/291)، «طبقات الفقهاء» للشيرازي (79)، «الاستيعاب» لابن عبد البر(1/92)، «أسد الغابة» لابن الأثير (1/88)، «البداية والنهاية» لابن كثير (9/12)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (1/55)، «الإصابة» لابن حجر (1/106)، «طبقات الحفاظ» للسيوطي (22)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/82)].
٢-هي بريرة مولاة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، كانت مولاة لقوم من الأنصار فكاتبوها، ثمّ باعوها من عائشة رضي الله عنه فأعتقتها تحت زوج لها يسمى مغيثًا، فخيَّرها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فاختارت فِراقه وكان يُحبُّها، وقصتها مشهورة في الصحيحين، وفي شأنها ورد حديث: «إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وعاشت إلى زمن يزيد بن معاوية.
[انظر ترجمتَها في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (8/256)، «المستدرك» للحاكم (4/71)، «الاستيعاب» لابن عبد البر (4/1795)، «أسد الغابة» لابن الأثير (5/409)، «سير أعلام» النبلاء للذهبي (2/297)، «الإصابة» لابن حجر (4/251)، «أعلام النساء» لكحالة (1/129)].
٣-أخرجه البخاري (12/40)، وأبو داود (2/672)، والترمذي (3/461)، والنسائي (6/163)، وابن ماجه (1/670)، وأحمد في «مسنده» (6/42، 170، 175، 186)، والدارمي في «سننه» (2/169)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (7/223)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/82) من رواية الأسود عن عائشة رضي الله عنها.
٤- هو أبو محمَّد القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي البكري المدني، الإمام الحافظ الحُجَّة من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة، وأفضل أهل زمانه علمًا وأدبًا وفقهًا، وله مناقب وجملة من الأحاديث توفي سنة (107ﻫ).
[انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (5/187)، «التاريخ الكبير» للبخاري (7/157)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (7/118)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (4/59)، «البداية والنهاية» لابن كثير (9/250)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (5/53)، «طبقات الحفاظ» للسيوطي (44)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/135)].
٥-هو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني، من أجلِّ علماء التابعين، وأحد الفقهاء السبعة، كان ثِقةً فقيهًا عالِمًا ثَبْتًا حُجَّةً كثيرَ الحديث، عالِمًا بالسِّيَرِ، توفي سنة (94ﻫ).
[انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» لابن سعد (5/178)، «التاريخ الكبير» للبخاري (7/31)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (6/395)، «طبقات الفقهاء» للشيرازي (58)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (3/255)، «البداية والنهاية» لابن كثير (6/101)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (4/421)، «طبقات الحفاظ» للسيوطي (29)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/103)].
٦-أمَّا رواية ابن القاسم عن عائشة رضي الله عنها فقد أخرجها مسلم (10/146)، وأبو داود (2/672)، والنسائي (6/165)، وابن ماجه (1/670)، وأحمد (6/180)، والدارمي (2/169)، والبيهقي (7/220)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/82).
وأمَّا رواية عروة فقد أخرجها مسلم (10/147)، وأبو داود (2/672)، والترمذي (3/461)، والنسائي (6/164)، والدارقطني (3/22)، والبيهقي (7/221)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/82).
٧-«إحكام الفصول» (750)، «المنهاج» كلاهما للباجي (230)، «المستصفى» للغزالي (2/398).
٨-أخرجه البخاري (12/40)، وأبو داود (2/672)، والترمذي (3/461)، والنسائي (6/163)، وابن ماجه (1/670)، وأحمد (6/43، 170)، والدارمي (2/169)، والبيهقي (7/223)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/82).
٩-جعل الإمام البخاري لفظ «كان حرًّا» من قول الأسود لا من كلام عائشة رضي الله عنها وتعقَّبه بقوله: «قول الأسود منقطع»، وقول ابن عباس رضي الله عنهما: «رأيته عبدًا» أصحّ. [«صحيح البخاري» (12/41)].
[انظر هذا الاختلاف بين نقل أهل المدينة وأهل العراق في «شرح السُّنَّة» للبغوي (9/110)، «فتح الباري» لابن حجر (9/407)].
١٠- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (340).
١١-مذهب الجمهور أنه لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل عند حدوث الرِّدَّة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وهو مرويٌّ عن أبي بكر وعلي، وبه قال الزهري والنخعي ومكحول وغيرُهم، وذهب أبو حنيفة وأصحابُه إلى أنّ المرتدّة لا تقتل بل تجبر على الإسلام بالحبس والضرب، وذهب رأي ثالث إلى أنها تسترق ولا تقتل.
[انظر تفصيل هذه المسألة في: «التفريع» لابن الجلاب (2/231)، «المهذب» للشيرازي (2/223)، «بداية المجتهد» لابن رشد (2/459)، «المغني» لابن قدامة (8/123)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (3/530)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (3/284)، «الاختيار» لابن مودود (4/149)، «القوانين الفقهية» لابن جزي (350)، «مغني المحتاج» للشربيني (4/139)].
١٢- تقدم تخريجه.
١٣- أخرجه البخاري في «الجهاد» (6/148) باب قتل الصبيان في الحرب، باب قتل النساء في الحرب، ومسلم في «الجهاد والسير» (12/48) باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، وأبو داود في «الجهاد» (3/121) باب في قتل النساء، والترمذي في «السير» (4/136) باب ما جاء في النهي عن قتل النساء والصبيان، وابن ماجه في «الجهاد» (2/947) باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
١٤- قال النووي في «شرح مسلم» (12/48): «أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون».
١٥- «إحكام الفصول» (751)، «المنهاج» كلاهما للباجي (230).
١٦- تقدم تخريجه.
١٧- تقدم تخريجه.
١٨- إذا ورد اللفظ العامُّ ابتداءً على سببٍ فإن كان مُستقِلًّا بنفسه فإنَّ العبرة فيه -عند جمهور الأصوليِّين- بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعليه أكثرُ المالكية، أمَّا إذا لم يستقلَّ بنفسه فلا خلاف بين أهل العلم في تبعية الجواب غير المستقِلِّ للسؤال أو الحادثة في عمومه اتفاقًا، وأمَّا في الاعتبار في خصوصه فقيل: إنه لا نزاع في ذلك، والصحيح أنه محلُّ خلافٍ بين الأصوليِّين، ويتبع السؤال في خصوصه في أحد قولي العلماء، وهو المختار عند الجمهور، وفي هذه المسألة آراء أخرى، وقد تقدَّمت هذه المسألة. [انظر: (ص 145)].
١٩- «مفتاح الوصول» للتلمساني (642).
٢٠- ما عليه جمهور الصحابة والتابعين جواز قضاء الفوائت المكتوبة في أوقات النهي وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد واستدلُّوا بما ذكره المصنِّف وبحديث: «إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلاَةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتِ الأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّ حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا». [أخرجه مسلم في «المساجد» (5/186) باب قضاء الفائتة واستحباب تعجيله من حديث أبي قتادة رضي الله عنه]، وهذا بخلاف ما عليه أهل الرأي والأحناف، فلا يجوز قضاء الفائتة عندهم في أوقات النهي للحديث الذي أورده المصنِّف، كما احتجُّوا بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم «لَـمَّا نَامَ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَخَّرَهَا حَتَّى ابْيَضَّتْ». [أخرجه البخاري في «التيمم» (1/447) باب الصعيد الطيب، ومسلم في «المساجد» (5/190) باب قضاء الفائتة من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه]. وكذلك استدلُّوا بجُملةٍ من الآثار، والصحيح في ذلك قضاءُ الفوائت في أوقات النهي وغيرِها لما تقدَّم من الأحاديث الدالَّة على الأمر بالصلاة حين ذكرها أو الاستيقاظ لها من غير استثناء لأوقات النهي، أمَّا تأخير النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الصلاةَ حتى ابيضَّتِ الشمسُ فجوابه: أنه أيقظهم حَرُّ الشمس من جهة، وقد عَلَّل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ المانع من الصلاة في الحال أنه مكان حضره الشيطانُ، فجعل المانعَ من الصلاة المكانَ لا الزمان، أمَّا النهيُّ فمخصوصٌ في الوقتين الآخرين، وبعصر يومه، ويلحق محلّ النِّزاع على المخصوص، أمَّا الآثار الواردة فغاية ما تدلُّ عليه جوازُ التأخير لا تحريمُ الفعل. [انظر: «المدونة» لابن القاسم (1/130)، «الأم» للشافعي (1/148)، «الكافي» لابن عبد البر (53)، «المبسوط» للسرخسي (1/150)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (286)، «المغني» لابن قدامة (2/107)].
وكذلك يُشرع قضاءُ السُّنن الرواتبِ إذا فات وقتها في الأوقات المنهي عنها في أصحِّ أقوال العلماء، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لمذهب مالك والأحناف. [انظر: «الكافي» لابن عبد البر (53)، المهذب للشيرازي (1/99)، «بداية المجتهد» لابن رشد (1/103)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (1/314)، «المغني» لابن قدامة (2/117)، «المجموع» للنووي (4/168)، «فتح الباري» لابن حجر (2/59)].
٢١- متفق عليه، تقدم تخريجه.
٢٢- متفق عليه، تقدم تخريجه.
٢٣- «إحكام الفصول» (751)، «المنهاج» كلاهما للباجي (231).
٢٤- انظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (ص 341).
٢٥- هو أبو بكرة نُفَيع بن الحارث، وقيل: نُفيع بن مَسروح الثقفي الطائفي، تدلَّى في حصار الطائف بِبَكرة فاشتهر بأبي بكرة، وكان من فضلاء الصحابة، وسكن البصرة وأنجب أولادًا لهم شهرة، وروى عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عنه أولادُه، وتوفي سنة (51ﻫ).
[انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» (7/15)، «المعارف» لابن قتيبة (288)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (8/489)، «الاستيعاب» لابن عبد البر (4/1614)، «أسد الغابة» لابن الأثير (5/151)، «الكامل» لابن الأثير (3/489)، «البداية والنهاية» لابن كثير (8/57)،«الإصابة» لابن حجر (3/571)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (3/5)، «شذرات الذهب» لابن العماد (1/58)].
٢٦-وَلاَ تَعُدْ: من العود، أي: لا تفعل مثل ما فعلت ثانيًا، وروي: «لاَ تَعْدُ» من العدو، أي: لا تسرع المشي إلى الصلاة، واصبر حتى تصل إلى الصفِّ، ثمَّ اشرع في الصلاة، وقيل: «لا تُعِدْ» من الإعادة، أي: لا تُعِدِ الصلاةَ التي صلَّيتها، وحكى النووي الأقوال الثلاثة وقال: الأنسب لا تعد إلى الإحرام خلف الصفِّ، والأجمع ما قال العسقلاني: ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضمِّ العين من العود أي: لا تَعُدْ إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثمَّ من الركوع دون الصفِّ، ثمَّ من المشي إلى الصف. [انظر: «مرقاة المفاتيح» للقاري (3/184)]، قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/64) رقم (230) -بعد تحقيق مفصّل-: «ويتلخَّص ممَّا تقدَّم أنَّ النهيَ لا يشمل الاعتداد بالركعة ولا الركوع دون الصفِّ، وإنما هو خاصٌّ بالإسراع لمنافاته للسكينة والوقار -كما تقدَّم التصريحُ بذلك من حديث أبي هريرة- وبهذا فسَّره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «قوله: لا تعد يشبه قولَه: لا تأتوا الصلاةَ تسعون»، ذكره البيهقي في «سننه»: (2/90)].
٢٧-أخرجه البخاري في «الأذان» (2/190) باب يقدم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين، ومسلم في «صلاة المسافرين» (6/44) باب صلاة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ودعائه بالليل، وأبو داود في «الصلاة» (1/407) باب الرجلين يؤم أحدُهما صاحبَه كيف يقومان، والترمذي في «الصلاة» (1/451) باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجلٌ، والنسائي في «الإمامة» (2/86) باب موقف الإمام إذا كان معه صبي وامرأة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٢٨- أخرجه البخاري في «الأذان» (2/190)، باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء، ومسلم في «صلاة المسافرين» (6/44)، باب صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعائه بالليل، وأبو داود في «الصلاة»(1/407)، باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان، والترمذي في «الصلاة» (1/451)، باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل، والنسائي في «الإمامة» (2/86)، باب موقف الإمام إذا كان معه صبي وامرأة من حديث ابن عباس رضي الله عنها.
٢٩- وعند الحنابلة أنَّ مَن ركع دون الصفِّ ثمَّ دخل فيه لا يخلو من ثلاثة أحوال ذكرها ابن قدامة في «المغني» (2/234)، قال:
«إمَّا أن يصلي ركعةً كاملةً فلا تصح صلاته لقول النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ صَلاَةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، والثاني: أن يدب راكعًا حتى يدخلَ في الصفِّ قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، أو يأتي آخَرُ فيقف معه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، فإنَّ صلاته تصحٌّ؛ لأنه أدرك مع الإمام في الصفِّ ما يدرك به الركعة… والحال الثالث: إذا رفع رأسه من الركوع، ثمَّ دخل في الصفِّ، أو جاء آخر فوقف معه قبل إتمام الركعة، فمتى كان جاهلًا بتحريم ذلك صَحَّت صلاتُه، وإن علم لم تصحَّ، وروى أبو داود عن أحمد: أنه يصحُّ ولم يفرق، وهذا مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنَّ أبا بكرة فعل ذلك، وفَعَله من ذكرنا من الصحابة».
قلت: والرأي الأخير للإمام أحمد ذكره أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» (ص 35)، قال: سمعت أحمد عن رجلٍ رَكَعَ دون الصفِّ ثمَّ مشى حتى دخل في الصفِّ، وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصفّ ؟ قال تجزيه ركعة، وإن صلى خلف الصف وحده أعاد الصلاة»، قال أحمد شاكر في «سنن الترمذي» (1/451): «والذي قال أحمد هو الجواب الراجح والجمع الصحيح بين حديث وابصة وبين حديث أبي بكرة».
٣٠- هو أبو سالم وَابِصَة بن مَعْبَد بن عتبة بن مالك الأسدي، وفد على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم سنة تسع وروى عنه وعن ابن مسعود.
[انظر ترجمته في: «الاستيعاب» لابن عبد البر (4/1563)، «أسد الغابة» لابن الأثير (5/76)، «الإصابة» (3/626)، «تهذيب التهذيب» كلاهما لابن حجر (11/100)].
٣١- أخرجه أبو داود في «الصلاة» (1/439) باب الرجل يصلي وحده خلفَ الصف، والترمذي في «الصلاة» (1/445) باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده، وابن ماجه في «إقامة الصلاة» (1/321) باب صلاة الرجل خلف الصف وحده من حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه، والحديث صححَّه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» برقم: (682).
٣٢- «إحكام الفصول» (452)، «المنهاج» كلاهما للباجي (231).
٣٣-انظر: «المستصفى» للغزالي (2/397)، «الإحكام» للآمدي (3/279)، «شرح الكوكب المنير»للفتوحي (4/707)، والمصادر الأصولية المثبتة على هامش «الإشارة» (341).
٣٤- وعدم نقض الوضوء من الضحك، هو مذهب جمهور العلماء؛ لأنَّ الوجوب من الشارع ولم ينصَّ الشارع في إيجاب الوضوء من الضحك ولا يلحقه شيءٌ بالقياس، وما استدلّ به الأحناف والهادوية وأصحاب الرأي من الأحاديث في نقض الوضوء به فهي أسانيد ضعاف لا يثبت منها شيء. [انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (1/40)، «المغني» لابن قدامة (1/177)، «بدائع الصنائع» للكاساني (1/48)، «المجموع» للنووي (2/60)، «شرح فتح القدير» لابن الهمام (1/52)، «السيل الجرار» للشوكاني (1/100)].
٣٥- تقدم تخريجه.
٣٦-أخرجه الدارقطني في «الطهارة» (1/169) باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها، وابن الجوزي في «التحقيق» (1/195)، وفي «العلل» له (1/369)، من حديث أبي مليح بن أسامة عن أبيه رضي الله عنه، والحديث ضعيف الإسناد. [انظر: «نصب الراية» للزيلعي (1/49)، «الدراية» لابن حجر (1/36)، «طريق الرشد» للشيخ عبد اللطيف (1/36)].
قال النووي في «المجموع» (2/61): «وأمَّا ما نقلوه عن أبي العالية ورفقته، وعن عمران وغير ذلك ممَّا رووه فكلّها ضعيفة واهية باتفاق أهل الحديث، قالوا: ولم يصحَّ في هذه المسألة حديث، وقد بيَّن البيهقي وغيرُه وجوه ضعفها بيانًا شافيًا».
٣٧- «إحكام الفصول» (753)، «المنهاج» كلاهما للباجي (232).
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-06-2010, 02:04 PM   #30
أم عبدالله
عضو قدير
  من مواضيعي :
صيام التطوع
العيد عبادة أم عادة؟
تفريج الكربات قربة لرب السماوات
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة
عظيم الأجر باغتنام العشر
احذروا لغة قلب الحقائق
أبواب الخيرات
وقفات مع وحدة وحوار الأديان
الصيام والتوحيد
رمضان دعوة للتغيير
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 1,522
افتراضي

http://www.ferkous.com/rep/C27.php
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أم عبدالله غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



الساعة الآن 04:46 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.

تطوير» شركة فاديكوم

" المشاركات لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع وإنما عن رأي كاتبها ، ولكن نرجو ممن ينقل أن يعزو للمنتديات وذلك تقديرا للجهود المبذولة "